أماكن

إقليم أندلوسيا.. البصمة العربية الصامدة بوجه التجريف

نظرة علوية لمدينة غرناطة الإسبانية، ويبدو واضحا فيها قصر الحمراء الأندلسي – موسوعة ويكيبيديا

“لا غالب إلا الله”.. ربما تلك هي العبارة الأكثر بروزا التي ستطارد عينيك في كل مكان إذا ما قررت يوما زيارة منطقة “أندلوسيا” الإسبانية الجنوبية، هناك ستجد الحرف العربي مطبوعًا في كل مكان، إلا لسان أهل البلاد، والعبارات الإسلامية تشعرك وكأنك في مصلى كبير، لا يعكر صفو بهائه إلا حانات الخمور ولافتاتها المثيرة، والمراقص الواسعة وموسيقاها الصاخبة المنبعثة من كل مكان.

لم يترك الأوروبيون طريقا لمحو الهوية العربية والإسلامية في إسبانيا بعد سقوط آخر حصونها (غرناطة) وخروج المسلمين منها سنة 1492م، إلا وسلكوه.. محاكم تفتيش تزهق آلاف الأرواح لإجبارهم على ترك الإسلام والشروع في المسيحية، تضييق على الموريسكيين (أهل الأندلس المتنصرين جهرا، المسلمين سرًا) لاختبار تنصيرهم أو إجبارهم على الرحيل، تجريد للعوائل من ألقابها الإسلامية، وطمس الهوية العربية من المباني والقلاع والقصور.

ورغم ذلك، ظلت بعض الشواهد عصية على الطمس والنسيان، وبقيت صامدة لقرون بوجه أعنف الحملات الانتقامية السادية عبر التاريخ، وشاهدة على تاريخ طويل عريق للمسلمين في شبه الجزيرة الإيبيرية، ولعل أبرز مثال على هذا الصمود، إقليم الأندلس، أو “أندلوسيا” كما يسميه الإسبان.

تعريف بالمنطقة

منطقة إقليم الأندلس (بالإسبانية: Andalucía)، هي إحدى أهم مناطق إسبانيا ذاتية الحكم، وهي من أكثر المناطق اكتظاظا بالسكان، وثاني أكبر مناطق إسبانيا من حيث المساحة. عاصمتها مدينة إشبيلية، والمنطقة مقسمة إلى ثماني مقاطعات لا تزال هويتها العربية حاضرة بقوة في أسمائها الإسلامية، وهي: ولبة و‌إشبيلية و‌المرية و‌قرطبة و‌مالقة و‌خاين و‌غرناطة و‌قادس. يبلغ عدد ساكنها 7.4 مليون نسمة، ومساحتها 87.000 كم².

يقوم اقتصاد المنطقة على الزراعة وصيد وتعليب الأسماك في الموانئ، فضلا عن السياحة الترفيهية والتاريخية، إذ تضم المنطقة العديد من الآثار الإسلامية، وفي مقدمتها قصر الحمراء العربي بغرناطة، ومسجد قرطبة، وقصر كارلوس الخامس، وحي البيازين بغرناطة، والقصبة بملقة، ولا خيرالدا بأشبيلية، ومرتفع مولاي الحسن (MULHACEN)، وهو أحد ملوك (بني الأحمر) الذين حكموا الأندلس إبان عصر ملوك الطوائف.

التاريخ العربي للمنطقة

عَبر المسلمون المغاربة (بالإسبانية: El Maroco) القاطنين شمال أفريقيا بصحبة الجنود البربر والعرب، في عام 711م، مضيق جبل طارق، وبدأوا غزوهم لمملكة القوط الغربيين “هيسبانيا”، ثم عبروا جبال البرانس وسيطروا على “سبتمانيا” في عام 719، وصولا إلى المقاطعة الأخيرة من مملكة القوط الغربيين إلى ناربون.

لم تكن دولة القوط الغربيين -إبان سقوطها- ضعيفة، بل ولم تكن جيوش المسلمين قوية بما يكفي، وفي أي نقطة تاريخية من هذه الحقبة لم تتجاوز الجيوش الإسلامية الغازية 60،000 من الرجال، لكنها نجحت بفضل شجاعة جنودها في إلحاق الهزيمة بخصومهم، وترسيخ حكم إسلامي استمر 300 سنة في معظم شبه الجزيرة الإيبيرية، و770 سنة في إقليم الأندلس: غرناطة وما حولها.

ولم يكن حكم المسلمين للأندلس عسكريًا خاليًا من الثقافة والإبداع، بل تحولت قُرطُبة (عاصمة الخِلافة الأُموية الأندلُسيَّة) إلى إحدى مُدن العالم الثلاثة الكُبرى في زمانها، ومنبرًا للعلم والحضارة في العالم القديم، إلى جانب بغداد والقُسطنطينيَّة، ووُصفت بأنَّها منارة أوروبا الغربيَّة، في الوقت الذي كانت فيه الأخيرة تقبع في الجهل والتخلُّف.. ويثبت حظوة الأندلس وتقدمها الثقافي والعلمي ما ترسخ في وجدان أهلها من هوية ظلت صامدة لقرون، نستعرض بعضا منها في السطور التالية.

حضور الهوية العربية بثقافة المنطقة

ظلت حاضرتا الإسلام الكبيرتان (بغداد الشرق وقرطبة الغرب) على اتصال دائم، على ما كان بينهما من تنافس سياسي، وكان أبناء المشرق والمغرب يتبادلون الزيارات فيلتقون في مجال الفكر، ويتنازعون في ميدان السياسة، وكان لهذه الزيارات المتبادلة أثرها البعيد في ازدهار العلوم والآداب والفنون، وهو ما بدا واضحا في ثقافة وهوية سكان إقليم الأندلس الحاليين.

لعل أهم ما يميز الأندلسيون حاليًا هو لهجتهم القشتالية الإسبانية الخاصة، والتي يمكن بسهولة ملاحظة أثر الحرف العربي فيها، بداية من أسماء البلدات إلى الأشخاص، وصولا إلى مئات الكلمات العربية المنقولة دون تحريف كالسكر والأرز والزيت والقصر والقلعة والبركة، فضلا عن ألفاظ أخرى تم استعارتها من العربية مع بعض التحريف، مثل كلمة مثله وأخرى وحتى لقاء وإن شاء الله، وهي ذات اللهجة المستعملة في الأمريكتين اليوم نظراً لأن حملات الاستكشاف الإسبانية للقارة المنفصلة انطلقت من إشبيلية عاصمة إقليم الأندلس.

أما الموسيقى الأندلسية، فيمكن توصيفها بوضوح على أنها موسيقى شرقية عربية، حيث إنها تمثل خلاصة المعطيات الفنية لعناصر بشرية من عرب وبربر وصقالبة تعايشت مع السكان المحليين في ظل الحكم العربي الإسلامي للأندلس، ثم كان لهذه الموسيقى تأثير قوي مباشر في جنوبي فرنسا وأوروبا.

ومما يُذكر أن أول كلية للموسيقى في أوربا كانت في سلمنقة Salamanca (القرن 13)، وكذلك مدرسة الترجمة في طليطلة، وأصبحت دراسة الموسيقى في المعاهد الأندلسية جزءاً من العلوم الرياضية، وكان يحضرها طلاب من مختلف أنحاء العالم المعروف آنذاك.

أما الغناء، فلا يزال حضور اللحن العربي وتوزيع كلماته الموزونة على نوعين من الشعر الخاضع للتلحين هما: الموشح والزجل؛ حاضرا في أغاني الإقليم الحديثة، حيث كان العرب يؤلفون الموشح عادة من مقطع يسمى «بدنيّة» يقاس عليها المقطع الثاني تلحيناً، ويعقب ذلك ما يسمى بالخانة أو السلسلة أو الدولاب، وكل مقطع أو قسم مخالف للآخر في التلحين، وهو بالفعل ما يزال يحدث حتى الآن في موسيقى الإقليم المميزة أوروبيًا.

العرب المسلمون ورقصة الفلامنكو

ربما لا يميز إسبانيا بشكل عام من الناحية الفنية أمر أشهر من الرقص الإسباني الحديث الذي يتصف بالخفة والرشاقة والتفنن في الحركات، وصلصلة الصنوج على أنغام الإيقاعات الموسيقية المختلفة.. وهو ما يطلق عليه اسم رقصة الفلامنكو.. لكنّ الذي لا يعرفه كثير من الإسبان هو أن تلك الرقصة كانت وسيلة احتجاج خفي للموريسكيين يبثون فيها معاناتهم، وهم يهتفون بصوت مرتفع (أوليه) التي يُعتقد أنها اقتباس لكلمة (يا الله) التي سمعوها من المغاربة عند التعبير عن الألم أو الانبهار.

وتعود بدايات رقص الفلامنكو إلى ما بعد سقوط الأندلس في عام 1492، بسبب ما تعرض له الإسبان المسلمون وبعض الأقليات من ظلم التعميد القسري، وقد أطلق على الإسبان المسلمين «المورسكيون Morisco» في تلك الحقبة فاندمجوا مع الغجر في حياتهم، وقد قاموا برثاء الوضع الذي هم عليه عن طريق الموشحات والغناء الروائي الذي يحاكي واقعهم المؤلم، ويقصد بكلمة «فلامنكو» الفلاح الذي تعرض للاضطهاد والظلم من جراء سلب أرضه، وقد ظهر هذا الفن كنوع من مظاهر الألم والحزن نتيجة لما شعر به الناس من إبادة ثقافتهم.

وبشكل عام، فإن صمود الهوية العربية للإقليم أمر لافت للتوقف، حيث ظلت الشواهد عصية على النسيان والطمس، وبقيت صامدة لتشهد على تاريخ طويل عريق للمسلمين في شبه الجزيرة الإيبيرية، لكنه من ناحية يذكر المسلمين بتقصيرهم في حفظ تاريخهم، ويذكر الغرب بأن حضارة رعاها العرب والمسلمون في أوروبا كانت الأساس للحضارة الغربية المعاصرة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق