تحليل إخباري

الأخطر بتاريخ أميركا.. الاختراق السيبراني استهدف الترسانة النووية للولايات المتحدة

شهر كامل مر على ما يُعتقد أنه أكبر وأخطر هجوم إلكتروني يستهدف الولايات المتحدة، الذي أكد مسؤولون أميركيون أن احتواء تداعياته قد يستغرق سنوات، بعدما كشفت التحقيقات أنه جرى اختراق الإدارة الوطنية للأمن النووي خلال الهجمات الإلكترونية الأخيرة، كما اخترق القراصنة شبكات الإدارة المسؤولة عن الترسانة النووية،، ووزارات الخارجية والدفاع والخزانة والطاقة، وشركات خاصة مرتبطة بالحكومة الفدرالية.

وبالرغم من ذلك، لا تزال الكثير من علامات الاستفهام تثار أمام الغموض الواسع الذي يكتنف هذا الهجوم، حجمه، وخطورته، وتقنياته، وتداعياته، والأهم من ذلك: من يقف وراءه؟ وعلى ماذا حصّل منه من معلومات قد تهدد الأمن القومي الأمريكي، وربما العالمي أيضا؟ وما السر في خروج الرئيس الأمريكي سريعا لنفي التهمة عن روسيا، التي توجهت إليها الأنظار الأمريكية سريعا كأول مشتبه به بالمسؤولية عن الاختراق العظيم؟

يطرح الاختراق تساؤلات عن هشاشة النظام المعلوماتي والاستخباراتي للولايات المتحدة، ويثير تساؤلات حول كيفية تمكن المخترقين من الاستفادة من المعلومات التي حصلوا عليها؟ وما إذا كنا سنرى في الشهور القادمة نتائج لهذا الاختراق؟

اختراق نووي

بدأ الهجوم بـ”عملية تجريبية” في تشرين الأول/أكتوبر 2019 عند تعديل “التعليمات البرمجية غير الضارة”. و”في شهر آذار/مارس، قام المشغلون الذين يقفون خلف هذا الهجوم بوضع شفرة خبيثة في سلسلة التوريد، وقاموا بحقنها هناك وهذا هو الباب الخلفي الذي أثر على الجميع”.

ونقل موقع بوليتيكو (Politico) عن مسؤولين أميركيين أنه جرى اختراق الإدارة الوطنية للأمن النووي خلال الهجمات الإلكترونية الأخيرة، كما نقل أن هناك أدلة على أن القراصنة اخترقوا شبكات الإدارة المسؤولة عن الترسانة النووية، بهدف التجسس. وقال الموقع إن مسؤولين في وزارة الطاقة كانوا يخططون لإخطار اللجان المعنية في مجلس النواب والشيوخ بحدوث الاختراق، وأكدت الوزارة أن مهام الأمن القومي لإدارة الأمن النووي الوطني لم تتأثر بالهجوم السيبراني.

بدورها، ذكرت شبكة بلومبيرغ أن الهجوم الإلكتروني طال 3 ولايات أميركية على الأقل، إلى جانب الوكالات الحكومية. وأكدت وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية -وهي جزء من وزارة الأمن الداخلي الأميركية، أن الوكالات الحكومية الأميركية وكيانات البنية التحتية الحيوية تعرضت لخطر الاختراق من قبل قراصنة  منذ مارس 2020 على الأقل، مؤكدة أن القراصنة “أظهروا صبرا وأمنا عملياتيا وحرفية معقدة في هذه الاختراقات”.

وأصدرت الوكالة الأمنية أوامر للوكالات الحكومية بفصل أجهزتها عن برنامج “سولار ويندز” الذي يُعتقد أنه تعرض للاختراق، وتستخدمه العديد من الوكالات الحكومية والشركات الخاصة في الولايات المتحدة. كما نقل موقع مجلة بوليتيكو عن مسؤولين أميركيين أن القراصنة ألحقوا ضررا بالهيئة الفدرالية لتنظيم الطاقة، أكثر من باقي الوكالات.

اكتشاف بالصدفة

الغريب أن كشف الاختراق لم يصدر عن الجهات التي تعرضت له، بل جاء أول تحذير من قِبل شركة “فاير آي” (FireEye) الأميركية للأمن السيبراني، التي أبلغت وكالات الاستخبارات الأميركية بحدوث خرق أمني كبير يبدو أنه من تنفيذ جهة حكومية، واستهدف “عملاء حكوميين”.

وأكدت لجنة الاستخبارات في مجلس النواب الأميركي أنها تلقت إحاطة بشأن الاختراق من وكالات استخبارية أميركية، وقال رئيس اللجنة وعضو الكونغرس آدم شيف -في بيان- “إن خطورة هذا الهجوم ومدته تظهر أنه لا يزال أمامنا عمل كبير وعاجل للدفاع عن معلوماتنا وشبكاتنا المهمة، وعلينا أن نتحرك أسرع مما يفعله خصومنا للتكيف مع هذا”.

لا إجابات شافية

وبعد اكتشاف الاختراق، أعلنت لجنتا الرقابة والأمن الداخلي في مجلس النواب الأميركي، فتح تحقيق في الهجوم الإلكتروني الذي تعرضت له الوكالات الحكومية. وذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن المحققين يعتقدون أن كشف مدى تأثر الشبكات الأميركية بعملية القرصنة سيستغرق شهورا، مضيفة: أن “القراصنة استخدموا أساليب هجوم تشكل خطرا جسيما على الحكومة الفدرالية”.

ووفق الصحيفة، فإن مسؤولين فدراليين أصدروا تحذيرا عاجلا من أن مخترقي الأنظمة الحكومية استخدموا تقنيات مختلفة، مضيفة أن الأساليب المستخدمة في القرصنة أشارت إلى “خصم ماهر” مستعد لإنفاق موارد كبيرة للحفاظ على سريته.

ترامب يثير الجدل

وكما هو متوقع، لم يفوت الرئيس دونالد ترامب الفرصة لإثارة الجدل، وسارع بالتشكيك في ضخامة الاختراق، ونفى التهمة عن الغريم المتوقع، روسيا. ونشر ترامب تغريدتين على تويتر -خالف فيهما وزير خارجيته مايك بومبيو الذي وجه اتهاما مباشرا لروسيا بالضلوع في عمليات القرصنة الإلكترونية، وهوّن ترامب من شأنها، قائلا إن قضية القرصنة الإلكترونية ليست ضخمة كما تدعي ما وصفها بوسائل الإعلام المزيف.

وأثار نفي ترامب التهمة عن روسيا سخط عدد من خصومه في الكونغرس الذين كانوا اتهموه من قبل بالتواطؤ مع موسكو لمساعدته في كسب انتخابات الرئاسة عام 2016، وكان ذلك الاتهام في قلب التحقيق الذي قاده لاحقا المحقق الخاص روبرت مولر، وأفضي إلى عدم إدانة الرئيس الحالي.

وفي سياق ردود الفعل على موقف الرئيس المنتهية ولايته، وصف رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب، الديمقراطي آدم شيف، تغريدة ترامب بشأن عملية القرصنة بأنها “خيانة أخرى فاضحة” من الرئيس للأمن القومي الأميركي.

وقال شيف إن تغريدة ترامب تبدو وكأنها كتبت في مقر الكرملين (الرئاسة الروسية)، مضيفا أنها “استعراض دنيء آخر تجاه (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين”، وسبب آخر لدعم مغادرة ترامب منصبه بالسرعة اللازمة.

من جهته، قال النائب الديمقراطي جيسون كرو إن الوقت حان للحديث بجدية، وإن خصما خطيرا للولايات المتحدة وصل الآن لأنظمة الدفاع والاستخبارات وحفظ الأمن والمؤسسات المالية الأميركية.

وأشار كرو، وهو عضو لجنتي الاستخبارات والخدمات المسلحة في مجلس النواب، إلى أن ترامب يقلل من شأن هذا الهجوم الذي يعد الأكبر في التاريخ الأميركي، ويبعد اللوم عن روسيا، مهددا بإصدار فيتو بحق موازنة وزارة الدفاع وطرد مسؤولي الدفاع والأمن السيبراني.

أولوية قصوى لبايدن

على العكس تماما، قال الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن إن “هناك الكثير مما لا نعلمه عن الهجوم السيبراني الذي استهدف شركات أميركية ووكالات حكومية وفدرالية”، لكنه اعتبر أن “ما نعلمه عن هذا الهجوم يشكل قلقا كبيرا”، وتعهد بمعاقبة الأطراف الضالعة في الاختراق.

وقال بايدن -في بيان صادر عن فريقه الانتقالي- إن إدارته ستجعل الأمن السيبراني أولوية قصوى على جميع مستويات الحكومة، وستجعل التعامل مع هذا الانتهاك أولوية قصوى بمجرّد توليه السلطة في 20 يناير المقبل.

وأضاف أن إدارته سترتقي بالأمن السيبراني باعتباره ضرورة حتمية، مشددا على أهمية عدم الاكتفاء بالدفاع، وضرورة تعطيل خصوم واشنطن وردعهم عن شنّ هجمات إلكترونية كبيرة في المقام الأول. كما أكد أن إدارته ستفرض تكاليف باهظة على المسؤولين عن مثل هذه الهجمات الضارة، وذلك بالتنسيق مع حلفاء الولايات المتحدة وشركائها، قائلا “يجب أن يعلم خصوم الولايات المتحدة أنني بصفتي رئيسا لن أقف مكتوف الأيدي في مواجهة الهجمات الإلكترونية التي تستهدف البلاد”.

وكان الرئيس المنتخب جو بايدن قد توعد الروس، أفرادا وكيانات، الذين يقفون وراء الهجوم الإلكتروني الواسع، مؤكدا أن الأمن السيبراني سيكون من بين أولويات إدارته التي يفترض أن تتسلم السلطة في 20 يناير المقبل.. وهو ما بات قريبا كفاية ليكتشف العالم طبيعة هذا الرد الأمريكي المرتقب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق