تحليل إخباري

أين تقف مفاوضات مصر وإثيوبيا حول سد النهضة؟

تناقض في التصريحات ولا نتائج ملموسة

سنوات من محادثات ثنائية ومتعددة الأطراف، ولجان خبراء، وإعلان مبادئ بين مصر وإثيوبيا والسودان، وجولات مستمرة من المفاوضات تُعقد عن بُعد برعاية مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، لم تسفر حتى الآن عن نتائج ملموسة حول مسألة سد النهضة الإثيوبي الذي يُشيد على مجرى النيل الأزرق، عدا الكشف عن حجم الهوة الدبلوماسية التي تهدد برفع درجة الدفاع عن المصالح الحيوية ومقدرات الشعب  وانعدام الثقة بين كل من الشعبين المصري والإثيوبي.

في مصر يُنظَر إلى السد القائم على رافد النيل الأساسي بوصفه تهديدا بالتحكم في تدفق المياه التي تعتمد عليها كل مناحي الحياة في مصر تقريبا. أما في إثيوبيا، فيُنظر إلى ذلك السد، حال تشغيله بكامل طاقته، بوصفه المحطة الأكبر أفريقيا لتوليد الكهرباء وتوفيرها لـ 65 مليون إثيوبي محرومين منها.

وفي اليوم الثامن من الاجتماعات التي انعقدت منتصف يونيو 2020، قال ممثِّلا البلدين إن تهديدا وجوديا يحدق بوطنيهما، حيث أكد وزير الخارجية المصري سامح شكري، في كلمته بالاجتماع أن “تهديدا وجوديا بات يحدق بشريان الحياة الوحيد الذي يعيش عليه أكثر من مئة مليون مصري”، وفي المقابل، استخدم سفير إثيوبيا لدى الأمم المتحدة تاي أسقي سيلاسي، لغة مشابهة عندما قال: “إن الانتفاع بمواردنا المائية في إثيوبيا ليس اختيارا، إنما ضرورة وجودية”.

خطوة أحادية

والآن وصلنا إلى نقطة تعلن فيها إثيوبيا الإقدام أحاديّ الجانب على ملء السد في الأسابيع القليلة المقبلة بالتزامن مع موسم الأمطار، في عملية يُتوقع لها أن تستغرق نحو سبع سنوات، حيث تَعتبر إثيوبيا بناءَ السد والبدء في ملئه شيئًا واحدًا. ويؤكد المفاوض الإثيوبي أن إعلان المبادئ المبرَم في 2015 بين السيسي والبشير وآبي أحمد، قادة الدول الثلاثة يسمح لإثيوبيا بالمضيّ قُدما في عملية الملء.

وهكذا، يشوب المحادثات المصرية الإثيوبية الكثير من التناقض بين تصريحات البلدين، فإثيوبيا أعلنت أنها تنوي بدء ملء سدّها العملاق على نهر النيل في “الأسبوعين المقبلين”، متعهدة في الوقت نفسه بمحاولة التوصل إلى اتفاق نهائي مع مصر والسودان خلال هذه الفترة، برعاية الاتحاد الإفريقي.

لكن هذا التصريح الأثيوبي الصادر عن مكتب رئيس الوزراء أبيي أحمد، يناقض تصريحات أدلى بها مسؤولون مصريون وسودانيون مطلع الأسبوع الجاري، أكدوا فيها التوصل الى اتفاق بين الدول الثلاث خلال قمة افتراضية جمعتها مع ثلاث دول إفريقية أخرى، على وقف ملء السد إلى أن يتم التوصل إلى اتفاق نهائي حول الموضوع.

أهمية السد

سدّ النهضة الذي بدأت أديس أبابا ببنائه في 2011 سيصبح عند إنجازه أكبر سدّ كهرمائي في إفريقيا، مع قدرة إنتاج بقوة ستة آلاف ميغاواط. لكنّ هذا المشروع الحيوي لأثيوبيا والذي أقيم بارتفاع 145 مترا، يثير توترات حادّة بينها وبين كلّ من السودان ومصر اللتين تتقاسمان مع إثيوبيا مياه النيل وتخشيان أن يحد السد من كمية المياه التي تصل إليهما.

وتقول أثيوبيا إنّ الكهرباء المتوقّع توليدها من سدّ النهضة لها أهمية حيوية من أجل الدفع بمشاريع تنموية في البلد الفقير البالغ عدد سكانه أكثر من 100 مليون نسمة، فيما تقول مصر إنّ السد يهدّد تدفّق مياه النيل التي ينبع معظمها من النيل الأزرق حيث بني السد، وقد تكون تداعياته مدمّرة على اقتصادها ومواردها المائية والغذائية. وتستقي مصر 97% من حاجتها من المياه من النيل.

صراخ مصري دون مجيب

تعتبر مصر هذا المشروع تهديدا “وجوديا”. ودعت مجلس الأمن الدولي إلى التدخل، وأعلنت القاهرة والخرطوم في بيانين رسميين، عن اتفاق خلال قمّة إفريقية مصغّرة عقدت عبر الفيديو برئاسة رئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوزا، الرئيس الحالي للاتحاد الإفريقي، على تأجيل البدء بملء خزّان سدّ النهضة الكهرمائي لحين إبرام اتّفاق بين الدول الثلاث.

وجاء في بيان الرئاسة المصرية أنّ الاتّفاق ينصّ على “الامتناع عن القيام بأية إجراءات أحادية، بما في ذلك ملء السدّ، قبل التوصّل إلى هذا الاتّفاق، وإرسال خطاب بهذا المضمون إلى مجلس الأمن” كما قالت الحكومة السودانية في بيان “تم الاتّفاق على أن يتمّ تأجيل ملء الخزّان إلى ما بعد التوقيع على اتّفاق”، مشيرة إلى أنّه تمّ أيضاً الاتفاق على أن “تبدأ مفاوضات على مستوى اللجان الفنية فوراً بغية الوصول إلى اتفاق في غضون أسبوعين”.

لكن أديس أبابا لم تأت على ذكر الإرجاء في بيانها الختامي، بل بدت متمسكة بالجدول الزمني الذي أعلنته من قبل وينص على بدء تعبئة خزان السد في تموز/يوليو، وجاء في البيان الأثيوبي: “خطّطت إثيوبيا لبدء ملء السدّ في غضون أسبوعين ستتواصل خلالهما أعمال البناء. واتفقت الدول الثلاث على أن يتمّ التوصل الى اتفاق نهائي على النقاط القليلة التي لا تزال عالقة خلال هذه الفترة”.

أين نقف الآن؟

مؤخراً، عُقدت آخر جولات التفاوض عبر القمة الإفريقية المصغّرة بدعوة من رئيس جنوب إفريقيا وشارك فيها كلّ من الرئيس المصري عبد الفتّاح السيسي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبيي أحمد ورئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك والرئيس الكيني أوهورو كينياتا ورئيس الكونغو الديموقراطية فيليكس تشيسيكيدي ورئيس مالي إبراهيم بوبكر كيتا ورئيس مفوضية الاتّحاد الأفريقي موسى فكي.

وبنهاية الاجتماع، أعلن الاتحاد الإفريقي في بيان أنّ “90% من القضايا المتعلّقة بالمفاوضات الثلاثية الأطراف سبق وأن تمّ حلّها”، وشدّد على أنّ هذا الملف بات في عهدته وأنّه سيتمّ إعداد تقرير مرحلي ورفعه “في غضون أسبوع” إلى الرئيس رامافوزا، مشيراً إلى أنّ المجلس التنفيذي للاتحاد سينعقد مجدّداً خلال أسبوعين للبحث في هذا الملف.

وطالب الاتحاد الإفريقي في بيانه الدول المعنية بالامتناع عن أيّ تصريح أو فعل من شأنه أن يعقّد أو يقوّض العملية التي يقودها الاتحاد الإفريقي والرامية إلى إيجاد حلّ مقبول للقضايا العالقة”، وقد أبدت الدول الثلاثة قبولها لالتزام الصمت الإعلامي تجاه القضية، وهذا هو سبب توقف التصريحات الرسمية حول الملف حتى وقت كتابة هذه السطور، لكن آخر بيانات أثيوبيا أكدت الشروع في ملء السد دون توقف، ما يعني أن كل شيء قد توقف عمليا، إلا إجراءات ملء السد!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق