إصدارات مقروءةإصـــدارتنا

الخطاب الثوري وما بعد الثوري.. قراءات في التراث الفكري لثورة 25 يناير

دراسة مسحية للتراث الفكري لثورة 25 يناير

 

مقدمة: استراتيجية القراءة والتحليل

من الظواهر التي تغيب عن الحياة الثقافية والفكرية العربية بشكل بارز ظاهرة يمكن تسميتها بـ: غياب النقاش للخطابات في (الكتب، المقالات، الحوارات، الدراسات، البحوث، البرامج) بما يعنيه من قراءة ونقد وتعليق وحوار، خاصة تلك التي تتناول موضوعات بعينها ذات صلة بالشعب.

فالحياة الفكرية والثقافية والسياسية لا تنتعش إلا في حالة وجود حوار فاعل بين أطراف عدة، تتمثل في متلقي الخطاب من أطياف المجتمع وشرائحه. وبعبارة أخرى نحتاج إلى فضاء فكري منفتح بأشكال وسبل مختلفة، ومنها: قول على قول، ونقاش على نص، وحوار حول خطاب، ومراجعة على كتاب، واشتباك مع آراء، على أن يتم بشكل منهجي، بعيدا عن التعليقات العشوائية والانطباعية والمتجاوزة في الصحافة اليومية أو في مواقع التواصل الاجتماعي أو في مقالات صحفية متناثرة، التي تقتصر على رأي أو معلومة بعينها دون نظرة منهجية مبنية على أسس علمية ومنطقية، أو وجهات نظر متعمقة، تغوص في مضمون المنتج الفكري، وتتفهم طرحه، وتقف على المعلومات المتضمنة فيه، ومن ثم يكون نقاشها علميا، أساسه النزاهة، وقاعدته المعرفة، ومنهجيته الموضوعية.

وتلك مشكلة نلمسها في كثير من قضايا الأمة والوطن، فكثيرة هي الدراسات والبحوث والكتب التي لا تجد نقاشات جادة ولا مراجعات علمية رصينة، اللهم إلا بعض الاهتمام الذي قد نجده في دوائر المختصين فحسب.

وهذا ينطبق بلا شك على ثورة 25 يناير 2011م، فهناك عشرات الكتب، ومئات الدراسات، وآلاف المقالات والشهادات؛ التي تناولتها، ولكن قليلة هي – إن لم تكن نادرة – الدراسات المجمعة التي تناقش ما صدر، وتمحّص ما قيل، وتفنّد الأباطيل، وتقرأ ما سطّره الثوار والمفكرون وتحلل طروحاتهم وتقييماتهم؛ بهدف تمييز الخبيث من الطيب، وفرز الصالح من الطالح، كي يتأسس تأريخ جاد وموضوعي لهذا الحدث المحوري في مسيرة الدولة المصرية، والذي هو أيضا علامة لا تنسى في تاريخ الأمة جمعاء.

وهذا ما تسعى إليه مؤسسة وعي للبحث والتنمية في هذه الدراسة المسحية لتراث الثورة التي فجرها المصريون في 25 يناير، حيث نناقش عددا من الكتب والطروحات والشهادات حولها، مستهدفين قراءة الثورة كما بدت في البحوث والدراسات التي تناولتها، وسوف يكون تناولنا لها بشكل شامل ومتوازن، فلن نحصرها في منتجات ذات توجه سياسي أو فكري معين، وإنما ننوع فيها الاختيارات، لتشمل جلّ التيارات السياسية والفكرية والثورية التي كتبت أو أنتجت عن الثورة. فهدف هذه الدراسة هو قراءة ذلك الحدث الثوري المهم، كيف بدأ، وكيف فهمه وتفاعل معه كل فريق / شخص، فهناك من قرأه ضمن مرجعيته الفكرية السياسية، وهناك من قرأه من خلال تجربته الشخصية، وهناك من قرأه من منظور جمعي لا فردي وهناك من قرأه فيما سوى ذلك.

كما سنفحص إن كان حقًا تم الغدر بالثورة، واغتيالها فكريا ومعنويا وسياسيا وصحافيا.. بخطابات مختلطة مزيفة، احتضنتها صحف وقنوات ومواقع إلكترونية، وكيف انقض النظام القديم، وعاد بصحفه وأقلام صحافييه يهاجم الثورة والثوار، ويعدّهم خارج سياق التاريخ، بل يصنّفهم بوصفهم عملاء وخونة، وأن حدث الثورة نفسه إنما هو تمرد وفوضى، بل نشاز في تاريخ مصر الحديثة، فليس في الإمكان إلا النظام الذي كان.

أما عن استراتيجية القراءة فهي تتأسس على منهجية تحليل الخطاب، والتي تختص بالدراسة المتعمقة للخطاب في النص- أيا كان شكله- على المستوى اللغوي، ومن ثم النظر في طروحاته الفكرية والمعرفية والتاريخية، وأيضا الوقوف على مكوناته التي تتألف من عناصر أساسية وهي: المخاطَبين، وسياق الخطاب، ومقاصده.

إن منهجية الخطاب تتحدد بما يسمى “فوق الجُملي Discourse Transphrastique)([1]) الذي يتناول مجمل الخطاب المطروح في النص، ويقرأه في سياقات عديدة، زمنية وفكرية وشخصية، غير مكتفية بالعرض فقط على نحو ما نجد في كثير من الكتابات الصحفية، التي تتعامل مع الكتب بشكل إخباري، بمعنى أنها تعرض ملخصا لما في الكتاب، فيغيب بالتالي النقاش المعمق والتقييم، فلا يعلم القارئ الإضافة العلمية أو المعرفية أو الفكرية التي اشتمل عليها الكتاب، بالمقارنة مع غيره.

ولذا، فإن منهجيتنا في النقاش، ستبدأ أولا باستعراض لمجمل الأفكار في الكتاب، ومن ثم الاشتباك معها، بما يعني المناقشة الموضوعية للأفكار المطروحة، وتحليلها معرفيا ومعلوماتيا وفكريا، والنظر إليها في ضوء مآلات الثورة بعد ذلك، وما ترتب عليها من تغييرات في واقع الأمة.

فكثيرة هي الكتابات التي اقتربت من الرؤية المثالية، التي تنظر للحدث بمعزل عن أية مؤثرات أو صراعات أو تآمرات، فتصف ما حدث في الميادين، ونقاء الثوار، وصفاء نفوسهم، ونبل مقاصدهم، غير مدركة لما كان يدور خارج الميادين؛ في العواصم ومراكز صناعة القرار، على المستوى الإقليمي أو الدولي، أو حتى في داخل الوطن نفسه.

والمشكلة في هذه الرؤية أنها غير مدركة بأن هناك قوى عديدة مضادة للثورة يمكن أن تعرقل التغيير إن لم توقفه تماما، وتجعل الأمور تصب في صالحها من جديد. كما أن هناك أقلاما شككت في الشخصيات الثورية كلها، ولم تتورع عن إلصاق التهم الجزافية دون منطق أو دليل. وكل هذه كتابات صدرت في كتب ودراسات ولم تجد – للأسف – مناقشة علمية وفكرية وتاريخية تتعرض لها بالقراءة والتحليل والنقد، مما أدى في النهاية إلى انقسام الصف الثوري، وحدوث حالة من الإحباط، أصابت الثوار الذين ضحّوا وبذلوا دماءهم، وكثير منهم كانت السجون مصيرا لهم، كما أصابت عامة أبناء الشعب والأمة، باليأس من التغيير، خاصة وقد تلاحقت الأحداث، لتجعل الشعب يترحم على أيام المخلوع، بل إن المخلوع نفسه يتم تكريمه، وإسقاط التهم عنه، ثم تنظيم جنازة رسمية له، ليكون السؤال المثار: وعلى مَن ثار الثوار؟ ومن أجل أي نظام كانت انتفاضة الشعب؟

ولذا، فإن النهج المقترح للتحليل يتعامل مع النص بوصفه وحدة كلية، ينظر في خطابه المجمل، ويناقش الفكر المتضمن في ثناياه، وهذا لا يعني أنه يهمل مسارا آخر في تحليل الخطاب، يتعلق ببنية الخطاب اللغوية، التي تحلل الملفوظ في الجملة والتركيب اللغوي، كما تقف عند المفردات والتعبيرات اللغوية في النص، وكذلك تناقش المصطلحات المصاغة، خاصة في الدراسات الأكاديمية، بما فيها من إشارات وعلامات وأيقونات.

فمن خلال التحليل الجزئي سندرك حتما أبعاد الكلي، ومن خلال الرصد اللغوي، سنعرف مرامي النص الفكري. فمثلا الكتب التي عبّرت عن التوجه اليساري في قراءة ثورة يناير تختلف في مفردات خطابها عن الكتب التي تناولتها من منظور التيار الإسلامي، أو عن التيار الليبرالي، وتختلف بدورها عن رؤية التيار الشبابي الثوري الذي ناضل وضحى من أجل المستقبل بعيدًا عن الإيديولوجيا، فقد وضعوا الوطن والنهضة والحريات والكرامة آمالا لهم، ناضلوا من أجلها، وتحالفوا مع كل صادق ونبيل.

أما السبب في اختيارنا لمنهجية تحليل الخطاب، فلأنها تمثل الاتجاه العلمي الأبرز في ميدان العلوم الإنسانية عامة، كما باتت تحتل موقعاً محورياً في الأبحاثِ والدراساتِ التي تندرجُ في مجالات تحليل النصوص. حيث برزت للوجود تخصصات علمية كثيرة، في مجالات: اللسانيات والفلسفة والأدب وغيرها جعلت منه ركناً رئيسياً ضمن مقرراتها، واتخذته عناوين لفروع علمية مختلفة. وغدا كل مؤلَّف يتناول اللغة الإنسانية من جانبها التواصلي ينطلق منهجيًا من نص الخطاب، ويكون التحليل هدفا له، وإن تعددت زوايا البحث؛ فهناك من يركّز على نص الخطاب لغويا وتركيبيا وإشاريا (سيميائيا)، وهناك مَن يهتم بالمخاطَبين وكيفية تلقيهم لنص الخطاب، وهناك مَن يولي اهتمامه لمجال الخطاب وسياقاته، ومدى مطابقته لمقتضى الحال والعصر ومتطلبات اللحظة الراهنة وما يرومه المتلقي. وبعبارة موجزة: إن منهجية تحليل الخطاب هي ساحة لالتقاء مختلف العلوم، فيتم توظيفها لفهم النص وتحليله بشكل علمي.

على صعيد آخر، فإن استراتيجية تحليل الخطاب التي هي استراتيجية كاشفة لأنها تدرس النص برؤية معرفية كلية، تدمج السياسي والفكري، والتاريخي والتأريخي، وتفصل ما بين الذاتي والموضوعي والمعرفي، من أجل النظر في مدى اتساق البنية الكلية في الكتاب/ النص (موضع الدراسة)، أو عدم اتساقها، أو وجود مظاهر من الخلل أو القناعات الجامدة، والرؤى المؤدلجة، التي تضر ولا تنفع، ولا يمكن الارتكاز عليها، إذا أردنا المعرفة الدقيقة لهذا الحدث التاريخي.

ومن هنا، يمكن القول إن الهدف لهذه الدراسة، تحليل خطابات نشأت في أعقاب ثورة يناير في كتابات متعددة، بهدف الكشف عن مدى اتساقها وانسجامها من على مستوى البنية الداخلية التركيبية، ومدى خلوها من التناقض الفكري والدلالي، ففي كثير من المنتجات موضع الدراسة، نكتشف تناقض الخطاب في بنيته، لأسباب عديدة، منها أنها كُتبت في أزمنة مختلفة، ولم ينتبه المؤلف إلى بنية التناقض عندما جمع مقالاته ضمن دفتي كتاب، ومنها تناقض الكاتب نفسه واختلال معاييره، وغياب رؤيته، وتشتت مرجعياته، أو لكونه راغبا في التشويه على حساب الحقيقة، أو لأن رؤيته شديدة الضيق والذاتية.

كما أن بعض هذا الخطابات / النصوص / الكتب، يكتبه مؤلفه محتميا بسلطة ما، إما سلطة سياسية أو دعم تيار سياسي، أو دعم مادي من جهة أو هيئة أو رجل أعمال.. إلى آخره. وبعضهم يتبنى خطابا متعاليا إقصائيا، يطمس ذهن المتلقي بسلسلة من الأكاذيب والافتراءات المحبوكة.

وتسعى مؤسسة وعي للبحث والتنمية في هذه السلسلة من القراءات إلى دراسة جلّ الكتب والأبحاث والدراسات التي تناولت ثورة يناير؛ وتحليلها بشكل علمي منهجي ضمن رؤية طولية، حيث سنتناول كل منتَج صادر على حدة، فنتوقف عند الطروحات الفكرية الأساسية فيه، والإضافة التي نرى أنه يقدمها، ومدى موضوعية المؤلف، واتساع نظرته، وسمو رؤيته، وأبرز المعلومات التي تمثل إضافة في حقل الدراسات المتعلقة بثورة يناير؛ لتكون المحصلة في النهاية -لمن يقرأ هذه السلسلة- هو تكوين معرفة تكاملية عن ثورة يناير في ضوء ما كُتِب عنها.

وختاما نقول بأن من أبرز أهداف ثورة يناير أن تكون سبيلا لوحدة الشعب المصري، وتنويره، من أجل وضعه على بوابة المستقبل، حيث يكون الوطن حاضنا للجميع، بغض النظر عن التيارات الإيديولوجية أو الانتماءات السياسية، والتي باتت –للأسف- سببا للصراع، وليست عقولا تسعى إلى تقديم حلول وبرامج وخطط لإفادة الوطن. كما أدت أيضا إلى حدوث عملية تصلب فكري، وتحجر إيديولوجي، نتج عنه خطاب إقصائي، تحوّل بعد ذلك إلى خطاب بكائي عنوانه النواح، إذا كان مناصرا، أو الشماتة والحقد إذا كان معارضا، أو النهج الموضوعي إذا كان متطلعا للمستقبل، ساعيا إلى الاستفادة من الحدث التاريخي، وأن ما حدث للثورة إنما هو انتكاسة وليس انتهاءً لها، وبذلك يتجدد الأمل، ويستقيم العمل.

 

[1]) انظر في منهجيات تحليل الخطاب: لسانيات الخطاب وأنساق الثقافة، د. عبد الفتاح أحمد يوسف، الدار العربية للعلوم-ناشرون، ط1، 2010 م. وأيضا: المصطلحات المفاتيح لتحليل الخطاب، دومينيك مانغونو، ترجمة محمد يحياتن، الدار العربية للعلوم-ناشرون، ط1، 2008م.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق