تقارير ودراسات

إعادة رسم الهوية في دراما رمضان المصرية 2020

بين "الاختيار" والبرنس" و"النهاية"

موسم استثنائي للدراما الرمضانية المصرية هذا العام، استثنائي في كل شيء: التوقيت، والظروف، والموضوعات، وتفاعل الجمهور، وتقييم الأعمال. نجوم تصدروا الشاشات لسنوات سقطوا في فخ الغضب الجماهيري، وآخرون كرروا أنفسهم، فنجحوا أو فشلوا، وأعمال أخرى كانت صريحة في هدفها للحد الذي جعلها تكتب في مقدمتها: من إنتاج القوات المسلحة!

ومن المعلوم بالضرورة عن الحالة الإعلامية المصرية الراهنة سيطرة الدولة عبر شركة “سينرجى لإنتاج الفني”  ومديرها تامر مرسي وهي شركة تابعة حاليا للمخابرات العامة المصرية وتشرف على كل الأعمال الدرامية والفنية في مصر.

في ظل وباء عالمي لم يأت مثله على البشرية منذ أكثر من 100 عام، جاء تصوير المسلسلات ليخرق الحظر الذي فرضته ظروف مواجهة فيروس كورونا المستجد، لكن من بين الأعمال التي تم عرضها هذا العام، تصدرت 3 أعمال هي البرنس والاختيار والنهاية، ولكل منها تجربة مختلفة وتقييم فريد.. في هذا التقرير نأخذكم في جولة لتقييم هذه الأعمال الثلاثة المعروضة على الشاشات المصرية هذا العام:

الاختيار

منذ اللقطة الأولى لتتر المسلسل، نعلم أنه من إنتاج «وزارة الدفاع المصرية (إدارة الشؤون المعنوية)»؛ ليبدو واضحا للعيان أننا لسنا أمام مجرد عمل درامي عادي، بل عمل موجّه من قِبل الدولة، يحاول المسلسل أن يعيد إجابة السؤال: من هو العدو؟ لتتحول البوصلة من “إسرائيل” إلى “الإسلاميين”.

وبالفعل، فبجانب اشتغال المسلسل على عرض سيرة العقيد الراحل أحمد المنسي الذي قتل في 2017 في هجوم مسلح على كمين بمدينة رفح، يقدم المسلسل سردية الدولة المعتمدة عن عام حكم الرئيس الراحل محمد مرسي، ومظاهرات 30 يونيو واعتصام رابعة العدوية وانقلاب 3 يوليو، الذي بالطبع لن يصفه المسلسل بأنه انقلاب عسكري.

يركز المسلسل على تكرار مشاهد تذكر المصريين بـ”الِنعم” التي يعيشون فيها حاليا في ظل حكم الرئيس العسكري عبد الفتاح السيسي، عبر الإشارة لقطع الكهرباء المُكرر، الذي كان يحدث في عهد الرئيس مرسي، والطوابير التي كانت أمام محطات البنزين، دون التعرض لأسباب هذه الاضطرابات المفاجئة، وإنما يُكتفى فقط بإظهار “الغضب الشعبي” جراء ذلك على الرئيس.

لكن الفكرة الأخطر في المسلسل هي إظهار فكرة ربط عام حكم الإخوان بالتنظيمات المسلحة في شمال سيناء، والتي ظهرت بشكل متكرر في الحلقات الأولى، يظهر ذلك من قول ضيف الشرف ماجد المصري لـ«منسي» أمير كرارة الذي يجسد دور منسي، «إنت مستقل باللي حصل ولا إيه، في السنة اللي حكموا فيها البلد فرطت وخصوصًا سينا».

منذ اللحظة الأولى، يشوب المسلسل دراميا مشكلة واضحة، وهي جمود الشخصيات، تطور الشخصيات الرئيسية في العمل بسيط يخلو من التركيب؛ يظهر «منسي» بداية من رتبة رائد بالقوات المسلحة، كشخص جدع وخدوم ومحبوب من الجميع، يجسده كرارة بروح الباشا «سليم الأنصاري» بطل «كلبش» دون تطوير.

وجاءت شخصية هشام عشماوي من تجسيد أحمد العوضي بطريقة سطحية، إرهابي عابس للوجه دائمًا حتى داخل منزله، تربى تربية صارمة ومتشددة دينية، لكن لم يتضح على سبيل المثال سبب تغير أفكاره بعد دخول الجيش. وتلعب دراما المونتاج، على المقابلة بينهما.

بشكل عام، المسلسل ينقل فكرة مباشرة وموجهة للجمهور، وهي أن “الجيش يحمي الدولة من الإرهابيين”، وأن سكان سيناء قتلة ومأجورين، وأن الإخوان والرئيس مرسي كانا داعمين للمتطرفين، وأن السيسي هو البطل الأوحد الذي أنقذ مصر من هذا كله.

البرنس

يحكي المسلسل قصة يوسف وإخوته، أو «رضون البرنس» وإخوته. وكالعادة، نحن أمام قصة انتقام رمضانية (نسبة لمحمد رمضان وليس للشهر الفضيل)، في إطار معالجة معاصرة شعبية، حيث يعود رمضان لمنطقته المريحة؛ الحارة المصرية الأصيلة، بكل مستلزماتها: قهوة وولاد بلد، وخناقات يتفرّج عليها أهل الحتة، وصراعات تدور على قيم الجدعنة والمرجلة وأخلاق ولاد الأصول، والجمل المطعّمة باليمين: «وعرش ربنا».

تدور القصة حول رضوان، أحسن صنايعي دوكو في مصر، ابن الحاج حامد صاحب الورشة، الذي ينجب سبعة أبناء، لكن ليسوا من نفس الأم. في عمارة العائلة، تسكن الزوجة الأولى التي لم تعد على ذمته لكنها ما زالت على ذمة العيلة، والتي أنجبت له اثنين. والثانية التي أنجب منها أربعة. أما رضوان فهو يتيم الأم، حيث ماتت والدته فاطمة وهو صغير.

رضوان الذي لعب دوره محمد رمضان هو أكثر الأبناء برًا بوالده، والذي يحبه والده أكثر من إخوته ويصرح بذلك، فهو من يرث مهنته، ومن يقطع جواز سفره في المشهد الأول من المسلسل، خوفًا على عدم رضاه عن سفره للخارج، وهو الأكثر حنانًا عليه. وكما عودنا رمضان كل سنة، فهو يدفن والده في الحلقة الثالثة. ليبدأ الصراع هذه المرة، عندما نكتشف أنه قد كتب كل أملاكه باسمه، ووصاه ألا يعطي أخوته حقهم حتى ينصلح حالهم.

كل واحد في أخوة رضوان عنده سبب يجعل والده يغضب عليه، الكبير عبدالمحسن (إدوارد) أغضبه وتزوج من راقصة (بدرية طلبة)، أما فتحي (أحمد زاهر) وياسر (محمد علاء) ورأفت زوج أختهم كريهة الطباع عبير (رحاب الجمل)، يعملون في تجارة الحشيش، وفي الواجهة فاتحين صيدلية باسم الدكتورة شيماء (دنيا) زوجة فتحي. أما عادل (أحمد داش)، فهو مدمن هيروين، ويعيش بعيدًا عنهم ويعمل في السوشيال ميديا، أما نورا (ريم سامي) فهي  الأخت الصغري الطيبة البريئة التي تدرس الهندسة.

يمتلىء المسلسل باللقطات الزائدة والحشو والمط، مونولوجات وحوارات كثيرة تعيد وتزيد في نفس المضمون، بلا فائدة درامية، فكما هو متوقع: ينقلب الأخوة على أخوهم الذي أكل حقهم، وتبدأ رحلة انتقامهم، حتى يظلموه، ثم ينقلب الأخ الطيب شريرا، وينتقم من الجميع.

من اللافت للنظر أيضا في مسلسل “البرنس” نشر وتأكيد قيم الانتقام وزيادة جرعة الشر في الشخصية المصرية فقد كان واضحًا أثناء متابعة المصريين للمسلسل خلال شهر رمضان استغرابهم الشديد لمقدار الشر المتأصل في شخصيات المسلسل مما يؤكد سعي صناع الدراما في مصر وهم هنا “الدولة ” إلى تأكيد رؤية المصريين لأنفسهم على أنهم أناس سيئون وأن الشر يستشري بينهم.

النهاية

رغم أن كثيرًا من مجازات ودلالات وعوالم مسلسل «النهاية»، لمؤلفه عمرو سمير عاطف، جرى تجميعها وترقيعها من أفلام خيال علمي شهيرة، حيث يمكنك أن ترى على سبيل المثال، لمحات من فيلميّ «Blade Runner» و«1984»، إلا أنه ما زال يحتفظ بحس من الأصالة، إلى حد ما، خاصةُ بتاريخه البديل الطموح.

نحن في عام 2120، والأرض تعاني من أزمة طاقة، ولدى الشركات سلطة توازي سلطة الدول هذه الأيام. ولدى الشركة المسماة بجدارة «إنيرجي كو» قواعد ضد استخدام مكعبات الطاقة غير المصرح بها. والتعليم أيضًا غير مباح لكل الناس، إلا إذا كان بإذن من شركة «إيديكويشن كو»، حيث يتم تطبيق نظام التعليم الانتقائي، ويعاقب من يخالف هذا القانون، ويسمح لنفسه بالتدريس لأطفال غير مصرّح لهم.

قبل سنوات من بداية قصتنا، كانت الولايات المتحدة قد سقطت وتمزقت متحولة إلى مقاطعات تديرها العصابات الأمر الذي سمح للعرب بالاتحاد واستعادة القدس.. بطلنا، المهندس «زين» يوسف الشريف، قد اكتشف طريقة لتوليد طاقة تبلغ عشرة أضعاف ما يمكن لمكعب «آي سي» عادي توليده. كما يقوم في السر بتعليم الأيتام القراءة. كلا هذين الأمرين يجعلان شركة إنيرجي كو» تطارده. ولا بد أن يجد طريقة لحل أزمة الطاقة وفي نفس الوقت الهروب من السلطات.

في خط مواز لهذا، تأتي شخصية صباح (سهر الصايغ)، التي تعمل مع رضوى زوجة زين الحامل (ناهد السباعي) في شركة «جرين كو» المسؤولة عن المحاصيل والغذائية، وكانت مفتونة بزين سابقًا، لتقرر تركيب إنسان آلي يشبه يوسف الشريف الذي تحبه وتتخذه زوجًا لها، بمساعدة عزيز (عمرو عبدالجليل)، صنايعي الروبوتات، وهو الخط الذي يفجر إفيهات ليست بالقليلة، خاصة عندما يتكلم عبدالجليل بروح شخصيته في فيلم «حين ميسرة»، عن مصطلحات علمية.

ربما بسبب ما تصوروه من عدم اعتياد الجمهور المصري على مجازات الخيال العلمي، يعتمد صناع المسلسل بقوة على التصريح والمباشرة، وهو الأمر الذي لا ينتهي أبدًا ويقدّم بطرق غير ذكية للغاية. لا أحد يبالي بتوضيح حتى تفاصيل تاريخية سريعة وراء الحرب التي قتلت أمه وهو يقدم نفسه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى