الموضوعات المميزة

آثار رئاسة بايدن للولايات المتحدة على الواقع السياسي بالشرق الأوسط

مع إعلان المجلس الوطني لنزاهة الانتخابات الأمريكية، فوز المرشح الديمقراطي جو بايدن بانتخابات الرئاسة الأمريكية، السبت، 7 نوفمبر 2020، بعد تغلّبه على الرئيس الجمهوري الحالي دونالد ترامب، في انتخابات شغلت العالم بأسره وحظيت باهتمام غير مسبوق، تأتي التركة ثقيلة على كاهل الرئيس الـ46 للولايات المتحدة، بعد فترة مثيرة للجدل لسابقه، لا سيما فيما يتعلق بملفات حساسة وشائكة لقرون في الشرق الأوسط.

وخلال هذا التقرير نستعرض تدعيات فوز جو بايدن على الملفات الأساسية في الشرق الوسط، والتي يخالف فيها الرئيس الجديد كليا توجهات دونالد ترامب:

القضية الفلسطينية

بدا الاهتمام الإسرائيلي واضحاً بمراقبة نتائج الانتخابات الأمريكية، فمنذ أن بدأ الاقتراع خصصت قنوات التلفزة والصحف الإسرائيلية مساحة كبيرة لمراقبة عمليات الاقتراع وفرز الأصوات، وتزامن الاهتمام الإسرائيلي بهذه الانتخابات مع توقع وتحليل للسياسات الخارجية للمرشح الديمقراطي الفائز جو بايدن، وإلى أي مدى ستكون سياساته مختلفة عن سلفه الخاسر دونالد ترامب.

وانقسم الإسرائيليون بمواقفهم بعد إعلان فوز بايدن، فزعيم المعارضة يائير لابيد من أوائل من هنأوه بالفوز، وتبعه أفيغدور ليبرمان، ومعهما شركاء نتنياهو في الائتلاف بيني غانتس وغابي أشكنازي. لكن جاء لافتاً تأخر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في تهنئة بايدن، الذي اكتفى بتغريدة أشار فيها أن “بايدن صديق لإسرائيل، ويتمنّى أن يعملا معاً لتعزيز التحالف الإسرائيلي- الأمريكي، دون أن يشير صراحة لفوزه في الانتخابات”، ما يعني أن نتنياهو تلقَّى صدمةً كبيرة بخسارة ترامب للانتخابات.

وتضع إسرائيل أجندة الملفات والسياسات المرتقبة أمام بايدن على الطاولة، خصوصاً بعد أن قطع سلفه ترامب شوطاً كبيراً بإنجاز الكثير من القضايا التي خدمت إسرائيل طيلة سنوات حكمه الأربع، خاصة ما يتعلق بصفقة القرن، ومدى إيمانه بهذه الخطة كحل سياسي في إنهاء الصراع مع الفلسطينيين، وقضية البناء الاستيطاني الإسرائيلي غير المشروع في الضفة الغربية.

وتبدو ملف تصفية القضية الفلسطينية حاضرة على أجندة السياسة الإسرائيلية، لأنها في فترة ترامب كانت طرفاً قوياً في المعادلة السياسية، ليس فقط تجاه الفلسطينيين، بل على مستوى دول الإقليم، حيث ترى إسرائيل أن صفقة القرن بمثابة خارطة الطريق الوحيدة لأي مسار سياسي لإنهاء الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، وأن العدول عنها، أو إجراء تعديلات عليها من بايدن سيضع السلطة الفلسطينية في موقف متوازن مع إسرائيل.

كما شهدت فترة ترامب ضغوطاً شديدة على السلطة الفلسطينية، من أبرزها وقف كافة أشكال التمويل، وإجبار دول أخرى على قطع مساعداتها المالية، وما أقر في السابق من خطوات سياسية كالاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إليها ضمن سياسة فرض الأمر الواقع، وإغلاق مكتب بعثة منظمة التحرير في واشنطن.

الملف الإيراني

على الجهة الأخرى، إلى طهران، يبدو واضحاً أن بايدن ليس متحمساً للاستمرار بنهج سلفه ترامب، بل هو متقارب إلى حد كبير مع سياسة الرئيس الأسبق باراك أوباما، الذي وُقع في عهده اتفاق إيران النووي في 2015، الخاص بضمان حصولها على الطاقة النووية للأغراض السلمية، مقابل رفع العقوبات المالية المفروضة عليها، حيث عارضته إسرائيل، واعتبره نتنياهو هدية مجانية منحتها واشنطن لطهران للحصول على الطاقة النووية التي قد تستغلها ضدها.

ومن الواضح أن الملف الإيراني يحظى بمركزية لدى إسرائيل، وتحديداً من نتنياهو، لأنه روّج في خطاباته أمام دول الخليج العربي، بأنه صاحب فكرة ومبدأ استمرار الضغط على إيران، وأي عدول أمريكي عن هذا الاتفاق سيضعه في حرج كبير أمام أصدقائه في الخليج، لذلك فإن الملف الإيراني سيكون محل خلاف جذري ورئيسي بين نتنياهو وبايدن طيلة السنوات الأربع القادمة، ما لم ترضخ إسرائيل، أو تقتنع بوجهة النظر الأمريكية.

الديكتاتورية المصرية

بالرغم من أنَّ الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أول زعيم عربي يهنئ الرئيس الأمريكي المُنتخَب جو بايدن على فوزه، يُتوقَّع أن تجلب خسارة دونالد ترامب عهداً جديداً لسياسة أمريكية “أقل تسامحاً” تجاه نظام السيسي. فبعيداً عن المجاملات، قد يسود شعور بالقلق داخل دوائر صنع القرار بالقاهرة ، بالرغم من أنَّ احتمال هزيمة ترامب كان متوقعاً. ويقول مراقبون إنَّ وصول بايدن للمكتب البيضاوي قد يعيد طرح مشكلات لا ترغب القاهرة في مناقشتها، بما في ذلك حقوق الإنسان.

ومع ذلك لدى بايدن سجل واضح فيما يخص الدفاع عن قضايا حقوق الإنسان في مصر. لكن الأكثر وضوحا حيال النسخة العسكرية الحالية على رأس السلطة المصرية، هو أن بايدن انتقد خلال حملته الانتخابية في 2020 دعم ترامب للسيسي، في إشارة إلى تغيير محتمل في خطاب الإدارة الجديدة.    

وفي تغريدة في يوليو الماضي، أصدر بايدن تحذيراً شديد اللهجة للسيسي، قائلاً إنه إذا انتُخِب رئيساً فلن يكون هناك “المزيد من الحرية المطلقة لديكتاتور ترامب المفضل”، في إشارة إلى تصريحات ترامب خلال قمة مجموعة السبع العام الماضي، عندما سأل الرئيس ترامب: “أين ديكتاتوري المفضل؟”.

كما رحب بايدن بالإفراج عن محمد عماشة، طالب الطب الأمريكي الذي سُجِن في مصر من دون محاكمة لمدة 486 يوماً، وشن هجوماً لاذعاً على علاقة ترامب بالسيسي، قائلاً إنَّ إدارته لن تتجاهل قمع القاهرة لحقوق الإنسان.

ويبدو أن مصر تقرأ هذا التحول جيدًا، فقبل أيام من صدور نتائج الانتخابات الأمريكية، أطلقت مصر سراح مئات السجناء السياسيين؛ آخرهم أقارب المدافع المصري الأمريكي عن حقوق الإنسان محمد سلطان، الذي أعلن يوم الجمعة 6 نوفمبر، قبل ساعات من إعلان فوز بايدن، الإفراج عن خمسة من أقاربه المحتجزين انتقاماً من نشاطه.

وكان بايدن قد سلَّط الضوء على قضية سلطان في انتقاده للسيسي قبل 4 أشهر؛ مما أثار تحليلاً بأنَّ الإفراج كان علامة على “تراجع” السيسي عن المسار المتبع بمجرد أن أصبح فوز بايدن أكثر احتمالاً. ويتوقع البعض اتخاذ القاهرة المزيد من الإجراءات في الفترة المقبلة لتحسين سجلها في مجال حقوق الإنسان وتخفيف التوترات المحتملة مع بايدن”. 

النفوذ الروسي

يعتقد محللون إنَّ البلدين (روسيا والولايات المتحدة) سيظلان بحاجة إلى إيجاد طريقة لتجنب التوترات بالشرق الأوسط في الفترة المقبلة، خاصة عندما يتعلق الأمر برغبة دول المنطقة العربية في تنويع مصادر الأسلحة لجيوشها، إذ تحاول تلك الدول تقليل اعتمادها على إمدادات الأسلحة الأمريكية. وأبرمت أغلبها صفقات أسلحة في السنوات الست الماضية مع فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة والصين، والأهم من ذلك روسيا.

وقد تؤدي التقارير التي تفيد بأنَّ بلدانا مثل مصر تخطط لشراء طائرة مقاتلة سوخوي الروسية من طراز “سو-35” متعددة الأدوار إلى غضبة أمريكية من مصر بموجب قانون مكافحة النفوذ الروسي في أوروبا وأوراسيا لعام 2017، لكن يرى محللون أنَّ هذه ستكون قضية شائكة في العلاقات بين موسكو والإدارة الجديدة في الولايات المتحدة، خاصة إذا لم تتفهم واشنطن حاجة الدول العربية إلى تحديث جيشها.

الاتجاه للداخل

لكن بشكل عام، إذا كان لفترة ترامب من أثر واضح على بايدن، فستكون غالبا في الشعار “الترامبي” الشهير: أميركا أولا، الذي صحبه في حملته الانتخابية، وهو ما أكد عليه بايدن في “خطاب النصر”، حين تعهد بالعمل على توحيد بلد يعاني استقطابا شديدا، برغم رفض الرئيس الجمهوري دونالد ترامب الاعتراف بالهزيمة.

وقال بايدن أمام أنصاره في خطاب بمرأب للسيارات في مسقط رأسه ويلمنجتون في ولاية ديلاوير “لقد تحدث شعب هذه الأمة. منحونا نصرا واضحا ونصرا مقنعا أتعهد بأن أكون رئيسا يسعى للوحدة لا للتقسيم”، مضيفا “الآن، دعونا نعطي بعضنا البعض فرصة. حان الوقت لتنحية الخطاب القاسي جانبا، ونهدئ الغضب، ونرى بعضنا مرة أخرى، ولنصغي إلى بعضنا مجددا”. وأضاف “حان الوقت لمداواة أمريكا”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق