تحليل إخباري

الكوكب يستعيد أنفاسه.. ما الذي غيّره كورونا في المناخ؟ وكيف حقق نصرًا لصالح البيئة؟

أدخل فيروس كورونا الذي بالكاد يُرى بالمجهر الدقيق جداً، العالم في حالة من الرعب والارتباك، ودفع العديد من دول العالم لعزل نفسها، وإغلاق حدودها، كما جعل البشرية بكل أطيافها العرقية والأيديوليوجية حبيسة منازلها.

وبعد أشهر قليلة فقط من ظهور الفيروس في مدينة ووهان وسط الصين، 12 ديسمبر/ كانون الأول 2019، بدا واضحا أن الإنسانية تخسر، وأنه لا مستفيد من هذه الجائحة التي تسبب بركود اقتصادي عالمي، وأوقفت أعمال بورصات عالمية، ودفعت المواطنين في الدول المتضررة لاجتياح الأسواق بهدف التخزين وكأنهم مقبلون على مجاعة شديدة.

لكن، في خضم هذه الأحداث، هناك من نظر للأمر من زاوية أخرى، ورأى وجود مستفيد من هذا الوباء العالمي… ألا وهو كوكب الأرض، فلا شك أن تلوث الهواء من المشكلات التي تواجه المدن الكبرى في العالم، والذي تساهم فيه أنشطة بشرية عديدة، منها النشاط الصناعي وحركة المرور الكثيفة.

وبحسب تقرير نشرته شبكة “سي إن إن” الأمريكية، فإن إغلاق المصانع وخلو الشوارع في بعض البلدان بسبب كورونا جعل من كوكب الأرض “المستفيد الأول”، مؤكدة أن حالة الإغلاق العام الذي شهدته العديد من المدن والدول حول العالم إثر تفشي كورونا جعلنا نرى سماء صافية.

العالم يتغيّر

الصين، التي تعد بؤرة انتشار كورونا، والتي يعرف عن بعض مدنها بأنها من أكثر المدن تلوثا في العالم، أعلنت أن معدل الأيام التي كان في الهواء نظيفا زاد بنسبة 21.5% في فبراير / شباط مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

كما أظهرت صور الأقمار الصناعية التى أصدرتها ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية انخفاضًا حادًا في انبعاثات ثاني أكسيد النيتروجين التي تطلقها السيارات ومحطات الطاقة والمنشآت الصناعية فى مدن صينية كبرى بين يناير وفبراير، وذلك بعد انتشار كورونا.

وبحسب تلك الصور اختفت تقريبا السحابات المرئية من الغازات السامة التي عادة تحوم فوق المنشآت الصناعية، وذلك يعود إلى توقف العديد من المصانع عن الانتاج فضلا عن تقييد حركات النقل منعا لانتشار الفيروس.

أيضا، العديد من الدول الأوروبية والعربية، أعلنت عن إجراءات تقيد حرية تحرك المواطنين، ومنع التجمعات وإلغاء فعاليات عديدة، ومنها من أغلقت أماكن الترفيه كمقاهي الانترنت والحدائق العامة، وذلك للحد من انتشار الفيروس. تلك الخطوات المتبعة للحد من كورونا هي عامل اساسي يساهم في تنظيم الهواء ميكانيكي؛ وبالتالي يمكن القول إن هناك تأثير إيجابي لكورونا.

وتفيد نتائج استخلصها باحثون من مركز “أبحاث الطاقة والهواء النقي”، المتخصص في دراسة التَبِعات الصحية لتلوث الهواء، بأن انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون، الناجم بدوره عن استخدام الوقود الأحفوري، تراجعت هي الأخرى، بنسبة 25 في المئة بسبب الإجراءات المُتخذة لاحتواء التفشي الوبائي لفيروس كورونا المستجد.

وفي الهند، أدى حظر التجول الذي فُرِضَ في مختلف أنحاء البلاد في الثاني والعشرين من مارس/آذار، إلى أن يصل مستوى التلوث بسبب ثاني أكسيد النيتروجين إلى أدنى مستوياته خلال فصل الربيع على الإطلاق، وفقا لمركز “أبحاث الطاقة والهواء النقي”.

أما في أمريكا الشمالية، وهي إحدى أكثر البقاع التي تشكل مصدرا للتلوث في العالم، فستشهد تطورات مماثلة على الأرجح، بالتزامن مع بدء حالة انكماش اقتصادي واسعة النطاق في مختلف أنحائها.

الآثار واضحة

فيما يبدو أن كوكب الأرض بدأ يتنفس الصعداء ببطء من تأثير الأنشطة البشرية عليه، بعد أن أجبر فيروس “كوفيد-19″، مليارات البشر على البقاء في منازلهم، ليلمس العالم حالة الشفاء التي حدثت للأرض بعد الانخفاض المطرد في تلوث الهواء وعودة الطبيعة تدريجيًا إلى جمالها.

وشوهد تحسن على كوكب الأرض على مدار الفترة الماضية في عدد كبير من البلدان، فانخفضت معدلات التلوث في الهند بسبب إغلاق البلاد وإجبار المواطنين على البقاء في بيوتهم خشية تفشي فيروس كورونا، ما جعل المواطنون يشاهدون السماء زرقاء ويتمتعون بهواء نقي خال من شوائب التلوث التي اعتادوا عليها منذ سنوات طويلة، وتمكنوا من رؤية جبال الهيمالايا لأول مرة منذ عقود.

وفي فينيسيا استطاع السكان مشاهدة البحيرة والسمك داخلها بعد خلوها من الرواسب، كما أظهرت صور الأقمار الصناعية انخفاضا ملحوظا في نسبة ثاني أكسيد النيتروجين في أجواء مدن صناعية كبيرة في أوروبا مثل بروكسل وباريس ومدريد وميلانو وفرانكفورت، خلال الفترة بين 5 و25 مارس مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

وفي الصين التي تُعد أكبر مصدر للانبعاثات الملوثة للهواء في العالم، سُجل انخفاض ملحوظ في انبعاث ثاني أكسيد النيتروجين في المناطق الحضرية، بعدما فرضت الحكومة الصينية حظرًا صحيًا عامًا للحد من انتشار فيروس كورونا.

درس كورونا الأكبر

لا يعني تلك التطورات الإيجابية أن محاربة الانبعاثات الغازية المُسببة لظاهرة الاحتباس الحراري تستلزم أن يواجه العالم أزمة صحية حادة كتلك التي يمر بها الآن. لكن ما يحدث حاليا، يجب أن يمنحنا سببا للتفكير مليا في تأثير الأنشطة البشرية – بما في ذلك التنقل والسفر والترحال – على طبيعة الوضع على سطح كوكبنا.

وأدى فرض قيود على السفر والتنقلات غير الضرورية، إلى أن تُبقي شركات الطيران طائراتها على الأرض، ما أفضى إلى أن تقلص هذه الشركات عدد رحلاتها الجوية بشكل حاد، أو تُوقِفُها بشكل كامل، رغم أن البيانات التي تكشف التأثيرات التي خلّفها تقليص حركة الطيران على البيئة، لم تُنشر بعد، فإننا ندرك بالفعل أن ذلك أحدث أثرا كبيرا على الأرجح.

تجدر الإشارة إلى نتائج دراسة أُجريت عام 2017 بالشراكة بين مركز دراسات الاستدامة في جامعة لوند السويدية وجامعة بريتيش كولومبيا الكندية ، أفادت بأن بمقدور كل فرد منّا، اتخاذ ثلاثة قرارات ذات طابع شخصي، من شأنها إحداث تقليص سريع في انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، وهي تقليل حركة السفر بالطائرات والسيارات، وكذلك استهلاك اللحوم.

العالم يحتفى بعودة الأرض

موقع البحث “جوجل” احتفل نهاية أبريل الماضي بمرور 50 عامًا على الاحتفال بيوم الأرض العالمى، الذى يوافق 22 إبريل من كل عام، ونشر على صفحته الافتتاحية، مقطع فيديو يظهر النحلة التي تعد من أهم الحشرات، مؤكدا أن هذه الصغيرة يعتمد على تلقيحها ثلث محاصيل العالم، وأكثر من 85% من نباتات العالم المزهرة.

على أي حال، لا شك أننا بحاجة إلى إدخال تغييرات كبيرة على الطريقة التي نتنقل بها عبر العالم، إذا كنا نرغب في تحقيق الهدف المنصوص عليه في اتفاق باريس للمناخ، بشأن احتواء ارتفاع درجة حرارة الأرض بحلول عام 2030، بما لا يتجاوز 1.5 درجة مئوية أكثر من المستوى الذي كانت عليه، في عصر ما قبل الثورة الصناعية.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق