إصدارات مقروءةإصـــدارتنا

الاتهام بالعمالة والتخوين قراءة في كتاب ثوار وخونة لــ عبد النبي عبد الستار

الخطاب الأصفر المدلِّس

إن من أهم الإشكالات التي تواجه الإعلام عامة، والكتابة الصحفية منه بشكل خاص قضية مجانية الطرح والرأي، وإهمال التوثيق والتحري والتثبت، ونحن هنا لا نتحدث عن مقالات الرأي، وإنما نتحدث عن الكتابة الصحفية، التي تصدر أحكاما معممة، وتضخم وقائع، وتسرد أخبارا، وتصف أشخاصا؛ وهي تفتقد التوثيق، أو تتلاعب في المصدر، أو تشير إليه إجمالا، أو إبهاما، أو تحجبه بالكلية عن القارئ، يما يعني تحريف الخبر، وتشويه النص وإخراجه عن دلالاته ومقاصده، والعبث بفكرته.

وبالطبع، فإن هذا يتم عن عمد، وبغية تحقيق مأرب سياسي وفكري، وخدمة أجندات معروفة، تقف بالتمويل والمساندة خلف هذه المنصات الإعلامية والصحفية. والواقع المعيش في عالمنا العربي ينضح بعشرات الأمثلة، فيما يطلق عليه: صحافيون للإيجار، وأقلام للبيع، وقنوات للاستثمار، ومن يعشْ في عالم الصحافة يسمع الكثير عن مثل هؤلاء، ومنهم صحافيون مشهورون، هم ملء السمع والبصر، ولكن أهل المهنة -العالمين ببواطن الأمور- يعلمون جيدا أن ولاء هؤلاء متحرك، مثلما أن أقلامهم سيّالة، تستطيع أن تهاجم أو تدافع بكل بسالة وفق رغبة المموّل.

وهذا ما يُطلق عليه “الصحافة الصفراء” Yellow Press أو Yellow Journalism ، والتي تختص بذكر أخبار وتقارير وآراء صحفية، دون توثيق، وفقا لمنطق التوهج flamboyant، الذي لا يعنيه إلا الضجيج، والإشهار، دون أدنى نظر إلى المصداقية المهنية. وللأسف فإن هذا أسلوب شائع في الغرب، ويظهر بوضوح في صحف التابلويد Tabloidism، والتي تلجأ عادة إلى منطق التحريف أو الإخفاء Misrepresented or Concealed، وتتوخى مقاصدها عبر العناوين البراقة، المصحوبة بصور مغرية، مع إخراج ملون صاخب، هادفةً إلى تسلية القارئ. وقد امتد هذا التوجه بدوره إلى عالم الميديا، والفضاء الإلكتروني([1])، وغالبا ما ترتكز موضوعات هذا اللون على الفضائح الجنسية، وأسرار السياسيين والمشاهير من الفنانين ولاعبي الكرة.

والصحافة الصفراء تسعى إلى مغازلة القارئ، متبعة نفس منطق الترويج التجاري للسلع، بأن القارئ مثل الزبون، دائما على حق، ولابد من إرضائه، من أجل شرائه للجريدة، أو متابعته للموقع الإلكتروني أو القناة الفضائية التي تصدر هذا الخطاب، وكلما كثر جمهور القراء والمتابعين للقناة أو الموقع، فإن الإعلانات تتوالى وتزداد، ويستمر إصدار الصحيفة.

وكما يشير عباس العقاد في كتابه حياة قلم، فإن الصحافة المصرية منذ نشأتها لا تعتمد على موارد مالية ذاتية، بقدر ما تعتمد على ما أسماه الإعانات السرية أو الدعايات؛ ومعظمها يصدر من الأعيان، أو من قصور الأمراء والوزراء، أو من دواوين وزارات الخارجية والسفارات. وتعتمد سياسة الصحف عادة على الثناء لمن يموّل، بما تحمله من مديح مفرط، ودفاع أعمى عنه، وكذلك سياسة التشهير والانتقاد لخصومه ومعارضيه، بما تعنيه من تطاول وتهديد بنشر الفضائح([2])، ويمكن فهم تاريخ الصحافة المصرية على هذا النحو، فلا يمكن فصل التمويل عن سياسة التحرير، مثلما لا يمكن فصل كتابات الصحفي وآرائه عمّن يموله، ويدفع له بسخاء، أو حتى يسمح له بالاستمرار في وظيفته الصحافية.

وفي هذا الصدد، يشير نبيل راغب -في كتابه عن الصحافة الصفراء- إلى أن استراتيجية عملها تعتمد على الصياغة بشكل مثير ومسلٍ ومبالغ فيه، وهي قديمة قدم الصحافة نفسها، فالصحافة الصفراء وُلِدت في عنفوان الاستعمار الغربي، وسعت إلى تعرية المجتمعات بذكر أخبار الفضائح، بدعوى النقد للمظاهر السلبية في المجتمعات، وامتدت أيضا إلى المجتمعات الواقعة تحت نير الاستعمار، وبأسلوب فيه الكثير من التعالي والتحقير والاستهزاء، ولذلك أصبحت الكوارث والمجاعات والاختلاسات والفضائح بكل أنواعها هي مفردات التغطية الإخبارية([3])، ناهيك عن خدمة الأجندة الخاصة لمن يموّل الصحيفة، والترويج لسياسته، بل تصبح الصحيفة نفسها أداة ضغط على الحكومات والشخصيات المؤثرة وصناع القرار، وفي المقابل تندر الصحافة المستقلة، ذات الحياد والمصداقية العالية.

ولن نذهب بعيدا، فيكفي ما ذكره محمد حسنين هيكل في كتابه “بين الصحافة والسياسة”، وهو يهاجم الصحفي مصطفى أمين، ويصفه بالعمالة للمخابرات المركزية الأمريكية، وقد سُجِن الأخير على أثرها في ستينيات القرن العشرين، حيث يشير هيكل إلى أن صحيفتي أخبار اليوم، والأخبار، اللتين أصدرهما التوأم مصطفى وعلي أمين في أربعينيات القرن العشرين، كانتا ممولتين بالكامل من المخابرات البريطانية، وأنهما كانتا في خدمة السياسة البريطانية في مصر، ويدعمان توجهاتها ومساراتها، وكانت هناك مكافآت سخية تحت الطاولة، تعطى للصحفي الملتزم بخط الجريدة، تضاف للراتب الكبير الذي يأخذه الصحفي شهريا من الجريدة، عندما يهاجم الشخصيات المعارضة، ويشهّر بها، ويتتبع مزلاتها([4]).

وهو ما يؤكده عباس العقاد؛ بأن هناك صحفًا أُنشئت منذ بداية القرن العشرين، كانت تعتمد على ابتزاز الشخصيات الثرية، بنشر أخبار فضائحية عنها، وكان هناك كتّاب صحافيون متخصصون في كتابة المقال وعكسه، أي يهاجم الشخصية في مقال، ويمكن أن يمتدحها ويشيد بها في مقال عكسي، وكان رئيس التحرير يحمل كلا المقالين إلى الشخصية الثرية ويبتزها، وبعضهم كان يحمل عدد الجريدة مطبوعا في نسخ معدودة، بعنوانين متضادين، ولم يكن أمام الثري إلا الرضوخ، فالدفاع عن سمعته سيكلفه كثيرا، خاصة أن الجريدة لديها عشرات الطرق للتحايل على القضاء والتهرب منه ([5]). فشراء السمعة من ألسنة الصحافيين تجارة رابحة دائما للعاملين في سوق الصحافة، مثلما هو مهم وضروري لممولي الصحافة.

وتتعاظم الظاهرة عندما يتطوع الصحافي نفسه بتدبيج كِتاب أو سلسلة مقالات، يغازل بها السلطة، وساعيا إلى التقرب منها، وكأنه يقدّم السبت على الأحد، بغية نيل المزيد من القربى، واكتناز الحظوة، والفوز بالمكافأة. وهو ما ظهر واضحا بعد الانقلاب العسكري في مصر، عندما تسابق الصحافيون والإعلاميون من الفلول وأنصار الثورة المضادة، الباحثون عن مزيد من الدعم الذي راح يتدفق على الصحف ووسائل الإعلام، في مواجهة التيار الإسلامي الذي حاز كرسي الرئاسة والأغلبية في البرلمان، وأيضا ضد كل رموز الثورة، بغض النظر عن موقفهم المؤيد أو المعارض من الإسلاميين، في واحدة من الحقب التي تحتاج إلى تأريخ من نوع خاص، حيث اختفت  الأقلام الجادة بالحجب أو المنع أو التهديد، وانفسح المجال لكل الأقلام الصفراء، ولكل من هو بلا لون، ولا هوية ولا فكر له، بل إنه مستعد للتلوّن متى حصل على الدعم.

والمثال على ذلك كتاب “ثوار وخونة“([6]) للكاتب الصحفي عبد النبي عبد الستار([7])، الذي سعى إلى تقديم صورة كاملة عن أبرز الشخصيات التي شاركت وصنعت ثورة يناير 2011م في مصر، على اختلاف تياراتها السياسية، وانتماءاتها الفكرية، دون أدنى نظر إلى جهادهم ونضالهم.

فلا عجب أن يكون غلاف الكتاب حاويا لصور كل من تناولهم الكتاب، فمن يطالعه -من القراء- من الوهلة الأولى يرغب في معرفة كنه هؤلاء الذين ارتبطت أسماؤهم بالثورة المصرية في سنوات عنفوانها، بل إنهم نالوا شهرتهم خلال الأيام الأولى للثورة والشهور التالية لها. فمن محاسن الثورة المصرية أن أسماء عديدة ظهرت في سماء الإعلام، والفضاء الإلكتروني، ووسائل التواصل الاجتماعي؛ وهم الثوار ومحركو الميادين، والذين اكتسبوا مصداقية عالية، لأنهم كانوا ملتصقين بالشارع، مستنهضين للجموع، ومعهم أيضا ارتفعت أسهم المعارضين لنظام حسني مبارك، الذين ارتضوا بالاعتقال، على أن يكونوا من الخانعين المطبّلين لمبارك ونجله.

فعنوان الكتاب ثوار وخونة، يعطي دلالة تعميمية على أن كل من ثار هو خائن بالضرورة، وما الوجوه التي يحملها الغلاف إلا لخونة عملاء، أرادوا الفوضى لمصر. وبالطبع هذا يتناغم مع دعاوى الانقلاب، الذي اعتمد مقولة الفوضى بديلا عن الثورة، وشعار الاستقرار بديلا عن الديمقراطية.

وأسفل العنوان الأساسي للكتاب هناك عنوان فرعي تفصيلي: “حكايات ووثائق العمالة والثروة والنساء والدم في ثورة 25 يناير، 30 يونيو“، وهو ما يوحي بأن الكتاب موثق، مدعَّم بالأدلة، يقدم المعلوم والمخفي في صياغة سردية/ حكائية، مع الخلطة المعتادة لجذب القارئ وهي مزج الثورة بالعمالة (الأمنية / المخابراتية / الخارجية) مع المغامرات النسائية.

جاء الكتاب في ستة عشر فصلا، تناول كل فصل شخصية واحدة من الشخصيات المشترِكة في ثورة يناير، والجامع بينها جميعا أنها اُشتهرت إبان أيام الثورة، وما بعدها من أحداث، كما أنها متنوعة في انتماءاتها لتيارات سياسية مختلفة مثل: التيار الليبرالي، ومنه عمرو حمزاوي، ممدوح حمزة، علاء الأسواني، ومن التيار الاشتراكي الثوري وداد الدمرداش، ورموز شبابية فجّرت الثورة بين الشباب المصري ومنهم أحمد حرارة، وائل غنيم، علاء عبد الفتاح، إسراء عبد الفتاح، أسماء محفوظ، ومن تيار الإسلام السياسي صفوت حجازي، ومن الأزهر مظهر شاهين، وشخصيات ممن صعدوا إلى عالم الشهرة عبر بوابة الصحافة الثائرة مثل: نوارة نجم ومن الإعلام الحكومي بثينة كامل، وسياسيون محترفون مثل أيمن نور، وزوجته السابقة جميلة إسماعيل، ومحمد البرادعي.

فقد اجتهد المؤلف في الحصر وعرض هذه الشخصيات جميعها، وتاريخها، بسرد صحافي، واضح أنه مقالات مجمعة، كُتبت في أزمنة مختلفة، بدلالة تغير نبرات الكاتب نفسه، فالغالب عليه هو الهجوم الممنهج على معظم هذه الشخصيات، والسعي إلى تعريتها وكشفها، عبر عرض نماذج من حياتها الخاصة، والشبهات التي دارت حولها، والمآلات التي صارت إليها، وإن كنا نستغرب دمجه لبعض الشخصيات التي هي على ولاء للانقلاب مثل مظهر شاهين، الذي ركب موجة الثورة وكان خطيبها في مسجد عمر مكرم، وسرعان ما كُشِفت عمالته للنظام، ويبدو أن المؤلف أراد محاربة كل من نال شهرة، أملا في بعض المصداقية لكتابه.

يمكن أن نسمّي الخطاب الذي يشتمل عليه هذا الكتب؛ بــ ” الخطاب الأصفر المدلِّس” أي الذي لا يهمه كثيرا أن يقدم المعلومات الحقيقية للقارئ، وليس معنيا نقل صورة أمينة عن كل شخصية، بقدر ما يهمه تحقيق متعة القارئ وتشويقه، بخلطة معروفة في سوق الصحافة: سياسة، وجنس، ومال، وتجارة بالشعارات الدينية أو السياسية أو الاجتماعية، مع مغازلة سلطة الانقلاب العسكري، والمتتبع لمقالات المؤلف سيجد أنه مستعد للكتابة في كل شيء: الرياضة، والثقافة، والسياسة، والهجوم على كل القوى المعادية للانقلاب([8])، بخطاب تشهيري سطحي فج.

لقد صدر كتاب “ثوار وخونة” بعد ما يسمى ثورة يونيو 2013م التي هيَّأت المسرح المصري للانقلاب العسكري على الرئيس المنتخب محمد مرسي، ضمن موجة دعائية هائلة، تهاجم كل ما يمتّ بصلة إلى ثورة يناير، وتتهم شخصياتها بأنها عميلة للخارج، متآمرة على الوطن الذي كان مستقرا (أيام مبارك)، وأن الدنيا كانت جميلة، لولا هذه التحركات الشعبية التي فجرها هؤلاء العملاء المأجورون. والغريب أن المؤلف في الوقت نفسه يمتدح بعض الشخصيات الثورية، ويصفها بالنقاء الثوري، بل يهاجم نظام مبارك نفسه، ويمتدح العسكر، وبالطبع هو ضد الإخوان ومن تحالف معهم على طول الخط، ويكفي استخدامه قاموسا من المفردات والتراكيب مأخوذة من خطاب سلطة ما بعد 30 يونيو، ومنها على سبيل المثال لا الحصر قوله: “محمد مرسي الذي تحوّل إلى ديكتاتور منذ اللحظة الأولى لدخوله قصر الاتحادية.. و(نجحت) ثورة 30 يونيو في الإطاحة به وإنهاء الاحتلال الإخواني الغاشم”. وهذا كلام لا يصدر من صحافي مخضرم، يزعم أنه محلل سياسي، متغافلا أن الرئيس محمد مرسي جاء بانتخابات حرة نزيهة، وأن ما يُسمّى بثورة يونيو وما تأسس بعدها من نظام عسكري، لا تعرف أدنى احترام للنظام الديمقراطي، الذي يحترم الحريات، وحقوق الإنسان، بينما الواقع يؤكد أنه نظام هو الأشد ديكتاتورية واستبدادا وفسادا ومن أعتى الأنظمة التي حكمت مصر في تاريخها الحديث. كما أن حريات الصحافة باتت شبه معدومة، وعانى وسجن الصحافيون الشرفاء والغيورون على قواعد المهنة والملتزمين بأخلاقها، لأنهم رفضوا الانصياع.

إن الكتاب عبارة عن مقالات مجمّعة فإن التناقض في موقف المؤلف واضح، ويظهر في تأرجحاته بين إظهار بعض التأييد لمواقف بعض رموز الثورة وهذا قليل إن لم يكن نادرا، وبين الهجوم على أبرز شخصياتها وهذا هو الغالب، فثورة يناير في النهاية مؤامرة للفوضى (الخلّاقة) – كما قال.

ويكفي أنه عنْونَ فصول كتابه بنعوت هازئة على النحو الآتي: الفصل الأول: “ممدوح حمزة .. أوهام الزعامة”، وكأن حمزة يحلم بأن يكون زعيما ثوريا، وكل ما فعله كان من أجل زعامة ثورية ينالها من الثوار.

والفصل الثاني “(عمرو) حمزاوي .. وثورة بسمة!”. فحمزاوي لم يكن نضاله الثوري إلا من أجل الفوز بقلب الممثلة بسمة، (ص33).

والفصل الثالث: (علاء) الأسواني .. والمقلب الإخواني. وذكر بأنه مضحوك عليه من الإخوان، لأن الأسواني انضم إلى معسكر “عاصري الليمون“ وأيّد محمد مرسي (ص42، 43)، علما بأن الأسواني كان معاديا ولا زال للإخوان المسلمين، وإن كان قد عدّل موقفه من الانقلاب، من التأييد إلى المعارضة، بعدما عانى من منع مقالاته، وامتناع دار الشروق عن نشر آخر رواياته، لأن أوضاع الحريات في مصر لا تحتمل نشر الرواية بما فيها من آراء حرة.

والفصل الرابع: صفوت حجازي .. المتحول. وقد اتهم المؤلف حجازي بأنه تحول لمساندة القذافي، عندما سافر إلى ليبيا عام 2008، مع الشيخ محمد حسان ود.عمر عبد الكافي، وأنهم لقّبوا القذافي بفاتح الإسلام وإمام المسلمين (ص49)، علما بأن حجازي كانت له مكانة ثورية كبرى.

والفصل الخامس: مظهر شاهين.. خطيب الثورة والفلول. وسخر المؤلف من مسوح الثورية التي لبسها شاهين، محاولا أن يتقرب من التيار الإسلامي، وغمز بأن هناك صورة له مع فاطمة ناعوت الناشطة الليبرالية، وأنه ذهب للكنيسة الأرثوذكسية لتهنئة البابا(ص60). ونحن نقول فلتنظروا إلى مظهر شاهين الآن، وقد بات ملاصقا للانقلاب تماما.

والفصل السادس: أحمد حرارة .. عين الثورة. في إشارة إلى أن حرارة فقدَ عينيه في نضاله بميدان التحرير. ولكن المؤلف يهاجمه بأن حرارة الذي عارض حكم الإخوان؛ هاجم في 16/ 11/ 2013، ثورة يونيو والنظام العسكري الذي نتج بعدها (ص69).

والفصل السابع: وائل غنيم .. الثائر الإلكتروني. قاصدا المؤلف أن وائل قد بدأ نضاله في الفضاء الإلكتروني، معددا بعض الفضائل له، منها أنه وراء إنشاء صفحة خالد سعيد على الفيس بوك، والتي كانت سببا في اندلاع الثورة، ونقل الكاتب عددا من تفاعلات أعضاء الصفحة مع دعوة وائل للتظاهر في الشارع. ومعلوم طبعا أن وائل غنيم قد تغيّر موقفه أخيرا، وبات يستجدي نظام الانقلاب، بعدما سُجِن أخوه، فظهر وائل عاريا في سكنه بالولايات المتحدة، شبه مخمور، في فيديوهات عديدة؛ هاجم فيها الفنان محمد علي بسلاطة لسان خلال شهري سبتمبر وأكتوبر 2019.

أما الفصل الثامن فحمل عنوان: علاء عبد الفتاح .. نصير الشواذ. والنعت رخيص فج سافل، وقد اتهم المؤلف علاء بأنه يجد دعما قويا من الغرب، ويعيب عليه وعلى والدته د. ليلى سويف استقواءها بالخارج، عندما سُجن ابنها من قبل المجلس العسكري. ثم يتهم المؤلف علاء بأنه ملحد، وأن هناك صفحات على الفيس بوك تشير إلى ذلك، لأن علاء علماني التوجه، والعلمانيون يحترمون سائر الحريات(ص94).

ويمعن الكاتب أكثر في التشويه الفاسد لعلاء عبد الفتاح فيسوق اتهاما معتمدا على “تساؤلات كثيرة متداولة على شبكة الإنترنت..، متسائلا هل هو شخص سوي أم أنه شاذ جنسيا؟ وما سر دفاعه المستميت عن حقوق الشواذ في كل أنحاء العالم؟” (ص93)، ولم يكن دليله في كل ذلك إلا فيس بوك وتويتر، وأن هناك صفحة للشواذ نشرت صورة لعلاء عبد الفتاح بوصفه مناصرا لها. ومعلوم أن علاء عبد الفتاح ليبرالي التوجه إلى النخاع، ولكن الحديث عنه بهذا الشكل، يدلس في نضاله الثوري المخلص، وسجنه في عهد الانقلاب العسكري، هو وكل رفاقه، ولا يزال يدفع ثمن سجنه إلى يومنا. وقد تداولت مواقع التواصل الاجتماعي صورة لوالدة علاء، الدكتورة ليلى سويف وهي تفترش الأرض، على عتبة سجن طرة، تنتظر السماح لها بزيارة ابنها المضرب عن الطعام، منذ أشهر، احتجاجا على اعتقاله دون تهمة، وقد جاءت الأم حاملة معها محاليل وأدوية لتعطيها لابنها، خوفا عليه من فيروس كورونا([9]).

إننا إزاء خطاب يجمع ما بين نهج الصحافة الصفراء، فاقدة المصدر والتوثيق، متعمد حشد كل ما هو فضائحي تشهيري، ولا بأس من الإشادة بالشخصية في البداية، ثم التعريض لها في النهاية، ليكون الانطباع المتولد بعد القراءة متناقضا، مضطرب الفكر والحكم، إن لم يكن سلبيا.

والمثال على ذلك: ينعت الكاتب البرادعي بأنه جاء معارضا وأنه ألقى “بحجر ثقيل في مياه راكدة يعبر عنها مجتمع محبط ومواطن يائس، ورفض الرجل (البرادعي) منذ عودته إلى مصر أن يصبح فردا في فريق نظام فاسد وفاشل“ (ص159). وأن البرادعي ترشح لمنصب الرئاسة لثأر قديم بينه وبين نظام مبارك، ولكن البرادعي كان ينفي أي توتر في علاقته مع سلطة مبارك، وكانت لديه صداقات حميمة مع أفراد داخل النظام(ص170). ثم يسفر المؤلف عن وجهه، عندما يمتدح مبارك بأنه “ذو حنكة سياسة اكتسبها من خلال عمله داخل مؤسسة الرئاسة لأكثر من 36 عاما، منها 6 سنوات قضاها نائبا للرئيس الراحل السادات”(ص171).

كما يمتدح المؤلف نظام مبارك الذي أفرج عن “نور” بعفو صحي، ويتبنى في السياق ذاته كل اتهامات صحافة مبارك لأيمن نور، وتشكيكها في شهادة الدكتوراه التي يحملها، وأيضا الانحياز الكامل لوجهة النظر الرسمية حول تزوير أيمن نور لتوكيلات حزبه، والتي أدت إلى حبسه عدة أعوام لأنه مزور رسمي (ص110 – 112).

ذلك خطاب صحافي متناقض، يحشد المعلومات من قصاصات الصحف، ونثيرات الأخبار، ومواقع التواصل الاجتماعي، لا يهمه في النهاية إلا تشويق القارئ، ثم تشويه الشخصية المرادة، مع مغازلة السلطة.

وتلك هي مشكلة الكتابة الصحفية في معظم بلدان العالم الثالث، بل يمكن القول إن العقل الصحافي بهذه البلدان يعاني من هذه الإشكالية دوما، لأنه يتعامل بالجزء وليس الكل، بما يعني أن لكل حادث حديثا، ولكل مقام مقالا، ولكل حاكم ونظام كتابة، ولمموّل الصحيفة الطاعة. فلا نتوقع منه تقديم صورة كاملة أمينة، ذات رؤية واحدة ثابتة على طول الخط، وإنما هي متقلبة، مجزَّأة، ضعيفة التقييم، بدون توثيق غالبا، مع تضخيم وجهة النظر، والتدليس على القارئ العادي من خلال سرد معلومات في إطار معين، ووجهة نظر معينة، والتي يمكن نقضها في مقال تال، في نفس الكتاب.

ونستغرب الأمر أكثر، عندما نطالع سيرة المؤلف في نهاية الكتاب، لنعلم المزيد عن حياته الصحفية المهنية، فقد رأس تحرير صحيفة صوت الأمة (1995- 1999م)، والتي اتخذت منذ تأسيسها على يد عادل حمودة، نهج صحافة الإثارة، والغوص فيما هو شخصي وطريف، والإشارات إلى ما هو خفي في الحياة الخاصة (الجنسية)، وأيضا علاقات المال ورجال الأعمال، فلا عجب أن تكون من أكثر الصحف مبيعا في وقتها. كما عمل الكاتب في صحيفة الوفد، وفي مكاتب الصحافة العربية والخليجية في القاهرة، وأصدر كتبا على نفس الشاكلة، منها كتاب بعنوان “حارة الشيخة موزة”، وأيضا “الهانم – سيدة القصر التي أضاعت مصر” في إشارة لسوزان مبارك، وهو صادر بعد سقوط نظام مبارك، في مجاراة للموجة ضدهم فلما خبت، تحول خطابه الصحفي إلى الهجوم على شخصية البرادعي في كتاب بعنوان “البرادعي وأوهام الرئاسة وشهوة الانتقام”، فالتقلب في كتاباته بحسب الموجات السائدة سمة من السهل ملاحظتها.

هناك إشكالات عديدة في هذا الكتاب، جديرة بأن تطعن خطابه المقدّم في مقتل، وتجعل متلقي الخطاب موقنا بتوجهات المؤلف ومسايرته لما ساد بعد 30 يونيو، فقد أسبغ من نعوت الخيانة والفضائحية الكثير على رموز الثورة، فنجد في الفصول تشكيكات واستهزاءات واتهامات مجانية، تعتمد على ما تناثر من شائعات، والكل يعلم من كان وراءها سواء كان أيام مبارك، أو بعد ثورة يناير، فهناك أجهزة وأقلام وإعلاميون متخصصون في إطلاق الشائعات، والصراخ العالي بها، حتى يتم قتل الشخصية معنويا وسياسيا، ومهما حاولت الشخصية أن تدافع عن نفسها، فإن سريان الشائعة بين الناس عبر وسائل الإعلام المقروء والمرئي لا حد ولا نهاية له.

وهو ما يقدح في العنوان الفرعي الذي صاغه المؤلف، وتأكيده على فكرة “وثائق العمالة والثروة والنساء والدم”، لنكتشف أننا وطيلة صفحات الكتاب، لم نجد وثيقة واحدة تثبت ما سرد من اتهامات، وإنما اعتمد على ما هو شائع ومتداول في الصحف، وفي مواقع الإنترنت، والقنوات الفضائية، دون أدنى جهد للفرز أو التحقق من صدقية المعلومات وثبوتها، وهذا جزء من إشكاليات الصحافة المصرية عندما وضعت نصب عينيها مغازلة مراكز القوى في السلطة أو المال أو السياسة. ولا عزاء كثيرا لما يسمى بالحرفية أو المهنية أو حتى احترام عقل القارئ.

فمعلوم أن للحياة الخاصة حرمتها، ولا دخل لها في الشأن العام، ولا يمكن السماح بذكر الزوجات والعلاقات الغرامية ضمن الحديث السياسي عن الشخصية، لأن اختلافنا أو اتفاقنا مع الشخصية إنما هو في آرائها ومواقفها السياسية لا غير. ولكن المؤلف وطيلة كتابه، ينقّب ويورد معلومات تداولتها صحف الإثار عن الحياة الخاصة والزوجات.

والمثال على ذلك تفصيل المؤلف لحياة “ممدوح حمزة” الخاصة، وعلاقته بمطلقته، بل وعلاقته بسوزان مبارك، وكيف أنها رضت عنه وأرست مناقصات عليه، ويبسط القول في اتهامات النيابة له، وأيضا في علاقاته بالخارج وتحديدا بلندن؛ لنصل في نهاية الفصل إلى تشويه كامل لحمزة، يخلط ما هو شخصي له، مع عالم البيزنس، كي يبرر بأن ما فعله حمزة في ثورة يناير كان مدفوعا من الخارج ومن مصالحه الخاصة (ص12- 23).

ونفس الأمر نجده مع الفصل الثالث عشر وعنوانه: “أسماء محفوظ.. ثائرة أم عميلة؟”، حيث يذكر ظروف اشتراكها في حركة 6 إبريل، وما قامت به من نضالات أيام مبارك، والقبض عليها، والتهديد باغتصابها، وكلها أحداث تشير إلى تاريخ نضالي مشرف، إلا أنه يتعرض في بقية الفصل إلى سفرياتها المتكررة إلى أوروبا وأمريكا، والتساؤل عن الثروة الهائلة التي هبطت عليها، وجعلها تركب سيارة فارهة وتعيش في شقة فاخرة(ص201)، دون أن يقدم أي دليل أو وثيقة على ذلك، اللهم إلا سرد معلومات وأخبار مستقاة من الصحافة، دون أدنى إشارة إلى المصدر.

أما الفصل الأكثر طولا فهو الفصل التاسع، الذي خصصه المؤلف عن أيمن نور، وقد امتدت صفحاته لما يقارب ستين صفحة(ص97-155)، مستعرضا تاريخ أيمن نور في الصحافة، بوصفه زميلا ورفيقا له في صحيفة الوفد، وأنه – المؤلف – عمل مع “نور” لسنوات في صحيفة الغد، وبالطبع ساق اتهامات كثيرة عن أيمن نور، فهو طامح للشهرة، محب للزعامة، عينه على الولايات المتحدة يستنجد بها، ويغازل الاتحاد الأوروبي، وطلاقه لزوجته جميلة إسماعيل، وثرائه الكبير. لنكتشف في النهاية أننا أمام كتابة أقرب إلى التوليفة الحكائية، التي تطعن وتغمز، وتنبش في الحياة الخاصة والزوجات والأبناء، وتشير إلى ما يقال عن العلاقات العاطفية لأيمن نور، وكلها مأخوذة مما هو شائع على ألسنة النميمة وفي الصحافة الصفراء، التي وجدت حماية لها من أجهزة الأمن في عهد مبارك.

في الوقت الذي يشيد فيه -على غير ما درج في كتابه-في الفصل الخامس عشر بمطلقة أيمن نور السابقة الإعلامية جميلة إسماعيل، بل وينعتها بالمرأة الحديدية، وأنها حافظت على استقلالها، ويكفي أنها خاضت انتخابات 2012، وحصلت على المركز الثالث، ضد مرشحي الإخوان وحزب النور، وأنها تعمل على تقديم الخدمات الاجتماعية لأهل دائرتها، وتتضافر مع كل من يقصدها من الفقراء لحل مشكلاتهم. (ص217، 218).    ويبدو أن مدحه لجميلة إسماعيل إنما جاء نكايةً لأيمن نور.

يمكن القول إن هذا الكتاب نموذج لعشرات الكتب والكتابات التي نجدها قديما وحديثا في سوق الصحافة، لا ضابط ولا رابط لها، أساسها الإيهام بصدق المعلومات، وعمودها الهمسات والشائعات الجزافية، وسنامها إرضاء هوى النفس للكاتب ذاته، ومغازلة السلطة بشكل أو بآخر، دون النظر إلى القيم الصحافية وحقوق القارئ التي تسحق تحت أسنة الأقلام، ومعاول الكلمات والحسابات الخاصة.

والمفارقة أن هذا الخطاب الأصفر المدلّس الذي يعتمد على الهجوم والتشويه قد زاد انتعاشه بعد الانقلاب العسكري 2013، فمثل هؤلاء الكتّاب يخرجون من جحورهم، وتعلو أصواتهم في أجواء الاستبداد، التي ترعى الفساد من ناحية، وتتخذ -من ناحية أخرى- الأقلام المسمومة كبنادق تصوب طلقاتها على كل من يخالف توجهاتها، أو يفكر -مجرد التفكير- في معارضتها، ويكفي ما فعلوه مع المخرج خالد يوسف، وفضحه وتجريسه، بعدما قدّم فروض الطاعة والولاء.

[1]) See more: Today’s News is tomorrow’s history: Impact of Yellow Journalism, Tabloids and Paparazzi on the future of Journalism ,by Muhammad Moiz Khan, and Others. Journal of Mass Communication, Vol. 14, May 2016. p162-163.

[2]) حياة قلم، عباس محمود العقاد، دار الكتاب العربي، بيروت، ط2، 1969، ص71- 73.

[3]) الصحافة الصفراء: الجذور والفروع، د. نبيل راغب، دار غريب للطباعة والنشر، القاهرة، 2004، ص72.

[4]) بين الصحافة والسياسة: قصة ووثائق معركة غريبة في الحرب الخفية، محمد حسنين هيكل، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، ط6، 1985، ص38 وما بعدها، وأيضا فصول عديدة من الكتاب، مع الوثائق التي نشرها عن إقرار مصطفى أمين واعترافه  بخط يده بما فعل.

[5]) انظر تفصيلا: حياة قلم، مرجع سابق،ـ فصل الصحافة قبل خمسين سنة، ص384 وما بعدها.

[6]) ثوار وخونة: حكايات ووثائق العمالة والثروة والنساء والدم في ثورة 25 يناير، و30 يونيو، كنوز للنشر والتوزيع، القاهرة، 2014.

[7]) كاتب صحافي مصري، شغل منصب رئيس تحرير جريدة الغد، وترشح لمنصب نقيب  الصحفيين، ولم يفز وقد أمضى ما يقارب أربعين عاما في العمل الصحفي، وقد أصدر كتبا عديدة، وكتب في كثير من الصحف المصرية.

[8]) انظر بعضا من مقالات الكاتب على هذا الرابط: https://mkalatk.com/editor/627-%D8%B9%D8%A8%D8%AF_%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A8%D9%89_%D8%B9%D8%A8%D8%AF_%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D8%B1 ( تاريخ الدخول 23/ 5/ 2020).

[9]) صورة والدة علاء عبد الفتاح تثير غضب مواقع التواصل: لخصت مأساة أهالي المعتقلين بمصر، 15/ 5/ 2010،على موقع الجزيرة نت، تاريخ الدخول 23/ 5 / 2020 على هذا الرابط https://www.aljazeera.net/news/politics/2020/5/15/%D8%B5%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D8%A7%D8%A1-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%AA%D8%A7%D8%AD-%D8%AA%D8%AB%D9%8A%D8%B1-%D8%BA%D8%B6%D8%A8

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق