إصدارات مقروءة

اتحاد الكتاب والصراع على الدستور.. التخندق مع العلمانيين والفلول

كان الخيار الذي ينادي به العلمانيون ومعهم اتحاد الكتاب؛ يلتف على القاعدة الثابتة في إعداد الدساتير في كل دول العالم الحر والمتقدم وهي أن لجنة صياغة الدستور هي لجنة منتخبة مباشرة من الشعب، وقد تم الاتفاق على أن تتم انتخابات برلمانية أولا، ثم ينتخب البرلمان لجنة صياغة الدستور ثانيا، فتكون على درجتين، وفي حالة رفض الشعب للدستور، فإنه يتم انتخاب مباشر لأعضاء اللجنة من عموم الشعب. وللأسف فإن موقف اتحاد الكتاب أيّد العلمانيين ومن معهم من فلول نظام مبارك، وهذا عكس الموقف الذي اتخذوه بعد الانقلاب، مع لجنة الدستور التي شكلها الرئيس المؤقت عدلي منصور، عقب انقلاب يوليو 2013، حيث جاءت بشخصيات تابعة لسلطة الانقلاب، وأيّدها اتحاد الكتاب، وهي لجنة معيّنة وليست منتخبة بأي حال، بما يعني أنه كفر صريح بالحريات وأسس وضع الدساتير.

في لجنة دستور 2012، رفض اتحاد الكتاب انتخاب أعضاء اللجنة من مجلس الشعب، وطالب بأن تقوم مختلف الاتحادات والنقابات والهيئات المدنية بترشيح من يمثلونها في هذه اللجنة كي يقوم أعضاء مجلسي الشعب والشورى بانتخاب من يرونه من واقع هذه الترشيحات وذلك عملاً بالإعلان الدستوري الذي أعطى الأعضاء المنتخبين في مجلسي الشعب والشورى حق الانتخاب، وهو التفاف واضح، والغرض منه جلي، لأن غالبية الاتحادات والنقابات والهيئات معلوم أن مجالس إدارتها جاءت بشكل غير ديمقراطي، خلال هيمنة سلطة الحزب الوطني المنحل سابقا وأذرعه المنبثة بها، ومعلوم أن السلطة قبل ثورة يناير صادرت وأممت وحاربت أية انتخابات ديمقراطية في النقابات والاتحادات.

أما ترشيح اتحاد الكتاب لعشرة كتّاب للمشاركة في لجنة الدستور، فهذا جيد، شريطة ألا يكون سيفا مسلطا على مجلس الشعب، خاصة أن أعضاء الاتحاد كلهم لا يزيدون وقتها عن ثلاثة آلاف عضو، في الوقت الذي نجد فيه نقابات يصل أعضاؤها لملايين مثل نقابة المعلمين أو نقابات العمال. فالقضية ليست في الهيئات، وإنما في الخيار الديمقراطي ذاته. وخلاصة الأمر، أن المعركة كانت على الهوية القادمة لمصر، هل ستكون هوية بمرجعية إسلامية، أم علمانية التوجه؟

وهذا ما أوضحه اتحاد الكتاب في بيان صادر بتاريخ 18/ 3/ 2012م، وقد أورد فيه: “يؤكد الاتحاد على رفضه تشكيل لجنة الدستور من نواب البرلمان؛ وحيث ينص القانون على عدم جواز الانتخاب الذاتي؛ يطالب الاتحاد بضرورة مشاركته في هذه اللجنة التاريخية؛ وفق عدد محدد بعشر شخصيات من كبار الكتاب والمبدعين المفكرين كما هو الحال في جميع الدساتير وأسوة بما تم في لجنة دستور عام 1954 حيث ضمت اللجنة كتاباً كباراً كان في طليعتهم طه حسين وعبد الرحمن بدوي وأحمد لطفي السيد.. وغيرهم رغم أن عدد أعضائها لم يتجاوز الخمسين عضواً”([1]). وغني عن القول، أن نظام يوليو 1952م، لم يكن ديمقراطيا في الأساس، وأن اللجنة المشار إليها تم تشكيلها من سلطة الضباط الأحرار، فلا عجب أن تأتي بالموالين لها، من غلاة العلمانيين وتستبعد الإسلاميين، والأسماء المذكورة في هذا البيان معروف أنها مناصرة للسلطة، سواء في عصر الملكية والاحتلال أم في عصر انقلاب يوليو والضباط الأحرار. فأحمد لطفي السيد علماني حتى النخاع، ويلقب بأستاذ الجيل وأبو الليبرالية المصرية، بل كان مطالبا باستمرار الاحتلال البريطاني لمصر، لتكون النهضة على أيدي البريطانيين لأنهم متقدمون، وكان حزب الأمة الذي أنشأه مواليا للمحتل البريطاني، كما دعا لاستعمال العامية بديلة عن الفصحى، ونادى بدراسة الفلسفة اليونانية كأساس للنهضة.

أما طه حسين، فمعروفة مواقفه العلمانية، وهو تلميذ لطفي السيد، وكان من المحسوبين على القصر الملكي، ومن غلاة العلمانيين، ويحسب لطه حسين أنه أول من أطلق لقب ثورة على حركة الضباط الأحرار، ليكون أول المثقفين المنحازين إلى السلطة الجديدة، ويحجز مقعدا مبكرا في قطارها، وقد تبوأ المناصب في جمهورية الضباط برئاسته تحرير جريدة الجمهورية لمدة سبعة أعوام، ورئاسته لمجمع اللغة العربية وغير ذلك.

في حين يمثل عبد الرحمن بدوي الفكر الفلسفي العلماني، وهو أحد مروجي فلسفة الوجودية وإن لم يكن على موالاة كاملة للسلطة، ولكنه لم يعارضها.

وتستمر المعركة، حيث ينشر رئيس الاتحاد “محمد سلماوي”، والذي كان خانعا تماما في عهد حسني مبارك، وجاء اختياره رئيسا لاتحاد الكتاب لأنه من أبرز مؤيدي سلطة الحزب الوطني، ينشر سلماوي بيانا باسمه، يوم 8 / 6 / 2012م، وفيه: “هالني كما هال سائر أدباء وكتاب مصر ذلك التشكيل الذي انتهت إليه مفاوضات القوى السياسية مع الأكثرية البرلمانية حول اللجنة التأسيسية للدستور، حيث خلا تمامًا من الأدباء والكتاب الذين هم ضمير الأمة وعقلها المفكر، فجاء التشكيل بلا عقل وغير ممثل للمفكرين والأدباء والكتاب من مثقفي هذه الأمة والذين يزيد عددهم من بين التسعين مليونًا من أبناء مصر عن تعداد بعض الدول كاملة العضوية في الأمم المتحدة. شنت الأكثرية الدينية بالبرلمان حملتها الشرسة ضد الوثيقة فأسقطتها لتستحوذ وحدها على تشكيل اللجنة، وقد كتبنا آنذاك إلى رئيس مجلس الشعب محمد سعد الكتاتني شخصيًّا رافضين هذا الأسلوب ومؤكدين على ضرورة أن يجيء التشكيل من ممثلي المنظمات والهيئات المدنية المعبرة عن كافة فصائل الشعب وطوائفه. وقمنا بتقديم عشرة أسماء من كبار الأدباء والمفكرين أعضاء اتحاد كتاب مصر والمشهود لهم دوليًّا، لكن الأكثرية الدينية بالبرلمان تمادت في غيِّها ورفضتهم جميعًا لصالح المؤذنين بالبرلمان ومن يدَّعون أن تعليم اللغة الإنجليزية حرام. وقد جاء حكم المحكمة ليؤكد أن هذا التشكيل الذي ذهبت إليه الأكثرية البرلمانية غير شرعي، وهو ما أدى بنا للمحاولة الثالثة التي نحن بصددها الآن، والتي لم نكن نتصور أن يتكرر فيها العوار الذي جاء على أيدي من يسعون للاستحواذ على كل شيء. لقد نص التشكيل الأخير الذي توصلت إليه القوى السياسية مع الأغلبية البرلمانية على الاتحادات النوعية والنقابات المهنية التي ستشارك في اللجنة ولم يكن من بينها اسم اتحاد كتاب مصر. وتجدر الإشارة إلى أن اللجنة التي وضعت دستور 1954، الذي يعتبر أفضل الدساتير في عصرنا الحديث، كانت مكونة من خمسين شخصًا- وليس مائة- وكان بها ما لا يقل عن عشرة أسماء للأدباء والكتاب والمفكرين”([2]).

وفي تحليلنا لهذا البيان سنجد مفردات ومصطلحات نوعية، ومنها “التيار الديني، والأكثرية الدينية” لتصبح المعركة سافرة، بين اتجاه ديني، وآخر علماني دنيوي، وهو استخدام خطأ، فالتيار الديني/ الإسلامي، ضم علماء وباحثين وسياسيين ورموزًا شعبية ووطنية، لها نضالها ضد الاستبداد، وقد أشار إلى رئيس مجلس الشعب الكتاتني، وهو عالم وأستاذ جامعي معروف، وعضو سابق في مجلس الشعب (2005م) وسياسي من أمهر السياسيين، فهل هذا وغيره من المشايخ؟ أو من طائفة المؤذنين الذين أشار إليهم مستهزئًا في البيان، وكأن الإسلاميين هم في النهاية مجموعة من أئمة المساجد والدعاة والمؤذنين، بما يعني أن سلماوي لم يكلف نفسه –بما يقتضيه الإنصاف والموضوعية- للتعرف على نوعية الشخصيات في الأكثرية الدينية المزعومة، ولا أعمالها، ولا خلفياتها ولا نضالها، ولا فكرها وعطائها الوطني.

كما يعيد الإشارة إلى دستور 1954، واللجنة التي تم تشكيلها من الضباط الأحرار، بدون انتخاب أصلاً، ومع ذلك فإن الدستور الذي أنجزته اللجنة الموقرة، تم إلقاؤه في القمامة، وعثر على مسودته الأستاذ صلاح عيسى، ونشره في كتاب بعنوان “دستور في القمامة” عام 2001م([3]). فالطريف أن ضباط يوليو لم يهتموا أدنى اهتمام بمنجز اللجنة الدستورية التي شكلوها وقد استغرق عملها 18 شهرا حتى أتموا عملهم، بل حاولوا الاعتداء على العالم الفقيه عبد الرزاق السنهوري باشا رئيس مجلس الدولة، عندما رفض اتخاذ إجراء غير دستوري، وقد كان هو الشخصية الوطنية الوحيدة الذي له توجه إسلامي في هذه اللجنة، وقد تلقى الضربة أحد السعاة بمجلس الدولة، ولم يتمكن السنهوري باشا من مغادرة مكان الاعتداء إلا بعد قدوم الصاغ صلاح سالم، والذى اصطحبه إلى الخارج، والسنهورى ــ  وفق إحدى الروايات مدثر بسجادة من مكاتب المجلس([4])، أما الدستور المهمل فقد اشتمل على حريات أساسية وحقوق سياسية، ونظام ديمقراطي، وهو ما عجّل بتجاهله، وكما يشير صلاح منتصر بأن هناك سببا رئيسيا آخر، يتمثل فيما اشترطته المادة (90) بألا تقل سن من ينتخب رئيسا للجمهورية عن خمس وأربعين سنة، وفى المادة (91) جعلت اختياره يأتي بالاقتراع السرى من هيئة تضم أعضاء البرلمان وثلاثة مندوبين من كل دائرة من الدوائر الانتخابية ومن كل هيئة أو نقابة. وبالتأكيد فإن عبدالناصر عندما جرت عيناه على المادتين أسرع وألقى بالمشروع في أقرب صندوق قمامة لأنه في نظره لم يكن صالحا للنقاش، فلم يكن هناك واحد من مجموعة العسكريين الشبان الذين قاموا بالثورة ويطمحون إلى حكم مصر من تجاوز الخامسة والثلاثين، الوحيد الذى يمكن أن ينطبق عليه شرط سن الـ45 سنة هو، وللمفارقة، اللواء محمد نجيب الذى كان عبدالناصر في ذلك الوقت يعد للتخلص منه([5]).

أما احتجاج سلماوي باستبعاد الأدباء من لجنة صياغة الدستور، فهو مقبول ومن حقه قطعا، ولكن ليس من حقه أن ينعت الأدباء بأنهم وحدهم “ضمير الأمة وعقلها المفكر، مما جعل تشكيل لجنة الدستور بلا عقل وغير ممثل للمفكرين والأدباء والكتاب من مثقفي هذه الأمة”، فهذا افتئات وظلم شديد على بقية الأعضاء من العلماء والباحثين والسياسيين، والذين تكونت منهم الجمعية التأسيسية لكتابة دستور 2012م، ومن أبرز شخصياتها: وحيد عبد المجيد (أكاديمي وسياسي ليبرالي معروف)، محمد أبو الغار(أستاذ في الطب وليبرالي شهير)، السيد البدوي (رئيس حزب الوفد)، محمد عمارة (المفكر الإسلامي المعروف)، فاروق جويدة (الشاعر الشهير)، عمرو الشوبكي (سياسي وأكاديمي)، وغيرهم كثير.

ومن هنا، يمكن أن نسمي موقف اتحاد الكتاب، ممثلا في بياناته المتتابعة بأنه ذو “العين النرجسية العوراء”، لأنها تعبر عن أزمة غالبية المتصدرين للتيار الأدبي والعلماني في مصر والعالم العربي على واجهات الإعلام، فالفرد منهم يرى نفسه بأنه الوحيد المفكر، والعقلاني، والحريص على النهضة والتقدم، ويتيه المنتمون إليه بالفخر والخيلاء وكأنهم الوحيدون الواعون للفلسفة والتنوير، ويشعر كل فرد منهم بأنه قطب من أقطاب العالم، وأن مقولاته هي الحقيقة، في حين يتهمون خصومهم من الإسلاميين بالتجمد والرجعية، ويحصرونهم في المساجد والعبادات، غير ناظرين إلى أن منهم أفذاذا وبارعين وأعلاما في تخصصاتهم العلمية، ولهم مكانتهم المجتمعية.

وتلك أزمة العلمانيين عامة، فهم لا يرون غيرهم في الساحة، وحتى العلمانيون الذين انضموا إلى لجنة كتابة دستور 2012م، فإنهم انسحبوا قبل الإقرار النهائي، بهدف إحراج السلطة، وإفشال الأمر برمته، واضطر الجمعية التأسيسية إلى استكمال مسيرتها، بعد ضم الاحتياط إلى عضوية اللجنة، ومن ثم إقرار الدستور بشكل نهائي.

وتكمن الأزمة في اقتصار رأي اتحاد الكتاب على قضية التمثيل وما شابه، ولمن ينظر إلى المواد الإيجابية التي جعلت دستور 2012م، من أفضل الدساتير في تاريخ مصر، لما فيه من تشديد على الحريات، وضمان للديمقراطية، وسعي إلى تحديث الدولة، وتوزيع السلطة بين الرئيس ورئيس الوزراء، وإنما اكتفوا بما هو خارجي وشكلي، ممثلا في التشكيل للجنة وأعضائها، والتشكيك في نوايا الأحزاب الإسلامية الوليدة التي حصدت الأغلبية في البرلمان المنتخب ديمقراطيًا، وتلك هي المعضلة، والتي أرى أنها تعود إلى موقف العلمانيين عامة من المشروع الإسلامي، وأنهم يفضلون الدكتاتورية على أية حياة ديمقراطية قد تأتي بخصومهم من الاتجاه الإسلامي، بجانب استعلائهم الذاتي بأن تأتي لجنة الدستور ورئاسة الجمهورية بمشاركة كبيرة من هذا الاتجاه، الذي دأبوا على الهجوم عليهم، والتحقير منهم، ونالوا المناصب والهدايا من رعاة الانقلاب والاستبداد وتربعوا على واجهات الإعلام في مقابل ذلك.

 

[1]) موقع اتحاد الكتاب(القديم)، تاريخ الدخول 20/ 5/ 2019، http://egwriters.com/ar/?pg=pressReleases&item_id=204&page_id=6

[2]) موقع اتحاد الكتاب(القديم)، تاريخ الدخول 20/ 5/ 2019، http://egwriters.com/ar/?pg=pressReleases&item_id=445&page_id=5

[3]) دستور في صندوق القمامة، صلاح عيسى، مركز القاهرة لحقوق الإنسان، 2001م.

[4]) تاريخ ازدهار وانهيار النخبة القانونية المصرية، عمرو الشلقاني، جريدة الأهرام، 10 / 10 / 2012م. https://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=10102012&id=b2438afe-51ef-4cf0-98bf-3935fda4ecd4

 

[5]) لهذا ألقى عبد الناصر دستور 54 في القمامة، صلاح منتصر، جريدة المصري اليوم، 12/ 3 / 2012م.

https://www.almasryalyoum.com/news/details/53352

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى