إصدارات مقروءة

اتحاد الكتاب والانقلاب العسكري.. تأييد الاستبداد والعسكرة

جاءت حقبة الانقلاب العسكري، وما فيها من إجراءات لا تعرف إلا نهج الاستبداد والعنف، وللأسف فإن اتحاد الكتاب وغالبية المثقفين والتيار العلماني ساندوه، بعدما وضع البوصلة ضد الإسلاميين، وتحديدا الإخوان المسلمين، بعدما انضم السلفيون (حزب النور والمدخلية الممولة سعوديا وأماراتيا) والصوفية الأمنية إليه، ومعهم الأزهر الرسمي، ليتم تأميم الحياة السياسية والفكرية بخطاب عالي الصوت، زاعق، هجومي، تحريضي، دموي، عنوانه الإلغاء والإقصاء التام للتيار الإسلامي، ثم للإسلام الثقافة والحضارة ذاته، واحتضن الإعلام الانقلابي الأدباء والمثقفين الذين سخروا من مظاهر الإسلام والتدين، كما في مقولات جابر عصفور الذي تباكى على أيام الستينيات عندما كانت بنات جامعة الأزهر ذاتها غير محجبات، ورأى أن الإلحاد مكفول لكل مواطن، مثلما أن النقاب مرفوض، والحجاب مشكوك في شرعيته([1])، وتحول الهجوم إلى الأزهر ذاته، مع أن شيخه شريكا أساسيا في مشهد 3 يوليو 2013 الانقلابي، ففقد هاجمه العلمانيون بضراوة، وراح جابر عصفور يطالب بإلغاء التعليم الديني، ويحرض على الأزهر بقوله: “إن توحيد نظام التعليم في مصر أولى مراحل تجديد الخطاب الديني، لأن نظام التعليم الأزهري مخرجاته ضعيفة، مشيراً إلى أن الأزهر يمارس كهنوتاً دينياً، والإخوان والسلفية يشكلون قوة مؤثرة في صناعة قرار المؤسسة، كما أن هيئة كبار العلماء تعارض تنفيذ قرارات رئيس الجمهورية، وخلقت حالة داخل المؤسسة بأن الأزهر دولة داخل الدولة بسبب المادتين الثانية والسادسة من الدستور”([2])، وظهر الأدباء يستحضرون أيام السلطة الناصرية، مبررين لها اعتقال الإخوان وقتلهم، في رؤية فاشية عنصرية لا يمكن أن تصدر عن إنسان بسيط، فما بالك إذا كان أديبا ويزعم أنه جاء للتنوير ونشر القيم الإنسانية والحضارية!

لنكتشف في النهاية أن نظام الحكم في مصر والذي أسسه عبد الناصر، اعتمد على سردية معاداة التيار الإسلامي في الأساس، لتأسيس حكم علماني قمعي.

أما اتحاد الكتاب فقد تغافل عن الاعتقالات الهائلة والقمع الحادث للحريات، وعاد لهوايته القديمة في الغناء على هوى السلطة، والرقص على أنغام جلاديها فمثلا يصدر بيانا بتاريخ 24/ 10 / 2013م، ضد “حبس الشاعر القطري محمد بن راشد العجمي الملقب بـ”ابن الذيب” خمسة عشر عامًا بتهمة التحريض على نظام الحكم، بسبب قصيدة كتبها، وهو حكم نهائي غير قابل للطعن، الأمر الذي يمثل انتهاكًا صارخًا لحرية الرأي والتعبير، ولحرية المواطن في التعبير عما يقتنع به بالطرق السلمية، وانتهاكًا لكل المعاهدات والمواثيق الدولية التي تضمن حرية الرأي”([3]) وبغض النظر عن هذه القضية، وما فيها من ملابسات، فاتحاد الكتاب هنا يتوحد مع اتجاه الانقلاب في عدائه ضد قطر وتركيا، ويكيل بمكيالين، في التعامل مع قضايا الرأي وحقوق الإنسان ولا ينظر إلى الأوضاع الكارثية التي تهدم الإنسان وتسحق حقوقه في فضاء الحياة المصرية الاجتماعية والسياسية.

وظهر الأمر أكثر مع رسالة التأييد التي جاءت من رئيس اتحاد الإمارات بتاريخ 4/ 9 / 2013، وذكر فيها “تأييده التام لموقف اتحاد كتاب مصر العربية، وأدبائها ومثقفيها، ويعرب عن وقوفه إلى جانبهم في رفضهم واستنكارهم لكل ما ترتكبه جماعة الإخوان الإرهابية وأتباعها الإرهابيون من جرائم في حق المسالمين والأبرياء من أبناء مصر الحبيبة، مدنيين وعسكريين، ويثمن اتحاد كتاب وأدباء الإمارات موقف الاتحاد والكتاب والأدباء والمثقفين المصريين الذين كانوا من ضمن أكثر القوى فاعلية في مقاومة ظلم الجماعة الإرهابية واستبدادها، والذين وقفوا سداً منيعاً، وفي حزم وحسم أمام محاولاتها الفاشية والفاشلة لأخونة مناحي الحياة في مصر”([4]). وهو بيان أقل ما يوصف به أنه مكتوب بأنامل صحفيين مؤيدين للانقلاب، ولا عجب أن يتضافر الأدباء الإمارتيون مع الأدباء المصريين، في حالة من النفاق السياسي والفكري، الذي لا يقبل به مثقف أو أديب حر، يعلم جيدا ما جرى على أرض مصر من مآس.

بعكس ما صدر عن السيدة “إيرينا بوكوفا”، المدير العام لمنظمة الثقافة والعلوم والتربية، التابعة للأمم المتحدة، والتي أدانت بقوة الانقلاب العسكري، وما خلفه من دماء واعتداء على الديمقراطية، لنعرف للغرب وجها يحترم الانتخابات واستقلال المثقف، وهو ما استدعى أن يرسل محمد سلماوي رسالة يذرف فيها الدموع على أحوال مصر، بتاريخ 17/ 8 / 2013م، ويقول فيها: “اكتب إليك لأنى وسط ذلك كله لم أسمع كلمة احتجاج واحدة منك ولا من منظمتك الغراء، في الوقت الذى تذرف بعض التماسيح عندكم دموعها على غياب الديمقراطية وعلى ضياع حقوق الإنسان، إن للثقافة أيضاً حقوق، يا سيدتي، تماماً كالإنسان، وهي تهدر هنا أمام أعيننا في اليوم مرات ومرات، وأول حقوق الثقافة هو الحق في الوجود، ثم الحق في الحماية والحق في الرعاية والحق في أن تسلم هذه الثقافة وهذا التراث للأجيال القادمة التي رغم إرثنا لها من أجدادنا فإننا في الحقيقة إنما نستعيرها الآن من أبنائنا، إن هذه الحقوق جميعا قد أهدرت وانتهكت واعتدى عليها وأضرمت فيها النيران، إن أحد تلك الاعتداءات الغاشمة كانت على متحف ملوي بالمنيا والذي سرقت منه 1050 قطعة من أصل قطعه الـ 1089″([5])، ونتعجب هنا من هذا التدليس الذي يمارسه سلماوي، عندما يتهم الإخوان بسرقة آثار من متحف ملوي، وقد كانت جريمة سرقة احترافية بامتياز، ولم يتم القبض على أي عنصر من الإخوان أو اتهام أحد بعينه، بأنه سرق المتحف وتاجر في الآثار([6])، بل إن ما فعلها هم لصوص الآثار الذين يملأون مصر، ويتواطأ معهم مسؤولون رسميون وخبراء وتجار كبار، بعلم الحكومة، وقد استغلوا الفوضى الأمنية بعد فض رابعة لتنفيذ مآربهم.

وقد حاول اتحاد الكتاب الحفاظ على ما تبقى من مصداقيته، فأصدر عددا من البيانات المتوازنة نوعا ما، مثل بيانه عن الثورة السورية، فقد أدان قمع بشار الأسد ودمويته، وأدان الهجوم الأمريكي على النظام السوري، ورفضه التدخل العسكري الأجنبي([7])، وهو ما يخالف تأييد السيسي للأسد، ودعمه بالسلاح والخبراء والتأييد السياسي في الأمم المتحدة، وعلى الصعيد الخارجي.

وفي موقف آخر، نجد بيانا أصدره الاتحاد على استحياء مدينا فيه اقتحام المسجد الأقصى من قبل عصابات الكيان الصهيوني في باحة المسجد الأقصى حيث هاجمت المصلين من المدنيين العزل، وهو الوضع الذي يمثل تصعيداً خطيراً ضد الأماكن المقدسة في القدس الشريف كما يناشد منظمات المجتمع المدني العربية والعالمية الوقوف موقفًا قويًا ضد هذه الاعتداءات الهمجية ومساندة الشعب الفلسطيني في نضاله ضد هذا الكيان العنصري، وذلك في 15/9/2015([8]).

واستمر الاتحاد في بياناته التي تتسق مع سياسات الحكومة، وتوجهاتها في التسويق لفكرة محاربة الإرهاب، ولكن الجديد الذي يضيفه الاتحاد ويسبق به تحقيقات الشرطة، هو نسبها إلى التيارات الإسلامية، وقوى الظلام، وكأن المطلوب منه ليس تحري الحقيقة أو إدانة الفعل، وإنما إلصاق التهمة بجهة بعينها، دون انتظار معرفة الجاني والوقوف على هويته!

ويمكن أن نقول باطمئنان أن اتحاد الكتاب لم يعد يعبر عن ضمير وطني أو أخلاقي بل صار بوقا من أبواق السلطة تم اختصارها في مجموعة انتهازية سلطوية وبقية المثقفين بين خائف ينتظر فرصة للهروب وخانع رضي بالهوان واستلذ به ومنتفع يجد مثل هذه الأحقاد والمنافقة طريقا للظهور والتسلط تجدر الإشارة إلى أن أعضاء اتحاد الكتاب ليسوا جميعا متفقين على البيانات التي أصدرها والمواقف التي اتخذها، فالاتحاد كما هو معلوم، يدار من قبل فئة مهيمنة عليه، بمباركة من وزارة الثقافة والأجهزة الأمنية، وهي التي تصدر البيانات باسم الأغلبية، وفي الحقيقة هي تعبر عن الفئة الممثلة في مجلس الإدارة، وكثيرا لا ينعقد مجلس الإدارة، ويكتفون بما يصدره رئيس الاتحاد ومن يعاونه.

ونختم هذه الدراسة بحقيقة لم يستوعبها أكثرية المثقفين الذين اصطفوا مع الانقلاب العسكري، على أمل أن الساحة ستخلو لهم من معارضيهم الإسلاميين، والحقيقة هي أن الساحة خلت من الجميع، فأحذية العسكر والمستبدين والقتلة لا تميز.

وفي ختام هذه السلسلة من المقالات، يمكن أن نخلص إلى نتائج عديدة، أبرزها:

– إن السلطة تخشى دوما المخلصين من المثقفين والأدباء والعلماء والمفكرين، لأنهم أولو التغيير الحقيقي، فالتغيير يبدأ بفكر واستنارة، ثم يتحول إلى مواقف وأفعال، ومن ثم تحركات واحتجاجات، تهز عروش الطغاة.

-لا يمكن فهم موقف المثقفين والأدباء في مصر، بدون البحث التاريخي في علاقتهم بالسلطة، لنكتشف سعي السلطة الدائم إلى تدجين المثقفين والأدباء، وقد نجحت على مستويين؛ الأول: إيجاد فئة من الأدباء التابعين لها، سواء من كبار الكتّاب أو صغارهم، وهؤلاء مالئوا السلطة مستفيدين من مزاياها ومناصبها. والمستوى الثاني: أنها جعلت التمرد والمعارضة بين الأدباء محصورا في شخصيات فردية، ولا يمثل اتجاها عاما، وكثير من هؤلاء المعارضين تعاونوا مع السلطة، وصمتوا، لأنهم يعلمون أن السلطة تمنح العسل بيد، وتمسك السوط بيد أخرى.

– جاء تأسيس اتحاد الكتاب من رحم السلطة، في عملية اختطاف للفكرة التي ولدت في عقول الأدباء الشبان، وحملت أحلاما رومانسية لهم عن استقلال حقيقي للأديب، وقد نجحت السلطة في إنشاء اتحاد برعايتها، بل ودفعت الأدباء دفعا للالتحاق به، والتنافس على عضويته ثم عضوية مجلس إدارته، لتُدار المعركة كلها وفق شروط السلطة وقانونها الموضوع سلفا، والذي حوّل الاتحاد لمجرد تابع لوزارة الثقافة.

-من يقارن بين مواقف اتحاد الكتاب أيام السادات ومبارك، وفي ثورة يناير، ثم في حقبة الرئيس محمد مرسي، والانقلاب العسكري، سيدرك تماما حجم التلوّن والتبدل في مواقفه، وسقوطه في صراع على الهوية، ناتج عن موروث عدائي ضد الإسلاميين، وأيضا عن التحريض الذي مارسه العسكر ومن وراءهم ضد تجربة الإسلاميين، والتي لو وجدت وعيا من قبل الثوار والسياسيين لما آلت لما انتهت له.

– كانت المحصلة في تجربة اتحاد الكتاب مع الثورة أنهم لم يحسنوا فهمها، ولم ينظروا إلى مصلحة الوطن العليا التي تستوجب الحفاظ على الثورة والسعي إلى ترسيخ الديمقراطية، وإنما انشغلوا بسفاسف الصراعات الإيديولوجية، وأضفوا شرعية علمانية على سلطة الانقلاب وبقايا نظام مبارك، وكانت الثمرة سقوط الوطن كله في أتون الاستبداد.

 

 

[1]) جريدة الوطن القاهرية، https://www.elwatannews.com/news/details/3907854

 

[2]) جريدة الوطن القاهرية، https://www.elwatannews.com/news/details/3886962

 

[3]) موقع اتحاد الكتاب(القديم)، تاريخ الدخول 20/ 5/ 2019، http://egwriters.com/ar/?pg=pressReleases&item_id=619&page_id=2

[4]) موقع اتحاد الكتاب(القديم)، تاريخ الدخول 20/ 5/ 2019، http://egwriters.com/ar/?pg=pressReleases&item_id=603&page_id=2

[5]) موقع اتحاد الكتاب(القديم)، تاريخ الدخول 20/ 5/ 2019، http://egwriters.com/ar/?pg=pressReleases&item_id=602&page_id=2

[6]) في خضم الفوضى السياسية.. اللصوص يسرقون تراث مصر، على موقع الفنار للتعليم والثقافة والبحوث، https://www.al-fanarmedia.org/ar/2013/09

[7]) موقع اتحاد الكتاب (القديم)، تاريخ الدخول 20/ 5/ 2019http://egwriters.com/ar/?pg=pressReleases&item_id=605&page_id=2

[8]) موقع اتحاد الكتاب(القديم)، تاريخ الدخول 20/ 5/ 2019، http://egwriters.com/ar/?pg=pressReleases&item_id=880&page_id=1

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى