إصدارات مقروءة

الكتابة الانفعالية عن الثورة في ضوء التأريخ الجديد

قراءة في كتاب "ثورة 25 يناير- أيام الغضب والتحدي" لباسم عادل

  كثيرة هي الكتب والدراسات والمقالات التي تناولت ثورة يناير 2011 خاصة، والثورات العربية عامة، والتي تتفاوت في مستوياتها العلمية والفكرية والتوثيقية، وأيضا في انفعالها بالحدث ذاته، مما أوجد تراكما معرفيا كبيرا، إزاء عملية تأريخ الحدث، في ضوء أن كل مَن أدلوا بدلّائهم ليسوا على مستوى واحد في الرؤية والأسلوب والتحليل، وقبل هذا وذاك في المعلومات، فهناك من كان في لب صناعة القرار، وهناك من كان في عالم الصحافة يراقب عن كثب، وثمة من كانوا في الميدان مع الثائرين، والبعض آثر أن يتابع الشاشات الفضائية والمحلية، مترقبا ما ستسفر عنه الأحداث، قبل أن يكتب أو يتكلم. كما أن هناك اختلافات واسعة عند النظر إلى كتابات المخضرمين من ذوي الحنكة في الحياة؛ وكتابات أصحاب الإيديولوجيات، ومن هم بلا إيديولوجيا أو مرجعية فكرية، اللهم إلا تمسكه بالقيم الإنسانية والوطنية العليا؛ ناهيك عن التنوع في حجم الكتابات، ما بين مقالات وبحوث وكتب، بالإضافة إلى المذكرات واليوميات والخواطر، وأيضا السرديات المختلفة في الروايات التسجيلية التي سجّلها الروائيون، بجانب الإبداعات من شعر ومسرح وسينما.

إن الأمر الذي يطرح سؤالا جوهريا كيف يمكننا الاستفادة من هذا التراث؟

فالنظرة التقليدية التاريخية، تتوقف عند رصد الحدث، وتفصيلاته، ومسبباته ثم مآلاته، وربما تهمل في توثيقاتها الكثير من الدراسات، بحجة أنها معنية بالحدث السياسي في الأساس، والاجتماعي في أفضل الأحوال، مما يعني إهدارا للكثير من هذا التراث. ولذا، سنناقش في هذه الدراسة المنظور الجديد للتأريخ، وعلاقته بالثورات، ثم نتناول شكلا كتابيا شاع في أدبيات الثورة وهو الكتابة الانفعالية بالحدث، التي عكف أصحابها على تدوينها، في أوّج شهور الثورة، وما بعدها بفترة يسيرة، حيث سنتناول بالتحليل أحد هذه الكتب، ونناقش شكل الصياغة، وعلاقتها بالجانب الوجداني، بما حملته من تفاؤل بحجم السحاب بمنجز الثورة، وتخوفات أيضا على مستقبلها، وقبل هذا وذاك تنظر إلى ما سبق الثورة، حيث تشير إلى أزمة المجتمع المصري، ومدى الاحتقان السياسي الذي أصابه، ومشكلات الشباب، ونظرتهم إلى وطنهم ومستقبله ومستقبلهم، ومن المهم بمكان قراءة مثل هذه الكتابات، وتحليل خطابها، لنعرف كيف تفاعل جيل الشباب مع حدث الثورة وأحلامها.

التأريخ الجديد وحدث الثورة:

يفضّل المؤرخون عادة الكتابة عن الأحداث التاريخية المؤثرة بعد انقضائها بسنوات أو بعقود، تاركين المجال لمختلف الكتابات الأخرى في التعاطي مع الحدث، وهي كتابات تتميز بالرصد لمجريات الحدث، كلٌ وفق شهادته وتجربته، أو بتحليل أسباب الحدث التاريخي ونتائجه، حسب تصورات الكاتب، ورؤاه، ومنطلقاته الإيديولوجية وقناعاته، مما يفتح المجال لتناول الحدث من زوايا مختلفة: اجتماعية وسياسية وفكرية وثقافية..إلخ. وهو بالمناسبة مطلب أساسي في مدرسة الكتابة التأريخية الجديدة، والتي يؤكد عليها المؤرخ الفرنسي الكبير فرانسوا دوس François Dosse، حيث يتبنى أطروحة مفادها أن الأحداث التاريخية الكبرى لها تأثيرات كبرى، تتجاوز الأبعاد السياسية، لتترك آثارا عظيمة في الوعي الجمعي والفردي، فيما يسمى الآثار النفسية للحدث، بجانب التأثيرات الفكرية والثقافية والمجتمعية. وفي هذا، يشدد دوس على أن الحدث اليوم في عملية التأريخ يشكل مدخلاً متميزًا إلى العالم الاجتماعي، ينصب بالأساس على الآثار التي يخلفها الحدث من خلال طفراته المتوالية، مما يجنبنا السقوط في تبخيس الحدث والتقليل من شأنه. فانطلاقا من هذا التصور الجديد، ما عاد الحدث مُعطى بسيطًا يكفي التقاطه والتأكد من صحته، وإنما هو بناء يُحيل إلى مكونات المجتمع باعتبارها قاعدة رمزية. كما أن الحدث يُصنع بطريقة لا خطية، بواسطة الذاكرة الجماعية التي يمكن أن تتبنّاه أو تتخلى عنه، فلم يعد الحدث يتناقض ويضاد التاريخ ذي الأمد الطويل الممتد، لأن الحدث داخل هذا التاريخ يتخذ شكلاً ومضمونًا، مما أثار انتباه المؤرخين إذ ذاك، فلم يكن الأمر متعلقا بمسببات الحدث وأهميته، ولا بالنتائج الفورية المترتبة عنه، وإنما بما يتركه من آثار في طيات الزمن([1]). وبمعنى أوضح فإن الزمن التاريخي الممتد يحفل بأحداث كثيرة، يسعى المؤرخ إلى تسجيلها، دون النظر إلى طبيعة الحدث، فهناك أحداث محورية، وأخرى ثانوية أو أقل أهمية، ومن هنا يتعين على المؤرخ النظر إلى آثار الحدث ونتائجه، ودوره في التغيير، ولا يمنع هذا من ربطه بأحداث غيره.

فهذا ما تجب مراعاته في الكتابة التاريخية عن ثورة يناير، فلا يمكن إهمال أية كتابات أو أعمال فنية مرئية أو مسموعة، أو مختلف أشكال الأدب شعرية أو نثرية، لأنها في النهاية تصب في إيضاح آثار هذا الحدث الكبير، وتبيّن انفعالات الكتّاب والمثقفين والفنانين والأدباء به، ناهيك عن تفاعل عامة الشعب، التي تظهر في النكت والمرويات والتعليقات وغير ذلك. وهو ما يجب أن نراعيه عندما نقرأ حدثا بالغ الأهمية مثل ثورة يناير 2011، فلا يمكن الاكتفاء بتوثيق أخبار الحدث وتطوراته، فهذا في رأينا رصد سطحي للحدث، بدون النظر إلى تداعياته وآثاره، ومن هنا تأتي أهمية منظور فرانسوا دوس، والذي يرى أن الأحداث التاريخية الكبرى تقوم بإعطاء القيمة الإشعاعية للحدث عبر قياس أصدائه على المدى البعيد، فإذا كان التاريخ الخطي للكتابة التاريخية الكلاسيكية يعمل على تدجين الأحداث عبر إعادة بنائها، فإن القوة الخلَّاقة للحدث، كما يستعملها المؤرخون اليوم، تجعل منه- على العكس- عاملا لتقطيع الزمن، فالحدث في مفهوم التأريخ الجديد لا يجري تصوره داخل تاريخ مغلق، فهو لا ينتهي أبدًا، ولا يفوت أبدًا، بل يُستثمر دائمًا داخل الحاضر([2])، فالتأريخ التقليدي كان يكتفي بتسجيل الحدث، وتبيين مسبباته، وآثاره، وما ترتب عليه، أما التأريخ الجديد فينظر لمختلف الآثار والأبعاد والتداعيات.

 الحالة الثورية والكتابة الانفعالية:

شكّلت ثورة يناير حدثا بالغ الأهمية، وتكمن أهميته في إيجاده لما يسمى الحالة الثورية، التي تجعل الحدث مستمرا في نفوس الثوار وأيضا شرائح واسعة من الشعب، فتزداد حماستهم، ورغبتهم في التغيير بكافة مستوياته، كي لا يموت الحدث في آثاره النفسية الجمعية، حتى وإن حدثت تغييرات على المستوى السياسي. وذلك ما يشير إليه زهير الخويلدي، موضحا أن الثورات العربية اشتعلت لأن الشعوب عانت من أزمة مشروعية مع نظم الحكم فيها، بجانب الفساد والاستبداد والبطالة، فلابد أن تثمر الحالة الثورية حكومة ثورية، تفسح المجال للقوى الثورية الصاعدة، ومن أجل تحقيق العدالة والمساواة والكرامة، وتحقق بشكل عاجل استحقاقات ملحة، وذلك قبل انتقالها إلى الحالة المدنية، التي ستقيد القوى الثورية، وتميت الحالة الثورية([3]).

ولأن الحالة الثورية كانت في أوّجها في العام الأول من ثورة يناير، وكانت هناك أطراف تتنازعها، وأطراف أخرى تنادي بالاستقرار والعودة للحكومة المدنية، فإنه من المهم رصد أشكال الكتابة المعبرة عن الحالة الثورية لثورة يناير، لنتعرف أصداء الحدث في نفوس الكتّاب والمثقفين وغيرهم. وهنا لابد أن نسجل أن أنماط الكتابة عن الحدث تتوزع إلى مستويات، فهناك الكتابة المتأملة، وهناك الكتابة المحللة، وهناك الكتابة المسجِّلة، وهناك أيضا ما يمكن أن يُطلق عليه “الكتابة الانفعالية”، تلك الكتابة التي ينبري فيها الكاتب للتعبير عن الحدث التاريخي -إذا كان مثل ثورة يناير 2011-بروح حماسية، ترنو إلى المستقبل بآمال عظيمة، وتنظر إلى الماضي بروح انتقادية، وتعدّ حدث الثورة نقطة فارقة في حياة الشعوب وأيضا في حياتها الشخصية، بل ويغبط الكاتب نفسه أنه عاصر مثل هذا الحدث، وكتب عنه.

لقد كانت المعاناة دافعا أساسيا ومحوريا في الثورات العربية، على نحو ما يشير عزمي بشارة، إلا أنها ليست حالة موضوعية فحسب، بل ترتبط بالوعي بالمعاناة سياسيا أيضا، وأنها نتاج ظلم، وليست حالة طبيعية أو مجرّد معطى اجتماعي. وقد تظل الأحوال الاجتماعية والاقتصادية سيئة، ويسكت عنها الشعب، ولكن مع ازدياد الوعي، فإن الإحساس بالمعاناة يزداد وإن لم تتغير أوضاع الناس للأسوأ([4]). وهذا بعد نفسي وفكري في آن، بمعنى أن الشعب قد يمكث عقودا متحملا سوء تردي الخدمات والمظالم وصامتا عن الفساد، والتغيير لا يتأتى إلا عبر عملية من الوعي التدريجي والمتراكم، يبدأ نفسيا في الوعي العام الجمعي، ثم يتحول إلى فكر ودعوات وأدبيات، ويشتد أكثر، مع انتشار التعليم بين شرائح الشعب المختلفة، وازدياد الوعي بالحريات وحقوق الإنسان، وأهمية الحفاظ على مقدرات الأوطان؛ فيكون هذا سببا في المقارنة بين المثال المفترض، والواقع المعيش، ومن ثم تتسرب هذه الأفكار من النخبة والشباب المثقف، إلى العامة والبسطاء، حتى تأتي لحظة التغيير، التي تكون قدرية في الأساس، من الممكن أن تنشأ نتيجة حادثة بسيطة، أو حدثا كبيرا، وساعتها، فإن الغضب المتراكم سينفجر من القلوب، ويتحول إلى مسيرات ومظاهرات ضخمة، تتعجب الأعين منها، لأنها لم تتوقع يوما أن تخرج هذه الحشود، من أجل التغيير، فالسلبية كانت عنوانها، والاتكالية علامتها، والصمت سلوكها.

باسم عادل والانفعال بالثورة:

يمثّل كتاب “ثورة 25 يناير أيام الغضب والتحدي“ ([5]) للكاتب د. باسم عادل([6]) نموذجا على مفهوم الكتابة الانفعالية، وهذا يتضح من سمات عديدة نرصدها في أسلوب الكتاب، وأبرزها أنها كتابة وجدانية، تمتلئ بمفردات المشاعر والأحاسيس التي تنبض بالمرارة على واقع مصر، وإدانة للنظام الحاكم، وفي المقابل فرحة لا توصف بثورة يناير، التي يصفها بأنها “حدث غير مسبوق في تاريخ مصر القديم والحديث، بل في تاريخ العالم كله، فالثورة استخدمت تكنولوجيا التواصل الاجتماعي كسلاح لم يعرفه نظام مبارك، أو على الأقل كانت كل صلته به مجرد صلة أمنية، تجسد رقابة على حرية الرأي والتعبير، ولا تجسد تفهما لثقافة جيل عصري”(ص11).

فما فعله الشباب المصري يفوق الوصف، وهو ما جعل كتابته ممتلئة بالأمل، ترنو إلى المستقبل بكل تفاؤل، وفي الوقت نفسه فإنه يتخوف على الثورة وهي لا تزال جنينا، غير واضح المعالم، وقد تكاثرت المؤامرات الداخلية والخارجية عليها.

صدر هذا الكتاب بعد أشهر قليلة من قيام ثورة يناير 2011م، لذا، جاءت صفحاته وفصوله مفعمة بروح تفاؤلية هائلة، خاصة أن المؤلف يعد نفسه من أبناء الثورة الذين أفرزتهم الميادين في لحظة ثورية رائعة هزت مصر، وغيّرت وجهها (ص11)، وأشعرت المواطن بكرامته، أما مادة الكتاب فهي تدور زمنيا حول نهاية حقبة مبارك، أي سنواته الأخيرة في الحكم، وأسلوب إدارته للسلطة على مدى ثلاثين سنة، ثم وقائع ثورة يناير وأحداثها، وما كشفته من مخبوءات وفضائح وسرقات وعمالة.

إن الإضافة المهمة في هذا الكتاب أن اجتهاد المؤلف كثيرا في جمع مختلف المعلومات عن نظام مبارك، وعما حدث في أرض الثورة بشكل تفصيلي بمعلومات جديدة، يسردها الكاتب بأسلوب مشوق، مع تحليل مقبول، وإن غلبت عليه العمومية في الطرح، ومجانية الأحكام، وتلك من سمات الكتابة الانفعالية، التي تضع نصب عينيها إرضاء القارئ، خاصة الجمهور المصري، الذي لا تزال مشاعره حماسية.

ولا شك أن هذا هو المأخذ الأبرز في الكتاب، فنهج الكاتب وأسلوبه دالان على حماسته الزائدة للثورة، فاستسهل الكاتب في إيرادها ليقنع القارئ بأن ما يسوقه من معلومات إنما هو من وثائق وليس أحاديث ومقالات منثالة في الصحافة اليومية وبرامج الـ “توك شو”، وما قاله معارضو نظام مبارك، من الوزراء والشخصيات السياسية.

فغياب التوثيق والإحالات الهامشية والمرجعية؛ جعل الكتاب أقرب إلى الكتابة الصحفية المرتجلة، منها إلى الكتابة الموضوعية المرتجلة، وربما يعود هذا إلى طبيعة تكوين الكاتب حيث مارس الصحافة هاويا، ولم يدخل معترك الكتابة البحثية الموثقة، وهو ما ظهر جليا في كتبه الأخرى، التي اتسمت بنفس الأسلوب، مع الرغبة في الإثارة من خلال العناوين الجذابة، كما في كتابه “زعماء على فراش المرض: أسرار لم تنشر من قبل”([7])، فالكتاب سرد متصل عن زعماء دول حكموا شعوبهم وهم مرضى، وقد ملأه الكاتب بمعلومات كثيرة، دون أي توثيق علمي. وبالعودة إلى الكتاب موضع الدراسة، سنجد أن كثيرا من المعلومات التي أوردها كان من السهل عليه أن يثبت مصادرها، ولكن هذا ما نسميه مجانية إيراد المعلومة، دون أن نعرف مصداقيتها، ويتقبلها القارئ البسيط على أنها مسلمات. أيضا، فقد أضاف الكاتب ثبتا لشهداء الثورة وصورهم في نهاية الكتاب (ص325-356)، وكذلك شهداء الشرطة في الثورة (ص244- 256)، في إشارة إلى أن الجميع شهداء للوطن بدون مفاضلة بينهم، وتلك قيمة عظيمة دون شك.

لقد اجتهد الكاتب في تقديم رؤية عن إحساسه كشاب مصري، عاش الواقع، واختلط بالفقراء والمهمشين، ورأى أن المعضلة كلها في منظومة الحكم، وكما عبر في خاتمة الكتاب:”لقد عاش جيلي وهو لا يتوقع أن تتغير مصر، أو يمكن لها أن تقوم قائمة أخرى، فقد كنا نقرأ في مدارسنا كتب التاريخ، وكنا نعرف منها مصر غير التي نعيش فيها ونراها على شاشات التلفزيون، ونقابلها كل يوم في الأوتوبيس والمترو وفي الشارع الغارق في أتون الزبالة، ونسمع عنها حديث الإفك في خطابات مبارك وبرامج الحزب الوطني الخانق”(ص311). إنه يشير إلى مصر التاريخ والمكانة والزعامة والعطاء والموارد، ويشير أيضا إلى مصر قبل الثورة، وفي عهد مبارك، ويقيسها بما يجده من كآبة وفساد وفوضى وقمامة، وفقر شديد، لامسه هو عن قرب بوصفه طبيبا، عندما يشير إلى أن هناك مئات من المرضى حاربوا من أجل البقاء في المستشفيات الجامعية، ليتعلم الطلاب على جثثهم، ويتفحصوا أجسادهم، لأنهم غير قادرين على توفير وجبة طعام نظيفة مثل التي تقدمها المستشفيات الجامعية، وقد رأى عجوزا يتكفف الطلاب في مدخل الكلية، ثم وجده جثة هامدة، يتناوب عليها الطلاب للتدريب على التشريح(ص311)، وتلك قمة المهانة التي يمكن أن يشعر بها إنسان، عندما يصل إلى آخر عمره، ولا يجد نظاما اجتماعيا يحميه في شيخوخته، وبالطبع المثال لا يغني عن الواقع الكئيب، وحبذا لو كان عاد إلى الأرقام الموثقة للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، ونذكر جانبا منها، من أجل تعزيز الرأي، ونصل بها أيضا إلى فترة الانقلاب العسكري؛ ففي الـ20 عامًا الماضية، زادت نسبة الفقراء بنحو 100%، حيث بلغت 32.5% في 2018 مقابل 16.7% في عام 1999/2000، وبلغت 25.2% في عام 2010/2011، ثم وصلت نسبة المصريين الواقعين تحت خط الفقر إلى 32.5% في عام 2017-2018، بدلا من 27.7%، ويبدو أن الفقر هو الوجه الآخر للاستبداد والتسلط، فكما تشير الأرقام بأن نحو 60 % من سكان مصر إما فقراء أو عرضة للفقر([8]).

لقد فصّل الكاتب عوامل سقوط نظام مبارك الذي تجمّد وتحجر إلى درجة لم يكن قادرا فيها أن يعي متغيرات الشارع المصري، وأن هناك أجيالا جديدة تختلف اختلافا جذريا عن فكر محمد حسني مبارك، هذا الرجل الثمانيني، الذي وضع الكرسي نصب عينيه، منذ أن عينه السادات نائبا له، وقد حرص ألا يخالف السادات أو نصحه أو مناقشته في قراراته (ص82)، لرغبة مبارك الحثيثة في المنصب من جهة، ولطبيعة شخصيته العسكرية المطيعة من جهة أخرى، واستعداده لعمل أي شيء في مقابل البقاء وديمومة استمراره على كرسي الرئاسة، مهما كان الثمن المدفوع، ولو كان تسلطا على الشعب، وقمعا له، وانبطاحا في المقابل أمام إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، وتنفيذ مطلق لأجندتها في المنطقة، وكان بمقدوره أن يدخل التاريخ إذا أحسن إدارة الموارد، وبنى اقتصادا قويا، ولكنه كان محدود التفكير، شديد العناد، له طبيعة محافظة تحب الاستقرار والجمود، ولا يرغب في التجديد، ويتباهى بعدم توريط مصر في حروب من أي نوع، والبطء الشديد في اتخاذ القرار.(ص82)

وهذا يفسر الإبقاء على كثير من الشخصيات الوزارية والعامة لسنوات طويلة، إعمالا للقاعدة: البقاء مقابل الولاء”، وغض البصر عن فساد البطانة والحاشية، والرواتب الخيالية التي نالها المستشارون، وعلاجهم في الخارج بفواتير مليونية على نفقة الدولة، ومنح الشركات ورجال الأعمال مئات العقود بالأمر المباشر، في ظل نظام أمني قمعي، يعرف “دبة النملة” بمنظومة تجسس عالية وحوالي مليونين من منتسبي الداخلية(ص7)، ولأن الرقم المذكور غير موثق، إلا أننا إذا سلمنا به، فإنه يعني أن الدولة في مصر أيام مبارك –ومن قبله أيضا- كانت دولة أمنية بامتياز، لا ينشغل الحاكم فيها إلا بديمومة السلطة، وخنوع الشعب، وإرهابه بعصا الداخلية. فأعداد منتسبي الشرطة الهائلة، إنما هم قوة غير منتجة اقتصاديا، تتحمل رواتبهم الدولة، ضمن نفس النظرية السابقة وهي البقاء في الوظيفة مقابل الولاء، وبالطبع استمر هذا المنظور في عهد السيسي، والذي رسّخ مفهوم دولة الخوف بكل أبعادها.

لقد انتهى مبارك في سنواته الأخيرة بتركيز الحكم في أيدي نجله وزوجته، والثانية كانت أكثر ذكاء من زوجها بعشر مرات وهو ما نقله الكاتب عن “باربرا إبراهيم” (زوجة سعد الدين إبراهيم)، والتي رأت أن الهانم “سوزان مبارك” كانت تخطط لتكوين عائلة رئاسية سياسية، من خلال توريث السلطة لنجلها جمال، ثم أحفادها، مع تحسين ظروف الحياة للناس(ص88)، وتناسوا أن لا ازدهار اقتصادي إذا كان الاستبداد جاثما على نفوس الشعب، والحاكم يتحكم في رقاب الناس، ويعيش في أكذوبة كبرى أنه الأعقل والأذكى، بعدما يلقي بمعارضيه في السجون أو إلى المنافي. وهذا ما فعله السيسي، وعندما ووجه في حواراته التلفزيونية في الغرب بالقمع والسجون وتقارير حقوق الإنسان، أنكر ورفض وعاند([9]).

تتابعت فصول الكتاب، وكأن المؤلف يقدمها كرواية وليست كتابا سياسيا، فيبدأ بفصل صغير بعنوان “أيام الغضب والتحدي” وفيه وقفات على أهم ما حدث في الأيام الثمانية عشرة للثورة، بدءا من حادثة مقتل خالد سعيد، مرورا بالأسباب المباشرة للثورة: قانون الطوارئ، طول بقاء مبارك في السلطة، تدهور الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، والكلام عن التوريث، وتدخل الهانم في السياسة (ص19 – 21)، وفي الفصل التالي يتعرض إلى “تاريخ الغضب في مصر” ويستعرض فيه أبرز ثورات المصريين منذ الفراعنة وإلى العصر الحديث، ويركز فيه على الثورات ذات الطابع الشعبي، ويدخل في ذلك حركة 1952م، بالرغم من تقييم المؤرخين لها بأنها كانت انقلاباً عسكريا، حظي بتأييد قطاعات من الشعب، ولم يكن ثورة شعبية بالمعنى المفهوم الحقيقي للثورات الشعبية، كما يشير إلى اتنفاضة 18، 19 / 1 / 1977م، وصولا إلى ثورة 25 يناير2011، مؤكدا أن مبارك ومن معه لم يقرأوا أحداث التاريخ، ولا يعرفون طبيعة المصريين (ص36-45)، وهذا تعميق تاريخي، كان من الأجدر على الكاتب أن يوثقه بالمثال والتحليل، وكي تحضر المقارنة بين انتفاضة المصريين في ثورة يناير، وثوراتهم التاريخية.
ولعل الفصل الأبرز في الكتاب، هو استفادة المؤلف من تخصصه الطبي، كما بدا في فصل عن مبارك بعنوان: “من الفقر إلى عرش فرعون: البداية، الطريق، المرض، النهاية” فقد وضع توصيفا دقيقا للحالة الصحية لمبارك، وأبرز الأمراض التي أصيب بها، وعلاجه في ألمانيا، ومعاناته من الضغط حتى أنه لا يأكل الطعام بالملح. كما أشار إلى أن مبارك كان يحقن بما يسمى بحقن الشباب مع الشيخ زايد في سويسرا، في منزل يملكه حسين سالم، ولكن الثابت أن المنزل كان يملكه مبارك فعليا، وقد أوقف مبارك هذه الحقن، بناء على تحذير الأطباء له. ويتطرق المؤلف أيضا إلى إصابة سوزان مبارك بمرض سرطان الدم، ومراجعتها أحد مستشفيات باريس كل ستة أشهر بعد الشفاء منه (ص64- 72)، ويبدو أن تلك المنطقة هي الأقرب لروح المؤلف، وقد أشار إلى كتابه “زعماء على فراش المرض(ص49)، والإشارة دالة على خبرات سابقة في التأليف في هذا اللون السياسي وهو علاقة الزعماء السياسيين بالمرض، وكيف حكموا وهم مرضى، ولم يكن مبارك قطعا منهم، ولم يحكم وهو مريض، وإنما كان مغيبا يعيش في شرنقة الزعامة والمجد التاريخي، الذي يضفيه عليه إعلامه ومستشاروه من حوله. وهو ما ينبه عليه المؤلف إلى أن طبيعة الشخصيات المحيطة بمبارك كانت بلا فكر، عدا مثقفين شهيرين هما: أسامة الباز، ومصطفى الفقي، وكلاهما عملا في الرئاسة ولكنهما لم يحدثا تغييرات كبيرة في تفكير مبارك، وإنما غرقا في الوظيفة وبريقها، وربما أفادا نظام مبارك من خلال إطالة عمره (ص95-98)، فالمثقف الحقيقي إذا كان في موضع صناعة القرار، لابد أن تكون له بصمة إيجابية مؤثرة. وبغض النظر عن الشخصيتين المذكورتين، فإن منظومة سلطة مبارك كلها كانت عصية على الإصلاح، ولا يفلح مثقف ولا مئة ما أفسدته ثلاثة عقود، فالإصلاح الحقيقي هو منظومة أيضا.

ويورد الكاتب أيضا نماذج من بقية الشخصيات المحيطة بمبارك، والتي استمرت  معه إلى خروجه من السلطة، وأبرزهم صفوت الشريف، وزكريا عزمي، والثاني كان يجمع (13) اختصاصا في يده، تبدأ بالسلطة المالية المقررة للوزراء، وتنتهي بتنظيم مآدب الرئيس، وكوّن جدارا منيعا حول مبارك، لم يفق منه إلا بعد قرار التنحي (ص105، 106). ونفس الأمر مع كمال الشاذلي، الذي ظل نائبا في مجلس الشعب لمدة أربعين عاما، وأوصل للمجلس الفاسدين من نواب القروض وتجار المخدرات، وكان مسؤولا عن الحزب الوطني كله. (ص 115).

والشاهد في ذكر هذه الشخصيات، أنهم رجال كل العصور، فغالبيتهم مرتبط بحقبة الستينيات وأجهزة الأمن والمخابرات فيه، كما أنهم قريبو السن من مبارك نفسه، وهذا ما يفسر شيخوخة رجال الحكومة أيام مبارك، وثباتهم في مواقعهم، وولائهم المطلق لمبارك، ومن ورائهم شبكة كبرى من المستفيدين من ديمومة النظام.

بقية فصول الكتاب جاءت موثقة لأحداث ثورة يناير وأبرز الشخصيات المرتبطة بها خاصة البرادعي، لتكون مادة الكتاب موزعة ما بين انتقاد حقبة مبارك، وأحداث الثورة، وهذا ينسجم بشكل عام مع زمن تأليف الكتاب، والغاية منه أيضا.

على صعيد آخر، فإن الكاتب ينعت المشير طنطاوي بالحكمة، ويشيد بحنكته في العبور بالوطن من محنة الثورة ويشبهه في ذلك بالجنرال عبد الرحمن سوار الذهب، الذي تخلى عن السلطة في السودان، وأن المجلس العسكري استطاع أن يدير البلاد وينحاز للشعب في ثورته، برغم الأخطاء الكثيرة التي سقطت فيها قياداته، متبنيا الخطاب السائد بعد الثورة، بأن الجيش هو الضامن الحقيقي للأمور في البلاد، ولولا الجيش لضاعت الثورة، ومن العبث ترك الأمور للسياسيين والأحزاب الضعيفة بسبسب تعمّد مبارك إماتة الحياة السياسية، والقضاء على الزعماء السياسيين الموهوبين إما بالسجن أو بالنفي (289 – 302)، دون التنبيه إلى المآخذ العديدة على أداء المجلس العسكري، وأن العدة كانت تعد من أجل الانقضاض على الثورة، وهو ما تم بالفعل، وكانت إجراءات المجلس العسكري سببا مباشرا في مآلات الثورة وانكسارها بعد ذلك، وتلك مشكلة الكتب المنحصرة في حقبة بعينها دون مراجعة.

كما أن الواقع المعيش الآن، بعد مرور ما يقارب عقد من الثورة دالا على ما وصلت إليه السياسة في مصر، فلا أحزاب قوية ولا انتخابات نزيهة، ولا إعلام مستقل، وترحّم البعض على أيام مبارك، على الرغم من أن ديكور الديمقراطية التي تغنى، ولم نر منها إلا ضجيجا دون طحن.

إضافة أخرى نجدها في الكتاب تبدو في سعي الكاتب إلى بسط القول في لحظات القبض على رجال مبارك مثل وزير الداخلية حبيب العادلي، وحسن عبد الرحمن رئيس جهاز أمن الدولة، وغيرهم من الشخصيات السياسية الفاسدة، (ص211 – 230)، والكشف عن الوجه القبيح للإعلام المصري أيام مبارك وأثناء الثورة (265– 288)، وها قد امتد بنا الزمن، وفي عصر الانقلاب، وليت الكاتب نفسه يدلي بدلوه في مآلات رجال مبارك، وكيف أنهم نالوا البراءة، بينما الثوار في السجون.

يؤخذ على الكتاب كثرة الأخطاء الهجائية والنحوية، فلم تهتم دار النشر بالمراجعة ربما لسرعة مواكبة حدث الثورة، والمصريون لا يزالون منتشين بالحدث الهائل، متنعمين بأجواء الحرية. في ظل حالة كبيرة من السيولة الكلامية، وكثرة الاتهامات، والرغبة العارمة في البوح من قبل كل من اختلف وعارض نظام مبارك، أو خرج مطرودا من السلطة، أو وقف بعيدا عنها ينتظر اللحظة المناسبة ليتكلم.

وهو ما يفسر لغة الكاتب المملوءة بالتفاؤل، وهو نفس الشعور الذي سيطر على المصريين بعد الثورة، وكما يقر بأنه لم يتوقع أن يأتي التغيير في مصر في جيله، ويراه بعينيه، وهو من جيل عاش وتربى ضمن منظومة سياسية مستبدة، لا تملك رؤية للمستقبل، وإنما ينحصر تفكيرها في كيفية البقاء في السلطة، دون أدنى اهتمام لاحتقان النفوس، وتصاعد نوبات الغضب لدى الشعب، الذي ينظر إلى سوء حياته اقتصاديا، وكبت حريات سياسيا، وفرض وجوه وشخصيات كريهة عليه (ص 311).

يمكن القول إن روح الكتابة الانفعالية كانت هي الغالبة، بأسلوبها السهل، ورغبتها في تشويق القارئ، واستثمارها للأمل الذي ملأ المصريين في العام الأول من الثورة، وأن الهدف من الكتاب تقديم إحاطة كاملة للقارئ عن مرحلة مبارك، وأبرز القضايا المرتبطة بها، والتي كانت سببا مباشرة للثورة، ومنها موقف الأقباط والإخوان المسلمين وغيرهم من الجماعات السياسية المعارضة لمبارك والحانقة عليه واللافت أن مثل هذه الكتب لا يعاد طبعها ثانية، فقد جرت مياه كثيرة في المجرى، مياه ملونة وملوثة، جعلت الغضب جحافل متراكمة في النفوس، وصار فقدان الأمل علامة على الوجوه، وهي تترقب كل يوم زيادة في أسعار الأقوات والخدمات، مع كتم الأفواه.

 

[1]) قراءة في كتاب “انبعاث الحدث” للمؤرخ فرانسوا دوس، خالد طحطح، ويوسف المهاجر، مجلة أسطور للدراسات التاريخية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، قطر، ع1، 2015، ص167.

[2]) المرجع السابق، ص168.

[3]) الثورة العربية وإرادة الحياة: مقاربة فلسفية، زهير الخويلدي، الدار التونسية للنشر، تونس، 2011، ص18.

[4]) في الثورة والقابلية للثورة، عزمي بشارة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، قطر، ط1، بيروت، 2012، ص63

[5]) ثورة 25 يناير أيام الغضب والتحدي (من ملفات ثورة يناير، والطريق إلى سقوط مبارك)، د.باسم عادل، المصرية للنشر والتوزيع، 2011م.

[6]) د. باسم محمد عادل عبد الصادق، طبيب وأخصائي جراحة القلب، مواليد 1969، تخرج في طب القاهرة 1993، وحصل على ماجستير أمراض القلب 2003، وكان له نشاط كبير في تخصصه الطبي، داخل مصر وخارجها. وقد بدأ الكتابة أثناء دراسته بالكلية، من خلال نشر مقالات في جريدة الوفد القاهرية، وأيضا صحف الوفد الإقليمية، لا ينتمي إلى أي أحزاب أو تيارات سياسية، إلا أنه له دراساته وآرائه في الحياة السياسية على المستويين المحلى والدولي وبعض أبحاثه في تفسير لفظ “القلب” في القرآن الكريم. و في عام 1996م بدأ الكتابة الدرامية والتأليف، فقد ألف أول فيلم كرتون مأخوذ عن قصة الأديب العالمي نجيب محفوظ “قسمتي ونصيبي” والذي أعد للاشتراك به ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان هيروشيما الدولي لأفلام الأطفال، كما ألف للأطفال “حكايات باسم ونضال ورحلة الأبطال”، وللدراما الإذاعية ألف مسلسلات عديدة، ومن أبرز كتبه: زعماء على فراش المرض– أسرار لم تنشر من قبل، وتجربة للتاريخ– من ملفات الصراع الاقتصادي والسياسي في حقبة الستينات، ومسرحية “الريس جاي عندنا”، وله تحت الإصدار رواية “مصر الجديدة”  ورواية “جوجل”. الكتاب (ص317-322)

[7]) من منشورات المركز المصري للدراسات والبحوث الإعلامية، القاهرة، ط1، 2001.

[8]) تقرير: كل ما تود معرفته عن الفقر في مصر خلال 20 عامًا، 2/ 8/ 2019، على الموقع الاقتصادي https://economyplusme.com/، على هذا الرابط https://economyplusme.com/11052/، تاريخ الدخول 1/ 7/ 2020

[9]) انظر نص حوار السيسي مع شبكة “CBS” CBS الأمريكية، 7 / 1 / 2019، ومنطق الكذب والإنكار الذي اتبعه في تكذيب حقائق التعذيب والمعتقلين في مصر. على موقع arabic.cnn.com، على هذا الرابط https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2019/01/07/sisi-dialogue-cbs-publishes-answers-egyptian-president      تاريخ الدخول 1/ 7 / 2020

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق