إصدارات مقروءة

اتحاد الكتاب والصراع مع الرئيس المنتخب.. المماحكات والمجادلات

نعني بهذه الحقبة، الفترة التي تسلم فيها الرئيس محمد مرسي سدة الحكم، واستمرت حتى الانقلاب العسكري 3/ 7 / 2013م، وفيها تحول اتحاد الكتاب إلى عداء صريح، متناغما مع حالة السعار في الهجوم على الرئيس، وحكومة هشام قنديل، والتي تضافرت فيها قوى عديدة، شملت الفلول والعلمانيين والسلفيين والصوفية، والأحزاب السياسية الباقية من الحقبة المباركية، وكأن الجميع على اتفاق مسبق لإفشال أول رئيس منتخب ديمقراطيا في تاريخ مصر.

واللافت في موقف اتحاد الكتاب تحوّل هجومه على الرئيس محمد مرسي إلى هجوم على الإخوان المسلمين تحديدا، وكأن المعركة مع الجماعة، بخطاب حاد اللهجة والكلمات، وباستعلاء واستعداء واضح، وهكذا تم فهم الحريات الواسعة التي نعم بها المصريون في عهد الرئيس مرسي على أنها حرية التطاول والتعدي، وليس الحرية الراقية المسؤولة، وللأسف يسقط اتحاد الكتاب في مثل هذه السفاسف، بخطاب أقل ما يقال عنه أنه تحريضي مملوء بالكراهية، وعدم تقدير الأمور، بل والمراهقة السياسية والفكرية، ولنستعرض بعضا مما جاء في بيانات اتحاد الكتاب في هذه المرحلة، لنعرف أي مزلق وصل إليه، وقد كان هذا الاتحاد ورئيسه زمن مبارك، ثم زمن السيسي في حالة تدجين كامل، في المواقف و البيانات وانكشفت عنترية الاتحاد وهشاشة مبادئه أيام الثورة فسرعان ما عاد أدراجه من فرق المطبلين للنظام العسكري والتنكر السافر لثورة كثيرا ما تباهى بالانتماء إليها.

ففي البيان الصادر يوم 25/ 7 / 2012م، بشأن استبعاد الاتحاد من اجتماع رئيس الجمهورية مع ممثلي الاتحادات والنقابات المهنية، ورد فيه: “للمرة الثانية على التوالي يقوم الإخوان المسلمون باستبعاد اتحاد الكتاب، الممثل لأدباء ومثقفي مصر، هذه المرة من اجتماع رئيس الجمهورية مع رؤساء النقابات المهنية. فقد تم توجيه الدعوة لاتحاد النقابات المهنية الذي يضم 24 نقابة مهنية من بينهم اتحاد الكتاب، لكن الدعوة لم توجه للاتحاد. ويأتي هذا الاستبعاد استمرارًا لسياسة الإخوان المسلمين التي تناصب الأدباء والمفكرين والمثقفين العداء، وتحاول إقصاءهم باستمرار، حيث كانت المرة الأولى حين استبعد اتحاد الكتاب من تشكيل اللجنة التأسيسية للدستور، الأولى والثانية، بعد أن طلبت رئاسة مجلس الشعب آنذاك من النقابات والاتحادات تقديم مرشحيها للجنة، فتقدم الاتحاد بقائمة تضم عشرة من أكبر الأدباء في مصر والوطن العربي، لكن تم استبعادهم جميعًا ولم يؤخذ أي ممثل لاتحاد كتاب مصر سواء في الأعضاء الأساسيين للجنة أو الاحتياطيين.

إن استبعاد الاتحاد من الاجتماع المخصص للنقابات المهنية مع رئيس الجمهورية إنما يؤكد العداء المنهجي للإخوان ضد الثقافة والمثقفين. وينبه الأدباء والكتاب أعضاء اتحاد كتاب مصر إلى أن تلك بادرة لم نكن نتمناها من رئيس الجمهورية إذ تعتبر نكوصًا عما أكده في أكثر من مناسبة بأنه سيعمل لصالح جميع فئات الشعب بلا تفرقة، وألا يكون ملتزمًا بتوجهات الإخوان المسلمين وحدهم، أو معبرًا عن عداءاتهم ضد أيٍّ من فئات الشعب وفي مقدمتها الأدباء والمفكرون والفنانون والمثقفون، فهؤلاء ضمير الأمة وعقلها المفكر، وهم الذين يشكلون وجدانها”([1]).

من حق الاتحاد أن يطالب بالاجتماع مع رئيس الجمهورية، وأن يتحفظ على تجاهله في الدعوة، وله أن يتساءل عن السبب في عدم دعوته، ولكن ليس من حقه أن يتحدث بعنجهية، وكأنه دولة داخل الدولة، وهيئة فوق المساءلة.

فأول خطيئة في هذا البيان أنه أشار إلى الإخوان المسلمين، ولم يشر إلى مؤسسة الرئاسة ولا إلى الرئيس محمد مرسي، وهذا غير لائق في أي بيان يصدر عن اتحاد رسمي مسؤول عما يقول. والخطيئة الثانية، أنه يتهم الإخوان مباشرة بأنهم وراء استبعاد الكتّاب والأدباء، تكرارا للمعزوفة القديمة التي تتهم الإسلاميين بمعاداة الآداب والفنون، بنبرة من التعالي والاغترار، وهو ما ظهر في بيانات تالية، ومنها بيان 17 / 3 / 2013م، حول الاعتداء على تمثال طه حسين، ويتهم ضمنا التيارات الإسلامية، بنفس مفردات الخطاب التي كانت مستخدمة أيام حسني مبارك، والتي تضع جميع الإسلاميين في خندق التخلف والرجعية والجمود والظلامية. ورغم أن الاعتداء لم تعترف جهة بالمسؤولية عنه، وقد يكون بفعل فاعل من أجل تشويه صورة الإسلاميين، وهو ما لم ينتبه إليه اتحاد الكتاب في بيانه، وإنما واصل نغمة الهجوم، بقوله: “حركت القوى الظلامية لتزيد من آثامها في حق الوطن؛ بالاعتداء على رمز من رموز الفكر المستنير والعقل الواعي؛ هو العميد طه حسين حيث اقتلع ظلاميون تمثاله الرأسي من فوق قاعدته الهرمية بمدينة المنيا القريبة من مسقط رأسه…!!  إن “جوقة العميان” – كما أسماها نزار قباني في قصيدة تأبينه لعميد الأدب العربي – يسوؤها الآن أن ترى في مصر مبصرا.. بصيرا؛ حتى ولو كان تمثالا شاهدا على قصورها وعجزها..!! وهى في اعتدائها على تمثال طه حسين إنما تعتدي على عقل أمة وتراث شعب؛ وآن لهذه الطغمة أن تدرك أن التماثيل في الميادين والشوارع ليست لشخصيات؛ إنما هي تجسيد لقيم نبيلة سامية وأفكار ومعان لن يستوعبها من يحاولون القضاء على الأخضر واليابس – وقد تنجح في عبثها  الصاخب  أن تهدم حجرا لكنها أبدا لن تهزم فكرا، ولن تهدم رمزا([2]).

إنها نفس النغمة التي اعتاد المعسكر العلماني على استخدامها منذ حقبة الخمسينيات، والتي ترى أن الإسلام والإسلاميين ظلاميين رجعيين، ويحملونهم مآسي الوطن، وبالطبع يصمتون عن الاستبداد والفساد الذي مارسته الأنظمة، ووجدت من الشخصيات العلمانية والأدبية كل عون، كي تضفي شرعية زائفة على ممارستها.

ووصلت حالة العداء إلى منتهاها، ببيان الاتحاد بسحب الثقة من الرئيس مرسي، وذلك قبل الانقلاب العسكري بعشرة أيام، وكأن هناك اتفاقا مسبقا مع قادة الانقلاب على هذا، ومما جاء في البيان الصادر 21/ 6 / 2013 ما يأتي: “في ظل احتراب نشهد آثاره المدمرة على المستويين الشعبي والسياسي بخاصة، وهو احتراب بات يهدد أمن مصر القومي على المستويين الداخلي والخارجي، وتحت وطأة ممارسات سياسية أثبتت عجز مؤسسة الرئاسة الفادح على مستويي الرؤية والممارسة عن تقديم أية بدائل استراتيجية في المدى القريب والبعيد، هذا العجز الذي وصل إلى حد التفريط في مصالح مصر القومية، على نحو ينال من مكانة مصر ودورها الريادي… ووافقت الجمعية في اجتماعها غير العادي على:

1- سحب الثقة من محمد مرسي وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة.

2- تشكيل حكومة وفاق وطني مؤقتة، تضم ممثلين لمختلف الاتجاهات الوطنية والسياسية والفكرية. 3- محاسبة المسئولين عن كل الدماء والشهداء الذين سقطوا من أجل ثورة يناير المجيدة من شهداء التحرير والاتحادية إلى شهداء بورسعيد. 4- المطالبة بوضع دستور يليق بتاريخ مصر الدستوري ويعبر عن التوافق الوطني المأمول”([3]).

وبالطبع فإن أول قرار لها تحقق، لكم ماذا عن بقية المطالب، هل حققها الانقلاب العسكري بعد ذلك؟ ولماذا صمت الاتحاد الموقر عن هذا صمت القبور؟

وتصل الأمور منتهاها عندما نجد تحالفا بين حركة تمرد -وهي صنيعة الدولة الأمنية العميقة كما اتضح للجميع فيما بعد-، وبين اتحاد الكتاب، وقد أرسلت الحركة رسالة شكر للاتحاد الذي قام بسحب الثقة من الرئيس مرسي، وجاء في الرسالة التي وقعها محمد نبوي عضو اللجنة المركزية لحملة “تمرد” بالنيابة عن أكثر من 15 مليون متمرد نتقدم بخالص الشكر والتقدير لكتابنا ومثقفينا باتحاد كتاب مصر على موقفهم الوطني تجاه النظام الفاشل في عموميتكم الطارئة التي أثبتم فيها أنكم قادرون على الحفاظ على الهوية المصرية.

وبالأصالة عن اللجنة المركزية لحركة “تمرد” نؤكد مشروعية قراراتكم ونسأل الله أن نكون جميعاً عند حسن ظن شعب مصر بنا”([4]).

وكانت الطامة في البيان الصادر حول فض اعتصام رابعة العدوية والنهضة، وقد تمترس الاتحاد خلف سلطة الانقلاب بشكل كامل، غير ناظر إلى الاعتقالات الواسعة التي طالت الأبرياء، ولا إلى سيلان الدماء الذي جرى على أرض مصر، وإنما جاء البيان لإضفاء المشروعية والتأييد على ممارسات السلطة الدموية، ففي البيان الصادر 14 / 8 / 2013م: “أنه في هذا الظرف التاريخي الذي تتطلع فيه جماهير الشعب التي قامت بالثورة في 25 يناير 2011، ثم 30 يونيه 2013، وفي 26يوليو2013، إلى إعادة بناء الدولة على طريق المستقبل المشرق الذي طال انتظاره، فإننا ندعو إلى نبذ العنف، والإعراض عن سفك الدماء، التزاماً بالسلمية التي كانت عنوان الثورة منذ بدايتها. وأعلن البيان رفضه، الاعتداء على أقسام الشرطة، والمباني الحكومية التي هي ملكية عامة للشعب، كما أدان بكل شدة الاعتداء على الكنائس واستهداف أملاك المسيحيين بما يخالف الشريعة الإسلامية وكافة الشرائع الدينية. وأشار البيان إلى أن الاعتصام الذي طال أمده قد انحرف عن هدفه في التعبير عن الرأي، وخرج عن القانون بإيوائه لمن صدر بحقهم أمر ضبط وإحضار، وبحيازته الأسلحة والذخائر، وبقطعه للطريق، وهو ما يجرمه القانون في كل النظم الديمقراطية. ودعا البيان إلى فرض حظر التجوال حقناً للدماء، وحتى يستتب الأمن، وتعود الأمور إلى طبيعتها. عاشت مصر حرة على طريق الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة”([5]).

ومفردات البيان تتماهى مع إعلام الانقلاب، علما بأن الصحافة الرسمية أثبتت أن الاعتداء على الكنائس قام به بلطجية، وهو ما أثبتته تحقيقات الشرطة بعد ذلك، وتم نشره في الصحف الرسمية، وكانت مدبرة كلها، وفي هذا السياق نستحضر اتهام محمد حسنين هيكل للإخوان بأنهم وراء حرق مكتبته وبيته في مزرعته في برقاش، وقد فند فهمي هويدي في مقال له هذا الاتهام، ذاكرا أن الشرطة قبضت على بلطجية محترفين، اعترفوا بأنهم هاجموا المزرعة، مما استدعى اعتذار هيكل رسميا لهويدي عن هذه السقطة، في مقال منشور، قال فيه هيكل بالنص “وظني أنك عندما تطل على الموقع، سوف ترى أن هناك شيطانا ما لعب دورا ما فيما جرى، كل ذلك مع تقديري أن ما وقع في «برقاش» وقع مثله في أجواء التحولات والاضطرابات الكبرى ــ وأنه حتى إذا كان قد حدث لي ــ فليست تلك آخرة الدنيا ولا نهاية التاريخ”([6])، في تراجع واضح عن اتهامه الذي رددته وسائل الإعلام للإخوان، وتباكى عليه المثقفون والأدباء، واتضح زيفه كاملا، وقس على ذلك ما حدث خلال مذبحة رابعة، بصيغة عائمة، تتهم الشيطان بأنه وراء ذلك، علما بأن هيكل ملأ الدنيا ضجيجا بهذا الاتهام الكاذب، وكان وراء الانقلاب بأكمله، وكأنه يختم حياته بما بدأها به، فبدأ عرابًا لانقلاب يوليو 1952م، وانتهى عرابًا لانقلاب يوليو 2013م.

يمكن القول، إن هذه الحقبة في عمر ثورة يناير تمثل انتكاسة شديدة لاتحاد الكتاب، حيث تخندق مع الانقلابيين تماما، واعتبر نفسه سفيرا متكلما عن جميع الأدباء، وتناغم مع كل الإجراءات المضادة لثورة 25 يناير والديمقراطية التي تم اتخاذها، وما اقترفته من سفك الدماء وما قامت به من حملات اعتقال وتعذيب ومحاكمات سياسية طالت عشرات الآلاف، واستمرت في إراقة الدماء التي ملأت ميادين مصر، ورأينا كيف أن الاتحاد لم يتفهم أجواء الحرية التي عاشها الوطن، وتحول تدريجيا إلى الخطاب الإقصائي الإلغائي الذي مارسه ضد الإسلاميين، وكأنه يقول لا مكان لكم في بلدنا، أنتم إما في السجون أو المنافي أو المساجد. وأن مصر للتيار العلماني المساند للحقبة الشمولية الاستبدادية. وهو ما يمثل ردة كبرى للاتحاد عادت به مجرد أداة طيعة، تضفي مشروعية زائفة لسلطة قوامها القهر والتسلط والدماء.

[1]) موقع اتحاد الكتاب(القديم)، تاريخ الدخول 20/ 5/ 2019، http://egwriters.com/ar/?pg=pressReleases&item_id=506&page_id=5

[2]) موقع اتحاد الكتاب(القديم)، تاريخ الدخول 20/ 5/ 2019، http://egwriters.com/ar/?pg=pressReleases&item_id=578&page_id=4

[3]) موقع اتحاد الكتاب(القديم)، تاريخ الدخول 20/ 5/ 2019، http://egwriters.com/ar/?pg=pressReleases&item_id=596&page_id=3

[4]) موقع اتحاد الكتاب(القديم)، تاريخ الدخول 20/ 5/ 2019، http://egwriters.com/ar/?pg=pressReleases&item_id=597&page_id=3

[5]) موقع اتحاد الكتاب(القديم)، تاريخ الدخول 20/ 5/ 2019، http://egwriters.com/ar/?pg=pressReleases&item_id=601&page_id=3

[6]) من هيكل إلى فهمي هويدى: شيطان ما لعب في برقاش، فهمي هويدي، https://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=16092013&id=804008fe-ee10-4b24-a979-618bad5e2bb3

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى