غير مصنف

اتحاد الكتاب مصر: انبثاق الفكرة وتآمر السلطة

أنشئ اتحاد كتّاب مصر في ظروف استثنائية، ترتبط بسياق الحياة السياسية والفكرية في مصر، وذلك في بداية حقبة السبعينيات من القرن العشرين، حيث اختفى عبد الناصر، وتولى السادات الحكم وارثا تركة ثقيلة، تتمثل في هزيمة مذلة، وفقدان أرض سيناء، وشبه سقوط للمشروع الناصري، بعدما اكتشف الجميع: موالاة ومعارضة، اهتراء مؤسسات الحكم، وتسيّد أهل الثقة، وانحراف أجهزة المخابرات، واشتداد القبضة الأمنية ممثلة في اعتقال المعارضين وتعذيبهم، وكانت عبارة “زوار الفجر” مثيرة للخوف في الآذان. وقبل وفاة عبد الناصر، كانت الدولة المصرية قد تغيرت، واشتدت وتيرة المعارضة ممثلة في المظاهرات الطلابية، وشارك معها مثقفون وأدباء وفنانون، مما دفع السلطة الجديدة إلى السيطرة على أي محاولات للتجمع من قبل الأدباء والكتّاب، خاصة بعدما تصاعدت المطالبة بأن يكون هناك اتحاد أو نقابة أو تجمع يحوي أدباء مصر، ليعبّر عنهم، ولذا تحركت السلطة من خلال أذرعها وأتباعها في أجهزة الثقافة، وسعت إلى إنشاء الاتحاد، تطبيقا لمقولة: بيدي لا بيد عمرو، لتكون لها التبعية، واليد الطولى على هذا الكيان، كي لا ينفلت من عقاله، خاصة أن الأدباء يصعب التحكم فيهم، وفيما يبدعون ويقولون.

إذن، من المهم قراءة الظروف التي أحاطت بنشأة الاتحاد، بوصفها نموذجا لكيفية تعاطي السلطة الشمولية مع المثقفين والأدباء، خاصة أن الحكومات الناصرية حاربت التجمعات المدنية المستقلة، وسنستعرض ما قبل تكوين الاتحاد، ثم كيفية إنشائه، والظروف التي أحاطت به، ذلك أن فهم البدايات، يكون عونا على فهم المسيرة والمآلات.

إن اللافت في بنية السلطة في مصر بعد حركة الضباط في 23 يوليو 1952م، أنها أسست ما يسمى دولة العسكر، وأصبح الجيش مسؤولا بشكل مباشر عن الحياة المدنية، فالرئيس الحاكم قادم من المؤسسة العسكرية، التي تدعمه وتتابع ما يتخذه من قرارات وسياسات، والتي لا تتعارض مع موقع الجيش في السلطة، ولا رؤيته لبنية الحكم، وقد استمر هذا الوضع حتى يومنا، وكانت ثورة يناير 2011م، هي الفرصة الوحيدة التي أتيحت للشعب المصري للتخلص من إرث المنظومة العسكرية الأمنية التي أقامها عبد الناصر، وجعلها متوارثة في دائرة السلطة، وكثير من رجال السلطة في عهد السادات ومبارك، كانوا مرتبطين بالاتحاد الاشتراكي، والتنظيم الطليعي الناصري، أو على صلة بأجهزة الأمن والمخابرات سابقا([1])، بمعنى أن رأس السلطة يتغير، ويستمر النظام، معيدا إنتاج ذاته، متلونا حسب التغيرات الحادثة، عبر مؤسسات الدولة العميقة: الشرطة، والقضاء، وأجهزة المخابرات والأمن والسيادة، وكثير من المناصب في القطاع العام، والمحافظات، والوزراء، والشركات الكبرى. فقد أتيح للضباط المتقاعدين، على اختلاف رتبهم؛ تبوأ مناصب عديدة في الحياة المدنية، بعد خروجهم إلى سن التقاعد، ليحصلوا على امتيازات مادية ووظيفية تضاف إلى الامتيازات السابقة التي نالوها خلال خدمتهم العسكرية، ونفس الأمر كان مع ضباط الشرطة وغيرهم من رجال المخابرات. والعديد من هؤلاء، أقاموا استثمارات خاصة بهم، مستغلين نفوذهم وعلاقاتهم مع أجهزة الدولة.

و في المقابل، تم تأميم الحياة السياسية والأحزاب التي كانت عليها مصر في الحقبة الملكية، والتي اتبعت النظام الأوروبي السياسي، المعتمد على الكفاءة في العمل والعلم والقيادة والأداء، فأي شخص راغب في الصعود إلى السلطة عليه أن ينمي مواهبه الذاتية وقدراته، حتى يلج الحياة السياسية بتنافساتها الحزبية، أو هكذا يجب أن يكون، فلاشك أن هناك سلبيات عديدة اكتنفت الحقبة الملكية وطريقة إدارتها، وتشكيل الوسط السياسي فيها، ولكنها حتما كانت حقبة زاخرة بالكفاءات والمواهب والوطنيين ورجال المال والصناعة والمصارف، والذين أسسوا رأسمالية وطنية، جنبا إلى جنب مع حياة سياسية فاعلة ونشطة، مع الأخذ في الحسبان وجود الاحتلال البريطاني، وسلطة الملك الذي يتأرجح ما بين الاحتلال والجماهير.

ومع منظومة يوليو العسكرية ظهر نموذج جديد من القيادات الموظفين، سواء من الضباط، أو الاقتصاديين والتكنوقراطيين والمهندسين، الذين اقتربوا من السلطة الناصرية ليس لكفاءتهم، وإنما لكونهم من أهل الثقة، المرضي عنهم من النظام الحاكم، والذين يؤمن جانبهم. كما تم تأسيس الاتحاد القومي، ثم الاتحاد الاشتراكي، ومن قبلهما هيئة التحرير، وكلها تنظيم سياسي واحد، يضم المختارين من الجهاز العسكري، ومن يؤيدهم من المدنيين، وبذلك تم احتكار السلطة والسياسة ومصادرتها([2]).

وقد نجحت السلطة الناصرية في إيجاد مؤيدين لها ومدافعين عنها من الأدباء والمثقفين، سواء كانوا من الشخصيات المشهورة (الأعلام)، أو من الفئة المتوسطة ومن دونها، وكلهم حصلوا على منافع وامتيازات، وحرصوا في المقابل على الدفاع عن السلطة، ضد الفئات والعناصر المتمردة من الأدباء، والتي علا صوتها في الإبداعات المختلفة، وفي المقالات، وأيضا في المظاهرات، في نهاية الستينيات وأوائل السبعينيات، وقد ارتفعت أصوات الأدباء مطالبة بإنشاء كيان أدبي لهم.

وقد كانت بداية التمرد في مظاهرات 24 فبرابر 1968م، التي نظّمها ألوف الطلبة والطالبات، وانطلقت من جامعة القاهرة، حيث تجاوزت الحواجز الأمنية الموجودة علي أول الطريق المؤدي إلي كوبري الجامعة‏، هاتفين بسقوط الأحكام المخففة التي أصدرتها المحكمة العسكرية‏ ضد قادة الطيران، واشتدت قوة المظاهرة‏ تدريجيا، وهي تخترق السور الأمني التالي الموجود عند مدخل كوبري الجامعة‏، وتحولت الهتافات من الأحكام إلي النظام‏، من مثل: “يسقط حكم الفرد الظالم‏،‏ يسقط حكم المعتقلات،‏ العيشة بقت مرة‏..‏ عايزين حكومة حرة‏، عاملين أسود علينا‏..‏ واليهود في سينا‏،‏ لا صدقي ولا الغول‏..‏ عبدالناصر هو المسئول‏، لا ديكتاتورية بعد اليوم‏,‏ حرية‏..‏ حرية‏، العيشة بقت مرة‏..‏ عايزين صحافة حرة‏.”، كما خرجت مظاهرات أخرى من جامعة عين شمس، وانضم لكلتا المظاهرتين جموع من الشعب والمثقفين. اندهش الناس وهم يرون لأول مرة مظاهرات صاخبة في شوارع القاهرة، فالتظاهر ممنوع طيلة الحقبة الناصرية. وعلى جانب آخر، وبعد أكثر من شهر‏، وتحديدا يوم‏28‏ مارس‏،‏ أصدر مجلس إدارة نادي القضاة بيانه الشهير الذي طالب فيه بالحرية والديمقراطية وبإصلاحات جذرية في النظام ككل‏.‏ ولم يكن هناك من تحسب لهذه المفاجأة التي فجرها القضاة‏، والتي أصروا على إعلانها، على الرغم من كل الضغوط التي مورست عليهم لتأجيلها، مما اضطر عبد الناصر إلى إصدار بيانه الجديد يوم‏30‏ مارس‏. وكان العجيب في بيان القضاة، أنهم تخطوا الحصار المفروض عليهم‏،‏ وطبعوا بيانهم في شركة النصر للتصدير والاستيراد،‏ وبذلك تجنبوا كل العيون‏ والألسنة المشككة فيهم، وتمكنوا من إسماع المواطنين صوتهم([3])‏.‏

وفي يناير، من العام 1972م، قامت مظاهرات أخرى، مطالبة بتحرير الأرض، وبالحريات والديمقراطية، وهو نفس ما رفعه السادات من شعارات، وإن كان لأجهزة الأمن رأي آخر، حيث تعاملت بقسوة مع الطلاب والمثقفين المشاركين فيها.

وكان التطور المهم انعقاد مؤتمر الثقافة العمالية، وانبثاق لجنة الدفاع عن الحريات والديمقراطية، ونوقشت في المؤتمر قضية التنظيمات المستقلة، غير التابعة للدولة، خاصة من جانب المثقفين اليساريين، الذين أسفوا كثيرا على حل الأحزاب الشيوعية، واندماجها في الاتحاد الاشتراكي، مما جعلهم تابعين للسلطة، وفقدوا استقلاليتهم، وقد أطلق عليها المثقفون والأدباء “خطيئة اليسار”، وكيف أنهم أضحوا مطية للسلطة. وقد وجدوا أن هناك جيلا من الأدباء الشبان، أيّد الحركة الطلابية منذ نهاية الستينيات، والتي اشتدت مع مطلع السبعينيات، مطالبين بكيان أدبي يدافع عنهم، ويتبنى صوتهم؛ مما دفع السلطة إلى محاولة احتواء الظاهرة، فجندت منظمة الشباب بالاتحاد الاشتراكي كل إمكانياتها المادية والمعنوية، لعقد مؤتمر الزقازيق للأدباء الشبان، في العام 1969م، وذلك في أعقاب مظاهرات الطلبة في العام الفائت عليه، وقد جمع المؤتمر عددا هائلا من أدباء الأقاليم والعاصمة، وكان المطلب الأساسي هو تحرير الوطن، والحريات، بجانب مطالب الأدباء التي تعبر عن معاناتهم والممثلة في ضيق فرص النشر في الصحف والمجلات، وتصلب الرقابة، التي طالبوا بإلغائها، وسيطرة الأدباء الكبار(أدباء السلطة) على المواقع الثقافية، وتعنتهم ضد الشباب وما ينشرونه. وشكل هؤلاء الشباب ما يسمى بظاهرة جيل الستينيات الثقافي، والذي لمعت فيه أسماء مهمة بعد ذلك، واحتلت مواقع ثقافية ورسمية، وسقطوا في خطيئة التسلط بدورهم. وقد رفع هذا الجيل شعار الثورة والتغيير، ضد جيل الأربعينيات من المثقفين والأدباء واليسار، والذين حظوا بالسلطة والمناصب، وكانوا يكتبون متباكين على هزيمة يونيو، وينقدون النظام ولكنه نقد عام عائم، أما جيل الستينيات فشعاراتهم ثورية راديكالية، تحلم بالمستقبل والغد والحرية([4]).

وكانت المفارقة في مؤتمر الزقازيق والذي فيه نبتت فكرة اتحاد الكتاب، أن شعراوي جمعة وزير الداخلية المعروف بشدة بطشه، وأمين الطليعة الاشتراكية في الاتحاد الاشتراكي، هو الذي تبنى فكرة الاتحاد، ورعى من قبلها المؤتمر ذاته، مما أثار الكثير من علامات الاستفهام، لأن أجهزة الأمن المصرية لديها مكاتب لمكافحة كل شيء: الشيوعية والصحافة والثيوقراطية (التيارات الدينية)، والتقدمية والرجعية، والفلسطينية، والعروبية والإمبريالية. واستمع الوزير في المؤتمر لكل الصيحات والشعارات والمطالبات عن إطلاق الحريات، والأمل في حياة ديمقراطية سليمة، ورفض المحاولة المستميتة من البرجوازية العسكرية لقولبة تفكير الأدباء وحكر حركتهم بقيود السلطة، والرقابة على إبداعاتهم وكتاباتهم المختلفة، فقام الوزير بعد انتهاء المؤتمر باعتقال عدد من الكتاب، ولكن المكسب الأهم للحركة الثقافية المصرية هو شعار تكوين “اتحاد الكتاب”، والذي استمر لمدة خمس سنوات تالية([5]).

وتمسك الأدباء بهذا المطلب بوصفه حجر الأساس للتغيير المنشود، وكان الجيل الجديد الشاب أكثر حماسا لقيام الاتحاد بصفته التعبير الديمقراطي الأكثر شمولا عن الحركة الفكرية والأدبية، ليكون منبرا حرا للأدباء وحصانة للكاتب، ويمثل كافة الأطراف الوطنية والفكرية، ونادوا بأن يكون هناك مؤتمر عام للمثقفين بكافة اتجاهاتهم وتناقضاتهم المشروعة، يتم انتخاب أعضاء الاتحاد من بين صفوفه، بصورة ديمقراطية صحيحة، على أن يكون في منأى عن كافة الارتباطات الرسمية مع وزارة الثقافة والإعلام، والاتحاد الاشتراكي، بل ويكون الاتحاد المأمول بمثابة سلطة ضاغطة ومراقبة على المؤسسات الرسمية، فالهدف منه أن يكون جهة: تخطط وتراقب وتشرع وتنفذ القرار الثقافي. ويمكن تمويله من خلال روافد مستقلة، أسوة بنادي القضاة، ونادي مجلس الدولة، وأندية هيئة التدريس بالجامعة، في حركة مغايرة تتجاوز الجمعيات والأندية الأدبية الباهتة المتواجدة في الحياة الثقافية، وهي جمعيات قائمة ولكن طابعها العام العزلة عن الواقع السياسي والفكري، وينزوي أعضاؤها وراء ستائر كثيفة من الأعمال الأكاديمية والرسمية والترفيهية؛ عن المواجهة الصريحة للواقع المؤلم. وقد تراوحت ردود فعل المثقفين والكتّاب على هذه الخطوة، فالاتجاه الأول خشي أن يكون الاتحاد المأمول استنساخا من اتحادات الكتاب في دول المعسكر الاشتراكي، أي تابعا للسلطة، ورأى الاتجاه الثاني أن جمعية الأدباء القائمة تغني عن هذا الاتحاد، وكان يتولى إدارتها عدد من الأدباء المقربين من السلطة، ومن أبرزهم صالح جودت، وعبد العزيز الدسوقي، وسهير القلماوي، وعبد الرحمن الشرقاوي، وألفريد فرج، وثروت أباظة، وكان يوسف السباعي هو الصوت المعبر عن هذا الاتجاه. أما الاتجاه الثالث فهو من المناضلين القدامى، والذين رحبوا بالفكرة ولكنهم رأوا أن يكون ضمن الاتحاد الاشتراكي، وعبر عن هذا الاتجاه كل من محمد الخفيف، ولطفي الخولي. وكانت المفاجأة أن الاتحاد الاشتراكي الرسمي أصدر “برنامج العمل الوطني”، ونادى فيه بأهمية وجود اتحادات مهنية للأدباء والفنانين([6])، وورد فيه بالنص: “ولعله يكون من المناسب أن يتبنى الاتحاد الاشتراكي فكرة إنشاء اتحاد عام يضم الأدباء وكتّاب السياسة والقانون واتحاد للفنانين بتخصصاتهم المختلفة”، مما اضطر الأدباء الصادقين إلى صياغة شعار: نحو اتحاد ديمقراطي مستقل للكتاب المصريين، وكما أعلنوا بأنهم رافضون لوصاية الثعالب (أنصار السلطة) على حقول الكروم (المبدعين)، وأنهم ضد تولي القطط (السمان) لشؤون الفئران (الأدباء الشبان)([7]).

 

[1]) ثورة مصر: من جمهورية يوليو إلى ثورة يناير، عزمي بشارة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، قطر، ط1، 2016م، ج1، ص87.

[2]) الجيش والحركة الوطنية (مصر، فيتنام، باكستان، إندونيسيا، اليابان، الصين، الكونغو)، فريق من الباحثين بإشراف د. أنور عبد الملك، ترجمة: حسن قبيسي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2012م، ص69، 70.

[3]) انظر تفصيلا: الجيل الذي واجه عبد الناصر والسادات: دراسة وثائقية للحركة الطلابية 1968- 1977، د. هشام السلاموني، مكتبة جزيرة الورد، ط2، 2016، ص252 وما بعدها.

[4]) الثورة المضادة في مصر، د. غالي شكري، كتاب الأهالي، حزب التجمع الوطني الديمقراطي، القاهرة، 1987م، ص128- 132.

[5]) مثقفون وعسكر، صلاح عيسى، ص421.

[6]) الثورة المضادة في مصر، ص133، 134.

[7]) مثقفون وعسكر، ص422.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق