غير مصنف

المثقفون والأدباء في الحقبة الساداتية.. سياسة الانفتاح وتغير المواقف

لا يمكن فهم مواقف الأدباء على المستوى الشخصي، أو على المستوى الجماعي من خلال جماعاتهم الأدبية أو اتحاد الكتاب الخاص بهم؛ إلا بفهم السياقات السياسية والفكرية والتحولات التي ألمّت بالوطن. فمواقف الأدباء السياسية، لا تُفَهم إلا بدراسة الملابسات المرتبطة بها، والتوجهات الفكرية والإيديولوجية للأدباء حولها، مما يساعدنا على تفهم ظروف نشأة اتحاد الكتاب في منتصف سنوات السبعينيات من القرن العشرين، ومعرفة الشخصيات التي وقفت وراءه، ونزعاتهم نحو السلطة أو مدى استقلاليتهم عنها؛ فضلا عن أهمية دراسة مناخ السبعينيات ذاته، على صعيد موقف السلطة الساداتية من المثقفين والمستجدات الطارئة عليه، وكيف تعامل مع إرث عبد الناصر الفكري والسياسي والاقتصادي بشكل عام.

ومن المهم أيضًا الوعي بأن الأدباء والمثقفين لهم طبيعة خاصة، فليسوا كلا واحدا، ولا كتلة متراصة، حيث تغلب الفردية على مواقفهم وآرائهم، والصادقون منهم يفضلون الاستقلالية في الموقف والرأي على التابعية ضمن اتحاد أو مؤسسة أو منتدى، وربما كان هذا راجعا إلى نرجسية الأديب العالية، فهو يرى نفسه قطبا من أقطاب العالم؛ لذا، من الصعب أن نجد موقفا جماعيا يشمل الأدباء كلهم، فدائما هناك من يغرّد وحيدا، أو يتمرد علانية، أو يتراجع عن تأييد أو يضاد لتوجه، وإنما يمكن القول إن هناك رؤى تتفق عليها شريحة من الأدباء، يمثّلون غالبية في الوسط الثقافي والأدبي. فمن عيوب الحياة الثقافية العربية، غياب العمل الجماعي المؤسسي، وإن وُجِد فهو محدود، معرض للهجوم والنقد والنقض. فنستطيع رصد مئات المواقف والآراء بطابعها الشخصي، من المفكرين والمثقفين، ولكن يصعب أن نجد عملا جماعيا يحتويهم، حتى الجماعات الأدبية والفنية التي تتكون، سرعان ما يخبو بريقها ويتفرق أعضاؤها، مما سهّل على السلطة استقطاب الأدباء أفرادا، إما بالترغيب أو بالترهيب، وأتاح لها بعد ذلك أن تضع أيديها على مختلف الجمعيات الأدبية أو الاتحادات عبر شخصيات أدبية تتبعها بشكل مباشر.

وستكون قراءتنا في هذا المبحث متمحورة حول المشهد الثقافي السبعيني، وظروف تكوين اتحاد الكتاب، والأهداف المتوخاة منه، ضمن الأبعاد السياسية والفكرية المستجدة في هذه الحقبة، والتغييرات الدراماتيكية التي أصابت الأمة.

السادات وحقبة السبعينيات:

تغيرت توجهات السلطة في مصر، بتسلم أنور السادات الحكم، حيث عمل على تغيير الإرث الناصري، على مستويات عديدة، بدأت بمواجهة المد اليساري بكل فصائله وطوائفه، وقضائه على مراكز القوى فيما عرف بثورة التصحيح مايو 1971م، ثم اتخاذه قرار حرب أكتوبر 1973م، والذي أكسبه شعبية كبرى، جعلته يواصل برنامجه، من خلال إطلاق قيادات التيار الإسلامي، وإفساح مجال العمل لهم، ضد الناصريين وطوائف اليسار عامة. كما أحدث سياسة الانفتاح الاقتصادي، سعيًا لتحويل اقتصاد مصر إلى اقتصاد رأسمالي، ليعالج المشكلات الاقتصادية التي ترتبت على قرارات عبد الناصر الاشتراكية، ثم اتخاذ قراره بعقد اتفاقية كامب ديفيد العام 1978م، أتبعها بمعاهدة السلام مع الكيان الصهيوني العام 1979م، من أجل استرداد سيناء المحتلة، كما سعى إلى تشكيل أحزاب سياسية، فسمح بعودة حزب الوفد الليبرالي، ثم حزب التجمع الاشتراكي، وأنشأ هو الحزب الوطني ليكون حزبا للسلطة، بديلا عن الاتحاد الاشتراكي الذي تداعى.

كانت قرارات السادات ضد توجهات المثقفين والأدباء، الذين غلب عليهم الاتجاه الماركسي أو القومي أو الناصري، وهؤلاء دخلوا في معركة مع السلطة، معارضين لكثير من الخطوات التي اتخذها السادات، فيما يتعلق بالسياسة والاقتصاد وتمكين تيارات الإسلام السياسي فحضر الخطاب الإسلامي جنبا إلى جنب مع الخطاب الناصري والماركسي والليبرالي، وشهدت حقبة السبعينيات كثيرا من الحراك الفكري عن قضايا الوطن وهويته، وقرارات السلطة، والتي كانت متتالية ومتسارعة.

بدأ الحراك مع إلغاء الرقابة على الصحف والمطبوعات في فبراير 1974م، وبدأت أقلام لمفكرين وصحفيين تهاجم عبد الناصر، وسياساته، وظهرت أسماء مهمة تولت قيادة الثقافة المصرية، وانحازوا إلى سلطة السادات، ومن أبرزهم: عبدالقادر حاتم، ويوسف السباعي، وصالح جودت، وتوفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، وأنيس منصور، والأخوان الصحفيان مصطفى أمين وعلي أمين([1]).

والملاحظ أن هؤلاء جميعا كانوا من المؤيدين لعبد الناصر، بل وتولوا مناصب مهمة وعديدة في الحقبة الناصرية، وطالما كتبوا مبررين ومادحين ومؤكدين على صحة المسيرة العظيمة للزعيم الملهم. وبخاصة الضابطان السابقان في الجيش، يوسف السباعي، وعبد القادر حاتم، كما تغير موقف توفيق الحكيم وأصدر كتابه الشهير عودة الوعي، مهاجما فيه بضراوة الزيف الفكري الناصري بدعايته الفجة، أما نجيب محفوظ فمواقفه الفكرية معروفة، فعلى الرغم من إيمانه بالاشتراكية العلمية (الماركسية)، إلا أنه كان مؤمنا بمفهوم الأمة المصرية، المعتز بالحضارة الفرعونية، والمعادي للتوجه الإسلامي العروبي. والذي أسماه محفوظ تيار الوطنية المصرية، الذي جعله يرفض المفهوم الأممي للاشتراكية العلمية، حيث يرى أن الشخصية المصرية المستقرة على ضفتي النيل لها خصائصها([2]) التي تجعلها متميزة عن سائر الطروحات التي تربطها بالقومية العربية أو الجامعة الإسلامية وغيرها.

ولكنه لم يجاهر بذلك في سنوات الحقبة الناصرية، وكان قد اقترب من سلطتها منذ منتصف الخمسينيات، بعد نقله إلى وزارة الثقافة والإرشاد القومي، وتعيينه في مناصب عديدة منها([3])، فلما جاء السادات، دنا محفوظ منه أكثر، وظل على قربه من السلطة فترة طويلة، غير معارض، وإن عارض فهو من خلال الرمز أو الخطاب الفكري العام، الذي لا يتوجه مباشرة ضد النظام.

وهكذا وجد السادات من يناصره من المثقفين القدامى أو الجدد، أو العائدين من الحقبة الملكية وصحافتها وأجوائها مثل التوأم مصطفى وعلي أمين. هذا على مستوى القمة، أما المستويات الوسطى والأدنى، فهناك فئة الأدباء محدودي الموهبة، الذين كانوا موظفين في وزارة الثقافة، أو في الصحافة، وقد حافظوا على مواقعهم، وأيدوا التوجهات الجديدة، فكتبوا في صحفها، وتولوا مناصبها.

وتكون النتيجة المستخلصة أن بعضا من المثقفين والأدباء الذين أيدوا عبد الناصر، وتوحدوا خلف مشروعه القومي، كانوا رجال سلطة أكثر من كونهم أصحاب رأي وموقف وتوجه، وللأسف بعضهم كانوا أعلاما في الأدب والثقافة والفنون.

وكي لا نقسو في الحكم عليهم، فإننا يمكننا تلمس العذر لهم، فالسلطة الناصرية كانت شديدة البطش بمعارضي توجهاتها، وهؤلاء مشغولون بإنتاجهم الأدبي والفني والذي حتما سيتعرض للغبن والإهمال والتجاهل إن لم يكن المنع الكامل كما حدث مع بعضهم، فلا بأس إذن، أن يلتقوا مع السلطة بشكل أو بآخر، ويصمتوا عن السلبيات والمثالب التي رأوها في المجتمع والحياة والسياسة وما أكثرها.

وسنلاحظ أيضا، أن جلّ هؤلاء واصلوا حضورهم وتأييدهم أو صمتهم في حقبة حسني مبارك، وطوروا خطابهم ليتواءم مع الشعارات المرفوعة عن السلام والاستقرار، ووقفوا في مواقف الاصطفاف أو المعاداة حسب تقلبات نظام مبارك.

على جانب آخر، فقد اشتدت معارضة فئة كبرى من المثقفين والأدباء المعروفين ضد توجهات السادات وخطواته السياسية والاقتصادية، وانطلقت معارضتهم من توجهات يسارية، ارتكزت على الشعارات والرؤى المتخذة من الإرث الناصري، ضد التبعية الاقتصادية للرأسمالية العالمية، والموقف من الصهيونية، وتمكين الولايات المتحدة من مصر والمنطقة، خاصة أن السادات اتسم بالدهاء، واللعب على أوتار عديدة وأجنحة مختلفة، يقرب بعضها ويقصي الآخر، أو يقربهم جميعا، ويتركهم يتصارعون، ليكون متفرجا أمام هذا الصراع، وحتما سيكون هو الفائز، فأي صراع سيخصم من رصيد كل فئة، ووحدتها وأفرادها، وربما كانت هذه الرؤية صحيحة على المستوى النظري، ولكن الواقع العملي في حقبة السبعينيات أشار إلى صعود قوي للحركات الإسلامية، في الجامعات والأحياء والمدن، مما خصم كثيرا من رصيد اليسار شعبيا؛ الأمر الذي جعلهم يهاجمون السادات بقوة لأنه أفرج عن قادة الإسلاميين، وكأنه كان من المفروض أن يمكثوا في السجون إلى يوم يبعثون، حتى يتمتع هؤلاء اليساريون بالفضاء العام، ليقولوا ما يشاءون دون طروحات مخالفة. وتلك أزمة اليسار ومثقفيه الناتجة عن حقبة عبد الناصر، حيث اعتادوا على أجواء الصوت الواحد، والإعلام الموجه، الذي يروّج لوجهة نظرهم، ويعتبر كل ما عداها خيانة للوطن. وهذا لا يعني أننا نؤيد السادات في مواقفه واتجاهاته، وإنما نقارن بين موقف اليسار الإقصائي الذي ادعى تلاحمه مع الشعب، وأن عبد الناصر – على الرغم من استبداده وقمعه– هو الأفضل لهم، وأنه قد أراحهم من خصومهم من الإسلاميين أو الليبراليين، ولكن التجربة الناصرية عادت بالنكبة على الوطن كله.

ولا يعني أيضا أن اليسار كلهم متشابهون في الخصال والمواقف، وإنما مثلهم مثل أي تيار، هناك مخلصون صادقون، تعاطفوا مع الفقراء والمهمشين وقضايا حقوق الإنسان، وعارضوا السلطة المستبدة، أيام الملكية وعبد الناصر والسادات ومبارك.

هذا، وقد تراوحت مواقف مثقفي اليسار من السلطة، فبعضهم حزم أمتعته وهاجر إلى بلد عربي أو أوروبي، فالبعض ذهب إلى العراق حيث رحّب بهم صدام حسين، (والذي استمر في إيديولوجيته القومية الاشتراكية من خلال حزب البعث)، وبعضهم إلى الخليج للعمل أو اشتغلوا في بعض المؤسسات الحكومية أو الصحفية هناك، أو إلى باريس ورحّب بهم الاشتراكيون الفرنسيون، أو إلى لندن حيث استكتبتهم بعض الصحف الخليجية، أو وجد بعضهم لنفسه وظيفة في هيئة دولية. ولكن السفر لم يكن متاحاً للجميع، بسبب السنّ أو ظروف خاصة، كما لم يكن هو السلوك الأمثل في نظر البعض من الثابتين في مواقفهم الذين أصروا على الاستمرار في النضال في داخل الوطن. وهناك آخرون آثروا الصمت، والاعتكاف في بيوتهم، والعكوف على كتابة نصوص تميل لأدب الاغتراب. وفي المقابل استعان أنور السادات بعدد من المثقفين، ممن عُرفت عنهم ميول للسلطوية أو الليبرالية من أمثال رشاد رشدي، أو بعض اليساريين القدامى المتحولين نحو بوصلة السلطة، ورأوا في سياسات السادات حكمة لم يرها غيرهم فكتب لطفي الخولي يمتدح ما سماه بمدرسة السادات السياسية، وهناك من أشاد بالسلام والتطبيع([4]).

على جانب آخر، فإن السادات عمل على تقليم أظافر اليسار المعارضين لسياسته في أجهزة الثقافة المصرية، مبقيا على المؤيدين أو السلبيين أو الصامتين؛

ووفق ما يرويه أحد أقطاب اليسار المصري، فقد تم الإجهاز على عشرات المنابر الثقافية والإعلامية والأدبية مثل مجلات: الكاتب والطليعة والفكر المعاصر وتراث الإنسانية، وأيضا إهمال العناية بمجالات الشعر والقصة والمسرح والسينما، وطرد المثقفين (اليسار) من مختلف مواقعهم، مع الترحيب برموز ثقافية ذات طابع ليبرالي أو بالأدق أوروبي أمريكاني، للتمهيد للحقبة الجديدة، التي ترفع شعارات السلام والرخاء والتقدم، مع التطبيع والنأي عن التوجه القومي العربي، وذلك بتغيير الوجوه والخطاب في أجهزة الإعلام والثقافة والفنون([5])، كما رفع السادات شعار أخلاق القرية، وكبير العائلة المصرية، والرئيس المؤمن، وكلها شعارات تضاد الميراث الناصري، وتدعم الطبقية الاجتماعية كما يردد اليسار([6])، وكان هدفه منها تقديم مرجعية فكرية، يمتاح منها كتّاب السلطة في نقضهم للناصرية.

لقد شهدت حقبة السعبينيات تحولات ثقافية وفكرية أصابت الوطن تمثلت بانسحاب الدولة من دعم الفنون والثقافة، وتركها لجهود الأدباء أنفسهم، أو للمؤسسات الفنية الخاصة، التي تحكمت في السوق، وأفسدت الذوق العام. واستمرت هذه السياسة في عهد مبارك، وإن توافر دعم ما، فقد كان في إطار سياسة الدولة العامة، فلن تدعم السلطة ما يضاد خطها الرسمي سياسيا وفكريا.

أما عن جلبة الدعم الذي يتفاخر به الناصريون إبان حقبة عبد الناصر، فلم يكن لوجه الله ثم الثقافة، وإنما كان لترسيخ توجهات السلطة الفكرية المتمثل في طرحها الاشتراكي، وشعاراتها القومية، وقد أيّدها الفنانون والأدباء كنوع من التقاء المصالح، فلما تغيرت السلطة، في العصر الساداتي ثم المباركي، وتغيرت توجهاتها الفكرية، كان حتما على المثقفين اليسار أن يهاجموا هذا التغير، الذي حرمهم من فرص التعبير، كما حرمهم من دعم السلطة المادي والمعنوي.

فالسلطة المستبدة وإن تغيرت سياساتها وتوجهاتها، فهي واحدة في استحواذها على الإعلام، لتوجيه الرأي العام، والترويج لرؤاها، ففي عهد عبد الناصر ساد توجه فكري أحادي، ووجد دعما من كبار الفنانين والأدباء، الذين تماشوا مع التوجه الاستبدادي للحكم، فلما جاء السادات، ازداد انحدار الذوق العام، والفنون، وسادت النزعات التغريبية والثقافة الاستهلاكية، متلائمةً مع سياسة الانفتاح، وازدادت غربة الأدباء وعزلتهم عن المجتمع، وتعاظمت مفاهيم القطرية المصرية، وبدأ الترويج لمفهوم الشرق الأوسط الكبير، الذي يشمل دولا غير عربية وغير إسلامية، والمقصود بالطبع إسرائيل، ومحاولة دمجها في محيطها العربي، استجابة لدعوات التطبيع والسلام.

 

[1]) مثقفون وعسكر، صلاح عيسى، ص236.

[2]) أنا نجيب محفوظ (سيرة حياة كاملة)، إبراهيم عبد العزيز، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2012م، ص66، 67.

[3]) المرجع السابق، ص228، 229.

[4]) ماذا فعل السادات بالمثقفين المصريين؟، د. جلال أمين، جريدة المصري اليوم، 3 / 12 / 2014م.

https://www.almasryalyoum.com/news/details/592115

 

[5]) في مواجهة الغزو الثقافي الصهيوني الإمبريالي الرجعي في الوطن العربي، محمود أمين العالم، الأعمال الكاملة، مج1، ص527.

[6]) الخصوصية والأصالة عند المفكرين العرب، محمود أمين العالم، المرجع السابق، مج1، ص662.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق