غير مصنف

اتحاد كتاب مصر وثورة يناير.. الامتزاج مع الثورة والثوار

عندما هبت شمس 25 يناير 2011م، انقلبت الحياة في مصر، سياسيا وفكريا وأدبيا وثقافيا وفنيا، وتبدلت مواقف الكثيرين، وجرى الأمل في عروق المصريين، النخبة والعامة، وكانت لحظة تاريخية فارقة، اجتمع فيها الشعب المصري، رافضا الذل والظلم والدكتاتورية والحكم الشمولي، واتسعت الأحلام، وتمددت في الواقع والخيال، وكانت المفارقة الواضحة هي ارتفاع سقف الحرية إلى السماء، وبات الكل يتحدث عن الوطنية وحب مصر، والرغبة في مجتمع الحريات والديمقراطية.

هذا، وسنقوم بتحليل خطابات وبيانات اتحاد الكتاب ومواقفه، في ثلاثة حقب: إبان ثورة يناير، وخلال حكم الرئيس المنتخب ديمقراطيًا محمد مرسي (يونيو 2012)، وبعد الانقلاب العسكري على مرسي والمسار الديمقراطي (3 يوليو 2013)، وذلك عبر إعمال منهجية تحليل الخطاب، والمقارنة، سنعرف مقدار التغير الذي طرأ على مواقف اتحاد الكتاب، من التغيرات السياسية التي ضربت مصر، في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وتغير بوصلة المثقفين والأدباء.

ويمكن أن نرصد موقف اتحاد الكتاب خلال سنوات ثورة يناير في ثلاث حقب زمنية سنتناولها تفصيلا، وفي كل محطة هناك تغييرات ملموسة في موقف الاتحاد، حيث بدأ بالتلاحم مع ثوار يناير، منضما إلى مطالبهم، ثم تحول تدريجيا ضد صعود التيار الإسلامي إلى السلطة، سواء في مجلس الشعب والشورى، أو خلال مرحلة حكم الرئيس محمد مرسي، ثم موقف الاتحاد من أحداث 30 يونيو 2013م، وما تلاها بعد ذلك من عودة الاتحاد إلى سابق عهد في تبعيته للسلطة، من خلال وزارة الثقافة.

تنبغي الإشارة إلى أن الفئة المهيمنة على اتحاد الكتاب، وأيضا غالبية الأدباء أعضاء الاتحاد يغلب عليهم الطابع العلماني، بل إن أكثريتهم الساحقة من اليسار، في تياراته المختلفة، وندر فيهم من كان ذا توجه إسلامي، فكان طبيعيًا انحيازه إلى أجندة التيار العلماني، الذي رفع مسوح الدولة المدنية، في مواجهة ما أسماه الدولة الدينية، وهو مصطلح خطأ، فالإسلام كدين لا يعرف مفهوم الدولة الثيوقراطية التي يحكم فيها رجال الدين والبابوات كما كان في أوروبا في العصور الوسطى، وفي مفهوم التيار الإسلامي المعتدل وأدبيات مفكريه هي دولة مدنية، بمرجعية إسلامية: تشريعية وأخلاقية وفكرية وسلوكية، كما أن مصطلح الدولة المدنية يطلق ضد الدولة العسكرية، وليس مضادا للدولة الدينية، ولكن إدراك الحقائق والمفاهيم غالبًا ما يضيع في الصخب والجلبة والصراخ في الصحافة والفضائيات.

والمرحلة الأولى في موقف اتحاد الكتاب من الثورة، هي مرحلة الامتزاج مع الثورة والثوار، حيث كان للاتحاد دور مؤثر فيها، واستطاع أن يسمع صوت الأدباء والمثقفين في الحياة السياسية، ويشارك بقوة في فعاليات الثورة وميدان التحرير، ورأينا كيف أن أدباء مصر أبدعوا القصائد والأغاني والمسرحيات في ميدان التحرير، عندما كانت جماهير الثوار مجمعة على رحيل مبارك ونظامه، ومنادية بالديمقراطية ومحاسبة الفاسدين، وتخطيط غد مشرق للوطن.

كانت هذه المرحلة بلا لافتات تقريبا، بمعنى أن الكل في الميدان، منصهر في بوتقة الثورة، لا تمييز بين علماني أو إسلامي، ولا بين مسيحي ومسلم، ولا بين كهل وشاب، وهي أزهى مراحل الثورة المصرية، وأجمل أيامها، قبل أن يتم التلاعب بالثوار، وتدخل الصراعات الإيديولوجية بينهم.

لقد امتلك اتحاد كتاب مصر روح المبادرة، وذلك في عهد رئيسه الكاتب محمد سلماوي وقتئذ، فقد واكب الأحداث المتسارعة في ميدان التحرير، وأدرك أن لا وقت للحسابات السياسية، فالسلطة كلها باتت مدانة، وصار شباب الثورة مسموعي الكلمة، وأضحت المعارضة المحذورة مثل الإخوان المسلمين والشيوعيين وغيرهم، تتفوق على الأحزاب السياسية المصنوعة من قبل نظام مبارك، وربما تكون بيانات اتحاد الكتاب خير وسيلة لفهم موقف الاتحاد من ثورة يناير، وما تلاها بعد ذلك من أحداث، وسنكتشف أن المشكلة الأساسية تكمن في المناخ السياسي نفسه، الذي يقمع أو يوفر الحريات، حيث اصطف الأدباء مع الثورة المصرية، وانهالت إبداعاتهم شعرا وسردا، تواكب الحدث التاريخي، والتحم الأدباء مع الثوار، واسترجع الشيوخ ذكريات ماضٍ، شاركوا فيه في ثورات شعبية، قبل يوليو 1952م، ولاشك أن مواقف اتحاد الكتاب إبان ثورة يناير كانت مسؤولة ومدهشة، في ضوء حالة التكلس التي أصابت الحياة الثقافية والسياسية في مصر، وفي أعقاب انتخابات 2010م، والتي شهدت تزويرا واسعا، وكان الواقع السياسي في نهاية عهد حسني مبارك على المستوى الثقافي قد انحدر بشدة، فوزير الثقافة “فاروق حسني” الذي ظل في منصبه اثنين وعشرين عاما، كان يتباهى بأنه استقطب غالبية المثقفين إلى ما أسماه “الحظيرة”، وهو مصطلح شهير للغاية، أطلقه الوزير في نهاية الثمانينيات في حوار صحفي، من أجل ضم المثقفين إلى الوزارة، في مواجهة صعود التيار الإسلامي، وتسيده في الشارع، فلجأت السلطة إلى التيار العلماني: اليسار واليمين، وتسلموا مناصب في الوزارة والمجلس الأعلى للثقافة. فتعاون غالبية المثقفين والأدباء مع أنشطة وزارة الثقافة، وتحول خطابهم إلى الهجوم على التيار الإسلامي، ووجدوا مساحات واسعة في وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمكتوبة، بجانب الدعم المادي، وضعف بشكل كبير خطابهم عن الحريات والنظام السياسي، وإن تعاظم هذا الخطاب مع ظهور جيل جديد من الشباب المثقف بعيدا عن النخب التقليدية، هؤلاء الشباب الذين ظهروا مع ثورة يناير، وتسلطت الأضواء عليهم، والذين مزجوا السياسة والثورة بإبداعاتهم، وصاغوا رؤى جديدة.

حمل البيان الأول لاتحاد الكتاب رقم (1)، وكأنه يؤسس لعهد جديد من البيانات المؤيدة لثورة الميادين، على الرغم من كثرة البيانات التي أصدرها الاتحاد من قبل، بل إنه كان البيان الأول الصادر عن النقابات المهنية في مصر، بالنظر إلى تاريخه المبكر(26/1/2011م)، وقد بدأه بالوقوف حداداً على أرواح الشهداء الذين سقطوا، ثم وجه أعضاء المجلس التحية للجماهير التي خرجت تعبر عن مطالبها المشروعة، وقد أصدر المجلس البيان التالي:

“يعلن اتحاد كتاب مصر تضامنه الكامل مع انتفاضة 25 يناير 2011 المجيدة، ويؤكد مشاركته الكاملة لها في مطالبها المشروعة، كما يدين الأسلوب القمعي في التعامل معها، ويشارك الجماهير المصرية مطالبها بتغيير الدستور على نحو يكفل التداول السلمي للسلطة، وإلغاء قانون الطوارئ، كما يطالب بالإفراج الفوري عن المعتقلين السياسيين كافة، والقضاء على منظومة الفساد السياسي والاقتصادي والثقافي، ومحاكمة المفسدين، فضلاً عن بقية المطالب المشروعة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وقرر مجلس اتحاد كتاب مصر أن يظل في حالة انعقاد دائم حتى إشعار آخر، كما قرر مجلس اتحاد كتاب مصر في جلسته الطارئة تنظيم وقفة تضامنية لأدباء وكتاب مصر في تمام السادسة مساء السبت القادم 29/1/2011 بمقره بالزمالك”([1]).

لا شك أن البيان حمل كل مطالب الجماهير الثائرة، والمتمثلة في الحريات وحقوق الإنسان، ومحاربة الفساد، وسائر المطالب المشروعة للشعب المصري. وسنلاحظ أن صيغة البيان لم تشر إلى ثورة، وإنما استخدمت مصطلح “انتفاضة”، وربما لأن المصطلح لم يكن قد نضج بعد، فما حدث في مصر يوم 25 يناير، كان مظاهرات سار فيها عشرات الآلاف، وكسروا حاجز الخوف، وواجهوا عنف الشرطة.

وجاء في البيان الثاني ما يلي: “قام أدباء كتاب مصر أعضاء اتحاد الكتاب بمسيرة حافلة من مقر الاتحاد بالزمالك إلى ميدان التحرير حيث نظموا وقفة تضامنية ضمت ما لا يقل عن 300 أديب وكاتب، وتقدم المسيرة الكاتب الكبير محمد سلماوي رئيس اتحاد كتاب مصر والذي تلا بياناً للاتحاد جاء فيه:

بيان اتحاد كتاب مصر رقم (2): يلتحم كتاب مصر وأدباؤها ومثقفوها مع كل مطالب ثورة 25 يناير المجيدة التي فجرها شباب مصر ويعلنون وقوفهم معهم يدًا واحدة، لإسقاط النظام، ومحاكمة المفسدين، واسترداد ثروات مصر، والإفراج الفوري عن جميع المعتقلين السياسيين. (معكم ومنكم حتى النصر)

كما طالب محمد سلماوي باسم أدباء وكتاب مصر أعضاء الاتحاد بالإفراج الفوري عن المعتقلين وفي مقدمتهم الشاعر وحيد وصفي عضو الاتحاد الذي اعتقل صباح نفس اليوم الخميس 10/2/2011.

وقال سلماوي في خطابه بميدان التحرير، أن ثلاثة آلاف أديب من أعضاء الاتحاد يحيون شباب مصر الذين فجروا ثورة 25 يناير الشعبية التي رفعت رأس مصر أمام العالم، وقال للشباب أن الأمة العربية بأسرها تتطلع إليهم بفخر واعتزاز، وقال أيضاً أن عهد الاعتقالات قد مضى بلا رجعة وأن الاتحاد لن يقف مكتوف الأيدي إزاء اعتقال أعضائه من أدباء وكتاب مصر الذين هم ضمير الأمة وعقلها المفكر.

القاهرة في صباح: 10/2/2011″([2]).

صيغة البيان فيها الكثير من التحدي للنظام، وكان الاتحاد بالفعل فيه على مستوى الحدث، بل إنه تجاوز مواقف الكثير من المثقفين، من أعضاء الاتحاد نفسه، والذين داوموا الحديث عن الحريات ومواجهة القمع، ومع ذلك كانوا مصطفين مع السلطة، قلبا وقالبا، وبذلك كان اتحاد الكتاب في طليعة الثورة، ممارسا الدور الحقيقي الذي يجب أن يقوم به المثقف في مواجهة الفساد والظلم والدكتاتورية، وكانت تحركاته من خلال إصدار البيانات عالية النبرة والخطاب، صريحة التوجهات، ثم الذهاب إلى ميدان التحرير في مسيرة من ثلاثمائة أديب، يتقدمهم رئيس اتحاد الكتاب نفسه، وهي مفارقة كبيرة، بعد سنوات الولاء الكامل للسلطة، والتقلب في الوظائف الرفيعة، ولكن يبدو أن الحدث كان أكبر من الجميع، ومفاجئا للجميع، وصهر الجميع في بوتقته، فتركوا الزيف، وتوحدوا مع الشعب؛ هذا إذا أحسنا الظن، وإلا فلعله كان بترتيب مع جناح ما في السلطة كشفته العديد من المواقف اللاحقة.

وثَمة موقف آخر للفئة العلمانية المثقفة يمكن أن يعبر عنه ما قام به جابر عصفور، الذي كان رئيسا للمجلس الأعلى للثقافة، ومديرا للمركز القومي للترجمة، ونائبا لوزير الثقافة، ثم وزيرا للثقافة في حكومة أحمد شفيق، فلما اشتد الهجوم عليه، قدّم استقالته وأرسلها إلى حسني مبارك، لأسباب صحية!!، ثم أعلن بعدها أنه أراد أن تكون الحكومة ائتلافية للتيارات السياسية([3])، وذلك بعد تسعة أيام من قبوله المنصب، وقد خرج أول أيام الثورة متجاهلا واقعها، خاصة مع نزول الإخوان المسلمين إلى ميدان التحرير، فوجدها فرصة ليكرر خطابه القديم، المعادي للتيار الإسلامي كله، غير مفرق بين معتدل أو متشدد أو حتى مفرط، فهاجم شباب الثورة، وادعى قيامهم بالتسلل بغرض الهجوم على المتحف المصري، واتهمهم بأنهم معادون للفنون والآثار، ويحرمون العناية بالحضارة الفرعونية، لأنها حضارة وثنية، وبها تماثيل، وهو ما لم يقل به أحد، إلا غلاة العلمانيين المصطفين مع الحكومة في خطابها التحريضي العدائي للثورة. ثم تولى جابر عصفور حقيبة وزارة الثقافة في حكومة إبراهيم محلب، في عهد السيسي، 16/ 6/ 2014م([4])، رافعا شعاراته الأثيرة المعادية للتيار الإسلامي، والمؤيدة للتوجه العلماني الذي اشتد بعد الانقلاب العسكري.

وبذلك، يكون اتحاد الكتاب قد رسخ فكرة أنه متجاوز للنخبة الثقافية المتكلسة، التي التصقت بنظام حسني مبارك، وانتفعت بمناصبه، وتعاونت مع وزيره فاروق حسني، معلنة نضالها ضد ما أسموه القوى الظلامية (التيارات الإسلامية)، وفي الحقيقة، كانوا الغطاء الثقافي والفكري لنظام مبارك بكل فساده ودمويته وجموده.

 

 

 

[1]) موقع اتحاد كتاب مصر(القديم)، تاريخ الدخول 20/ 5/ 2019، http://egwriters.com/ar/?pg=pressReleases&item_id=191&page_id=8

[2]) موقع اتحاد كتاب مصر(القديم)، تاريخ الدخول 20/ 5/ 2019،  http://egwriters.com/ar/?pg=pressReleases&item_id=192&page_id=8

[3]) انظر: جابر عصفور يكشف سبب استقالته من وزارة الثقافة بعد 9 أيام في 2011، جريدة الشروق، القاهرية، https://cms.shorouknews.com/news/view.aspx?cdate=20102017&id=22c1be39-cad0-4ea2-b6a5-03487931e8eb

 

[4]) انظر: جابر عصفور.. آخر وزير للثقافة في عهد مبارك يعود مع محلب

https://www.masrawy.com/news/news_egypt/details/2014/6/16/268783/%D8%AC%D8%A7%D8%A8%D8%B1-%D8%B9%D8%B5%D9%81%D9%88%D8%B1-%D8%A2%D8%AE%D8%B1-%D9%88%D8%B2%D9%8A%D8%B1-%D9%84%D9%84%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%B9%D9%87%D8%AF-%D9%85%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D9%83

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق