غير مصنف

اتحاد كتاب مصر والصراع الثوري والإيديولوجي.. الجدل الفكري والتعنت الإيديولوجي

بعدما هدأت حركة الميادين والمسيرات في الشوارع، وانصرف السياسيون والثوار إلى التجاذبات السياسية مع المجلس العسكري أو الحكومة، أو تفجرت صراعات بين التيارات السياسية، وذلك إبان حكم المجلس العسكري، وقبيل الانتخابات الرئاسية، حيث ظهرت قوة الإسلاميين الذين شاركوا بقوة في الثورة، عندما نظموا وتزعموا المسيرات، وكذلك في التقارب الذي حدث بين المجلس العسكري والإخوان المسلمين، والترتيبات التي أعقب استفتاء التعديلات الدستورية، والتي جعلت طريقة صياغة الدستور الجديد بيد مجلس الشعب المنتخب، والذي جاء بأغلبية إسلامية(إخوانية، وسلفية، وشخصيات مستقلة)، وظهر الوزن الحقيقي للتيارات العلمانية في المجتمع المصري، بكونهم أقلية لا يمتلكون قواعد شعبية، وخطابهم نخبوي، متعدد الاتجاهات والأفكار، ولكنهم اتحدوا على العداء للتيار الإسلامي، وهم يرون أن الجيش يتجه نحو إشراك الإسلاميين في السلطة.

ومن هنا، حدث التحول في مسار الثورة، وبدأ الصراع الإيديولوجي، مستدعيا المخزون القديم والمتراكم من كراهية العلمانيين للإسلاميين، ورفض الإسلاميين للتوجهات العلمانية السابقة للسلطة في مصر، ولعبت كثير من الأطراف الداخلية والإقليمية والخارجية على هذا الوتر، فازداد انشقاق الصف الوطني، في ضوء ظهور عشرات القنوات الفضائية والصحف الورقية والمواقع الإلكترونية، والتي وجدت تأييدا ودعما من قوى محلية وإقليمية، من أجل إشعال فتيل الصراع، ليصبح في النهاية صراعا على الهوية: هوية علمانية/ قطرية/ قومية،أو هوية إسلامية بمرجعية حضارية.

وبدون الخوض في تفاصيل هذه الحقبة، والتي أشغلت وأتعبت واستهلكت الثوار والجماهير، بعد ثورة يناير، وطيلة فترة حكم المجلس العسكري، الذي استمر عاما ونصف، منها حقبة مجلس النواب ذي الأغلبية الإسلامية، وما اكتنفها من صراعات وجدالات واتهامات، مما أوغر الصدور، وباعد بينهم وبين تبني أجندة وطنية جامعة، وجعل القضية منحصرة في صراع فكري سياسي، ومناكفات عقيمة، في الوقت الذي كانت أذرع العسكر والقوى الإقليمية والفلول تعبث بالأمن وبمقدرات الوطن.

وقد كان من ظواهر الصراع بين القوى السياسية الانشغال بأسئلة من مثل: من الذي أشعل ثورة يناير؟ ومن انضم لها لاحقا؟ ومن استغلها وركب موجتها؟

وشغلت هذه الأسئلة الكثيرين، وإن كانت معنية بالتيار الإسلامي تحديدا، بينما صمتوا عن رعونة السياسيين وأحزاب مبارك الكرتونية، فقد اتهم العلمانيون الإخوان المسلمين بأنهم لم يصنعوا الثورة، وإنما شاركوا فيها لاحقا، فيما اتهم الإسلاميون العلمانيين بأن هذا تزيّدا، وأنهم شاركوا بدون لافتة منذ الأيام الأولى، وهذا ثابت في عشرات الفيديوهات، وأن القضية ليست فيمن بدأ، وإنما فيمن صبر وتحمل وأنقذ الثورة في موقعة الجمل، وواجه مدرعات الجيش بصدورهم العارية، وقدموا شهداء كثيرين.

على جانب آخر، فإن الجدل الثوري، لم يتطرق إلى أن هناك مقدمات للثورة في مصر، تمثلت في حركات احتجاجية سلمية، شاركت فيها تيارات سياسية متعددة، شملت الإسلاميين والعلمانيين والحزبيين وشخصيات مستقلة، وقد سبقت ثورة يناير بسنوات، مثل الحركة المصرية للتغيير (كفاية)، والتي ضمت رموزا ثقافية وأدبية وفكرية وسياسية كثيرة، وفرضت واقعا من خلال مظاهراتها المحدودة ووقفاتها والزخم الكبير الذي أحدثته في الشارع على الرغم من قيود السلطة وتشديد الأمن، وتواكب معها حركات أخرى، مثل حركة استقلال الجامعة (9مارس) والتي ضمت عددا كبيرا من الأكاديميين المرموقين من مختلف الجامعات المصرية، وحركة عمال من أجل التغيير، وحركة 6 إبريل، وشباب من أجل التغيير، وكتّاب وفنانون من أجل التغيير، وصحفيون من أجل التغيير، وغيرها كثير، وانصبت مطالبها على الحريات والديمقراطية والاحتجاج ضد الانهيار الاقتصادي، وبيع القطاع العام، وتهميش فئات واسعة من الشعب، والتزييف في الانتخابات العامة، وقد استخدمت السلطة العصا الأمنية والاعتقالات ضد أعضاء هذه الحركة، مما جعل صوتها يخفت، وذلك قبل ثورة يناير([1])، وقد عبرت الجمعية الوطنية للتغيير عن أغلب هذه التيارات الوطنية والإسلامية والليبرالية وإذا تأملنا فكرة التغيير ذاتها، التي اقترنت بأسماء هذه الحركات وشعاراتها، سنجد أنها المشكلة المؤرقة، بعدما وجدوا تحنيطا من مبارك ورجاله في كراسيهم، وأنهم يخططون لتوريث هذه المنظومة للابن، بكل ما فيها من تحالف للثروة مع السلطة، ممثلة في رجال الأعمال الذين تولوا المناصب في الحزب الوطني ولجنة السياسات به برئاسة جمال مبارك، وتولوا أيضا الوزارات المالية والخدمية. وقد نجحت هذه الحركات على قلة أعدادها ومطاردة الشرطة لها، في تكوين تراكم من الغضب والوعي في الصدور، وشملت في أعضائها عناصر من تيارات سياسية عديدة، إسلامية وعلمانية وشخصيات مستقلة، وهذا ما يتغافل عنه الكثيرون، حتى جاءت انتخابات 2010م، لتكون القشة التي قصمت ظهر البعير، بما فيها من تزييف واستهتار بالشعب بشكل فاضح وساخر، ولا تزال الذاكرة تحتفظ بسخرية رجل الأعمال ومسؤول الحزب الوطني “أحمد عز”، حيث سخر من المعارضة، وتابعه في السخرية حسني مبارك، عندما قال عن حكومة الظل: دعهم يتسلّون.

فيمكن القول، إن ثقافة الاحتجاج ظهرت خلال الحقبة الأخيرة من نظام مبارك، وجاءت ثورة يناير لتكمل مسيرتها، ومن الخطأ أن يكون الجدال عن ملكية الثورة، وإنما لابد من الالتفات إلى أن الإسلاميين واجهوا السلطة، وتحملوا عنتها وظلمها وحربها لسنوات طويلة، في الوقت الذي نعم فيه غالبية العلمانيين بحرية الحركة ومناصرة السلطة ودعمها لهم. وهذا لا يقلل من الشخصيات النزيهة المخلصة في التيار العلماني، والتي لها كل احترام، وكثير من رموزه يعلمون أن الإسلاميين ساندوهم في حركات الاحتجاج أيام مبارك من خلال ممارسات سلمية، مثل: التمرد والمقاومة، والاعتصام والإضراب، والتظاهر، وساهمت في إيجاد خيال ثقافي وسياسي وتنموي ووطني جديد، رسخته ثورة يناير، وأسقط حاجز الخوف من المواطن، وجعلت الشعب في حالة تفاعل وجدل طيلة الحقبة التي أعقبت الثورة([2]).

وبالعودة إلى موقف اتحاد الكتاب، وتطورات الثورة ومآلاتها، نجد أن المشهد السياسي والصف الثوري بدا شديد الانقسام، بعد معركة الاستفتاء على التعديلات الدستورية، ثم انتخابات مجلس الشعب، واشتداد الخطاب الإعلامي، والهجوم الشرس على الإخوان، وعموم الإسلاميين من جهة أنصار دولة مبارك والعلمانيين بدعم لا محدود من قوى إقليمية، سعت إلى تخريب الثورة المصرية، وإبطال تأثيرها.

ونرصد في هذا السياق، البيان الذي أصدره اتحاد الكتاب، وحمل عنوان: لجنة الدستور والاستبداد الجديد، بتاريخ 25/3/2012، ومما ورد فيه: “يدين اتحاد كتاب مصر بكل قوة المسلك الاستبدادي المعوج الذي اتخذه حزب الأغلبية بالبرلمان في تشكيله للجنة التأسيسية لوضع الدستور التي حرص على أن يستأثر أعضاء البرلمان على 50% من مقاعدها، وأن يختار بنفسه الـ50% الآخرين من خارج البرلمان، بالمخالفة للمبادئ القانونية التي لا تقر الانتخاب الذاتي. إن حزب الأغلبية بمسلكه هذا قد خان الأمانة التي انتخب من أجلها بواسطة انتخابات ديمقراطية كان عليه أن يحافظ عليها وينتهج ما يدعم الممارسة الديمقراطية التي انتخب من خلالها، لكنا وجدناه يلجأ لأسلوب الاستبداد الديكتاتوري الذي صبغ أداء الحزب الوطني الديمقراطي المنحل باستحواذه على مقاعد اللجنة، كما استحوذ من قبل على رئاسة اللجان البرلمانية بشكل يفوق بكثير تمثيله النسبي داخل البرلمان. ولقد أعلن اتحاد الكتاب في وقت سابق رفضه الكامل لمثل هذا المسلك الذي سيفقد اللجنة التأسيسية مصداقيتها، مفضلاً أن تقوم الاتحادات والنقابات والهيئات المدنية بترشيح من يمثلونها في هذه اللجنة كي يقوم أعضاء مجلسي الشعب والشورى بانتخاب من يرونه من واقع هذه الترشيحات وذلك عملاً بالإعلان الدستوري الذي أعطى الأعضاء المنتخبين في مجلسي الشعب والشورى حق الانتخاب، لكنه لم يعطهم حق الترشيح. وفي هذا الإطار فقد تقدم اتحاد كتاب مصر بقائمة من عشرة أسماء تضم أكبر القامات الأدبية والفكرية على الساحة المصرية كي يقوم البرلمان بانتخاب من يراه منها، لكن حزب الأغلبية إمعانًا في صلف الشعور بالقوة رفض القائمة بأكملها ولم ينتخب ضمن لجنته التأسيسية كاتبًا واحدًا من داخل القائمة أو من خارجها، لا ضمن الأعضاء الأساسيين ولا الاحتياطيين. إن تلك البداية المشينة لكتابة الدستور، والذي كان يجب أن يعتمد التوافق الوطني، وليس على استبداد أغلبية برلمانية زائلة تعالت على مطالب الجماهير، إنما ينبئ بدستور يشوبه العوار ومن ثم يفتقد لمقومات الدوام. وفي ذلك فإن لأدباء وكتاب مصر الذين هم ضمير الأمة وعقلها المفكر دور الريادة في تعبئة الجماهير المطالبة بحقها الطبيعي في دستور يعبر عنا جميعًا، وليس عن اتجاه سياسي بعينه اقتنص أغلبيته وسط ظروف استثنائية قاهرة لا تعبر عن حقيقة توازن القوى السياسية في مصر الثورة”([3]).

ولمناقشة ما جاء في هذا البيان، نبدأ من آخر فقرة فيه، والتي تشير إلى أغلبية برلمانية وهي كتلة الإسلاميين (الإخوان والسلفيون)، والتي جاءت بانتخابات حرة شهد لها العالم أجمع، ولكن اتحاد الكتاب ينحاز إلى ما أسماه “ظروف استثنائية قاهرة لا تعبر عن حقيقة توازن القوى السياسية في مصر الثورة”، منكرا أن يكون للإسلاميين شأن في الثورة، مدعما الفكرة الشائعة أن الإسلاميين قفزوا على الثورة، وتلك من أكاذيب العلمانيين والفلول، التي روجها إعلام فاسد، ورؤية أحادية مستبدة، تتسلط من نفسها كوصية على الشعب، ولا تعترف بما أفرزته الانتخابات الديمقراطية.

وهذه من مشكلات بعض العلمانيين في العالم العربي، أنهم يفهمون الديمقراطية على أنها حريتهم هم ليقولوا ويهاجموا كما يشاءون، خاصة الهجوم على الإسلام والإسلاميين، وأن تكون الساحة خالية لهم، أما إذا جاءت الانتخابات بالإسلاميين، فهم على استعداد للتحالف مع العسكر والفلول والشيطان نفسه، والسعي لإعادة الدولة المستبدة، شريطة ألا يكون فيها الإسلاميون، ولا يتحدث أحد عن مرجعية إسلامية.

إنها الازدواجية، وفساد المعايير، خاصة أن نظام يوليو 1952م، هو علماني في الأساس بصبغة قومية واشتراكية، وقد ترك لهؤلاء مساحة واسعة من الحركة، وفي حقبة حسني مبارك، وخلال صراعه مع الإسلاميين، ارتكز على التيار العلماني وأعطاهم شرعية في تكوين الأحزاب والجمعيات، ومع ذلك، فإن أول انتخابات نزيهة بعد ثورة شعبية سلمية، أتت بأغلبية إسلامية، فانكشف حضورهم الحقيقي في الشارع، وما موقف اتحاد الكتاب إلا رد فعل على هذه النتيجة الأليمة، لأن مجلس إدارته مؤلف من أغلبية علمانية لا تسمح بأي صوت مخالف يعلو ضدها.

وبالعودة إلى البيان أعلاه، نجد أن الاتحاد يضع نفسه في المعركة حامية الوطيس وهي معركة كتابة الدستور، وأحداثها معروفة، ولكن الاتحاد يكرر ما ينادي به العلمانيون بأن يتم انتخاب ممثلين عن النقابات والاتحادات والجمعيات، للمشاركة في إعداد الدستور، ويتغافلون أن لجنة صياغة الدستور يجب أن تتم بانتخاب مباشر من الشعب، وقد تم الاتفاق على أن تتم انتخابات برلمانية أولا، ثم ينتخب البرلمان لجنة صياغة الدستور ثانيا، فتكون على درجتين، وفي حالة رفض الشعب للدستور، فإنه يتم انتخاب مباشر لأعضاء اللجنة من عموم الشعب.

وللأسف فإن اتحاد الكتّاب لم ينظر للخيار الديمقراطي والانتخابات، وإنما نظر إلى المعسكر العلماني، ومن يدعمونه من فلول نظام مبارك.

[1]) صراع الطبقات في مصر المعاصرة: مقدمات ثورة يناير، أحمد بهاء الدين شعبان، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2012م، ص40 – 45.

[2]) ثقافة الاحتجاج من الصمت إلى العصيان، د. شحاتة صيام، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2012م، ص177.

[3]) موقع اتحاد كتاب مصر(القديم)، تاريخ الدخول 20/ 5/ 2019، http://egwriters.com/ar/?pg=pressReleases&item_id=205&page_id=6

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق