غير مصنف

المثقفون والحقبة الناصرية.. مناخ التسلط وأجواء الاستبداد

سعت الحقبة الناصرية بإعلامها الموجه إلى تشويه أي إنجاز في الحقبة الملكية، وقدمت سردية تاريخية أحادية، تتغنى بمنجزات ما يسمى بثورة 1952م، ولزعيمها ذي الكاريزما “جمال عبد الناصر”، وأضفت عليه من السمات والملامح، مما خدع ملايين من البسطاء، الذين لا يملكون إعلاما مغايرا يوضح لهم الحقيقة، أو يقدم رؤية مختلفة، فقد تم تأميم كل أجهزة الإعلام، ودور النشر وغالبية شركات السينما والفن، وما تبقى منها، كان حريصا أشد الحرص على عدم الاصطدام بالسلطة الناصرية بكل قمعيتها واستبدادها، ومصادرتها لأي رأي مخالف، ناهيك عن عنف الدولة الشرَطية والمخابراتية المتحكمة في البلاد.

وكان الفكر الذي روّجه دعاة الناصرية، أن عبد الناصر رجل تاريخي استثنائي، وأنه قادر على تنفيذ كل ما يطمح إليه المثقفون والأدباء، وما كتبوه في أعمالهم الأدبية وبشّروا به في كتاباتهم الفكرية قبل يوليو 1952م. وهي الفكرة التي أكّد عليها محمد حسنين هيكل، ورددها مرارا، وهو أحد أعمدة الحقبة الناصرية، وعرّاب نظام الحكم فيها، وقد حصر الصراع الثقافي والفكري ضد عبد الناصر في فئتين: “التيار الماركسي الذي تصور أن عنده الحق في صناعة وإبداع الموجة القادمة، والتيار الإسلامي الذي تصور أيضا أن عنده الحق والأهلية في أن يصنع وأن يبدع الموجة القادمة..، وهنا نجد أن المأساة الكبرى تتمثل في أن هذه الثورة التي جاءت بجديد سياسي وبتصورات اجتماعية مغايرة لما كان سائدا، لا هي تيار إسلامي ولا هي الماركسية، ولا امتداد لليبرالية التي كانت قد أفلست خلال الحرب العالمية الثانية”([1]).

ومن خلال المقولة السابقة لهيكل، ندرك الروح الاستبدادية المطلقة والاستعلاء الذي كانت عليه السلطة الناصرية، عندما تخيلت نفسها أنها أبدعت وتجاوزت وحققت كل ما حلم به المثقفون والأدباء، بل إن هؤلاء المبدعين أفرغوا ما عندهم قبل يوليو 1952م، وجاء عبد الناصر الفذ ليقدم حلولا لكل مشكلات مصر. وهي نظرية الزعيم الملهم، صاحب الرؤية والقرار والخطة والحل. وأن العداء ضد الناصرية انحصر في تيارين هما الماركسيون والإسلاميون، وكان يتوجب التخلص منهما. وكأنه امتلك الوطن وحده: فكرا وشعبا وإبداعا، ومن يخالفه فإنه معتقل، سواء تكلم أو صمت، وهذا افتئات على مفكري ومثقفي مصر، وعلى فكرهم وإبداعهم، فهناك مثقفون لم ينخرطوا في هذين التيارين، وكانت هناك تيارات أخرى، مثل التيار القطري، وتيار المثقفين المستقلين، فكيف تتم مصادرة كل هؤلاء، لصالح أحادية فكرية طرحها النظام الناصري وعلى الجميع الاندماج فيها، ومن يعارض فإن مصيره الاعتقال والإقصاء. وبالفعل اعتقل عبد الناصر كل معارضيه السياسيين، أو ألزمهم في بيوتهم بإقامة إجبارية، ثم تعاون مع الماركسيين، بعد تقاربه من السوفييت، وظل على عدائه ومحاربته الشرسة للإسلاميين طيلة عصره.

أما قضية الفكر الثوري الجديد الذي جاء به عبد الناصر، والذي كوّن الموجة الرابعة من الأدباء والمثقفين الذين استلهموا الفكر الناصري([2])، فهي أكذوبة كبرى، فلم يكن لعبد الناصر أي توجه عندما قام بالثورة، وهيكل نفسه هو من تولى كتابة كتابه فلسفة الثورة، وأن ما طرحه من أفكار إنما هو مستخلص من فكرة القومية العربية التي رعاها الاستعمار البريطاني مبكرا منذ الثورة العربية الكبرى، 1916م، ثم الحل الاشتراكي المستقى من المنظومة الاشتراكية الدولية.

وهو ما يؤكده أحد مؤرخي الحقبة الناصرية، ومن أبرز مؤيديها، عندما يقول: “لم يكن عبد الناصر فيلسوف هذه الثورة ومنظّرها، ولم يكن المعلم الذي بشّر بمبادئها ووضع إيديولوجيتها، فلم يكن لها في الأصل إيديولوجية محددة، أو نظرية ثورية ذات معالم واضحة، ولكنها كونت مشروعها من خلال الممارسة العملية، والتجربة والخطأ وإنما كان تلميذا نابها، يستلهم تراثها الثقافي والسياسي”([3]). سنلاحظ أن الحديث يتمحور حول شخص عبد الناصر، ويغيب في المقابل كل عناصر الأمة ومثقفيها ومبدعيها وعلمائها، فهو يخطئ ويصيب، ويمارس ويتعلم، وعلى الشعب أن يتحمل، فليس هناك جهات رقابية تحاسب، ولا نظام نيابي يراقب، وإنما جوقة المنافقين.

ولننظر إلى مآلات ما رفعه عبد الناصر من شعارات، وما أجراه على أرض الواقع، والمتمثل في تأميم الرأسمالية الوطنية المصرية، وتحويلها إما إلى القطاع العام بكل بيروقراطيته وفساده، وإما إلى النظام العسكري بضباطه الذين خرجوا من ثكناتهم، وتحكموا في الحياة المدنية والشركات والهيئات، وترافق مع هؤلاء الإعلام الذي ألّه الزعيم، وغيّب الشعب في كل مغامراته وتورطاته في حرب اليمن وفي انقلابات عسكرية وصراعات ضد الأنظمة العربية، استنفدت الجهد والثروة والطاقة والعتاد العسكري، وظلت شعاراته ضد الكيان الصهيوني حبرا على ورق، وجعجعة في الهواء، فلم يطلق رصاصة واحدة ضدهم، وكان سببا في الهزيمة بسوء قراراته، وفساد أجهزة مخابراته، ورعونة قادة جيشه.

وكان الشعب والمثقفون الجادون وكل مخلص للوطن والأمة مدركا لأبعاد الكارثة، التي تعيشها مصر، وأنها سائرة حتما إلى سيناريو جهنمي، فقد وصلت الدكتاتورية إلى أوجها، وتحكمت المنظومة العسكرية في مكونات المجتمع المدني.

لقد انتهجت السلطة سبيلا عجيبا في صناعة المثقف، الذي سيكون مواليا لها، ولن يكون البرنامج المعَدّ له فكريا وسياسيا وإبداعيا، وإنما بطريقة أخرى: “فبعنف الإلحاح – وأساسا بسيف المعز القطّاع وذهبه اللمّاع- وجد المثقفون المصريون أنفسهم جزءا من هذه اللعبة الكبيرة. انتزعت تلك السنوات من عقولهم جراثيم الأصالة بعملية بسترة عنيفة: تسخين إلى درجة الموت سجنا وجوعا يعقبه تبريد شديد إلى درجة الموت تخمة ونعمة. بعد هذا التعقيم يصلح المثقف للتصدير إلى الشارع المصري، فهو مضمون النتائج، خالٍ من المرض، ولأن المبستر فاقد لذاته، فإنه يغطي خواءه الداخلي، بالذات الكلية: أنت ميت لأن ذاتك منفية، ولكنك جزء من شعب يحرك العالم، هذا ما تقوله صحف تحررها أنت بنفسك”([4]).

أما علاقة الأدباء بسلطة يوليو، فإن الواقع يشير إلى مواصلة غالبية المبدعين والفنانين إنتاجهم الفني بعد يوليو 1952م، بعدما وعوا طبيعة هذا النظام، فتراوحت علاقاتهم به، ما بين الصمت، أو المعارضة الرمزية، أو التحالف معه، وقارنوا بين أجواء الحرية التي تنعموا بها في الحقبة الملكية، وبين مآلات الأمور بعد 1952م.

فقد آثر غالبية الأدباء والمثقفين من اليمين واليسار مسايرة منظومة الحكم، بعد أن خاض بعضهم تجربة السجن والاعتقال والتعذيب، فأعانوا السلطة على صوغ أطروحاتها أو إيديولوجياتها تشكيلا وسيرورةً، وتحديدا الاشتراكية العلمية، مع مزجها بالطروحات القومية التي رفعها الإعلام الناصري، وبعض المثقفين تطوع لوضع جذور إسلامية للاشتراكية. والملاحظ أن الأدباء الذين قاموا بذلك كانوا من الحقبة الملكية، من الذين اعتادوا على مناخ الحريات وتعددية الرؤى والمذاهب والتيارات، ومع ذلك قبلوا بالانحياز إلى السلطة، خوفا من بطشها، واستفادة من منافعها ومزاياها. وعلى جانب آخر، فإن هناك جيلا ولد مع حركة يوليو، واقتنع وتغنى وآمن بشعاراتها، وبرر أخطاءها، فهو لم يعرف سلطة أو فكرا أو قيادة غيرها، فالتحق بركبها، وإن ظل عدد ضئيل مغردا خارج المنظومة، محافظا على استقلاله الفكري. والمحصلة أن الأدباء سايروا السلطة في مختلف تقلباتها، فجاءت كثير من كتاباتهم استجابة للسلطان السياسي، فطوّعوا الفن والأدب من أجل خدمة مشروعه، وصاغوا القصائد والمسرحيات والروايات المروجة للفكر الناصري متناغمين مع الزعيق الإعلامي الصاخب، وخوفا من مقص الرقيب الذي يتحول إلى سوط أو مقصلة إذا تمرد الأديب في نصه، مما ألجأ الكثيرين إلى الرمز والقناع والإشارة من أجل التعبير عن رؤاهم السياسية، وإن أخلص من يطلق عليهم جيل الستينيات في مناصرة عبد الناصر، وكانوا أعضاء في الاتحاد الاشتراكي أو في منظمة الشباب([5]).

واللافت في التجربة الناصرية أنه ونتيجة ضغوط الاتحاد السوفيتي، أفرج عبد الناصر عن كبار المثقفين والأدباء من السجون، والذين اعتقلهم لأسباب متعددة، بعضها يتعلق بمعارضته للنظام في مقالات ونصوص أدبية، أو بتبنيهم تيارات فكرية مغايرة، وغلب على هؤلاء النزعة الماركسية بمذاهبها المختلفة، وقد تسلم هؤلاء مناصب عديدة في الدولة: وزراء، مستشارين، مديرين، فتنعموا بالعيش الرغيد، وآثروا التخلي عن أفكارهم وما آمنوا به، لينصرفوا إلى الحفاظ على بقائهم في السلطة لأقصى قدر، بل إنهم ساهموا في صياغة ما يعرف بالميثاق العام 1964م، ليكون الكتاب النظري للاتحاد الاشتراكي، ولم يدركوا أنهم أسسوا لما يسمى بالمثقف التقني (التكنوقراطي)، الذي يضع نفسه رهن السلطة، متخليا عن قناعاته الفكرية([6]). واستمر هذا الوضع بعد ذلك، ليكون نموذجا للأدباء في العقود التالية، فعليك أيها الأديب مسايرة السلطة، وتبني خطابها، والتلون مع ألوانها، لكي تستفيد من عطائها.

على صعيد آخر، تكونت طبقة عجيبة من الأدباء الشبان بعضهم موهوبون، وأكثريتهم ضعاف الموهبة، أو بلا موهبة في الأساس، وقد استطاعوا أن ينالوا منح التفرغ التي كانت تمنحها وزارة الثقافة الناصرية، ويمكن أن تستمر لسنوات، بجانب تعيين العديد منهم في وظائف الوزارة، فصارت هناك طائفة الأدباء الموظفين، مثل أرباب المهن الأخرى، يلتقون في مقاه معينة، يتبادلون الحكايات والمسامرة والاغتياب، ويتحدثون عن ظروف العمل الذي يجمعهم أو منح التفرغ التي فازوا بها، ولا يتطرقون إلا نادرا إلى العمل الأدبي، فهم شخصيات متحاسدة أو متنافسة منافسة بغيضة يضربون في كل اتجاه، إلا الإبداع، بل إنهم يشعرون من يتحدث معهم أنهم أدباء نبلاء ينادون بالمبادئ العظيمة، ويعبرون عن جوهر الثورة المباركة([7])، وقد ظلوا في وظائفهم، وترقوا فيها، وتسلموا دفة القيادة في العقود المتتالية، مستندين إلى كونهم أدباء، أصدر بعضهم كتابا أو كتابين، هي حصيلة مقالات أو نصوص متناثرة في الصحف والمجلات الحكومية، جُمعت في كتب، وهللوا لأصحابها.

ومن جانب ثان، ظهرت أدوار أخرى لمثقفين وأدباء، من أولئك الذين ابتعدوا عن السلطة، واكتفوا بالإبداع دون معارضة أو تمرد، فيما يسمى بالمثقف الحكيم، الذي يقول حكمة عامة، وعلى الذكي أن يفهم مدلولها، ويربطه بالواقع إن استطاع، وهي حيلة ظاهرها الحياد والاستقلالية، ولكن باطنها السلبية والانعزال([8]).

   وهؤلاء فئة آثرت اتخاذ موقف أوسط، فلا ينافقون ولا ينعزلون، وإنما يقولون كلمتهم وفق ما تقتضيه الأحوال، على قناعة منهم أن الأديب لا تعوزه الوسيلة، فيمكن التوسل بالرمز، والحكايات التراثية، والخيال.

 

 

[1]) محمد حسنين هيكل يتذكر: عبد الناصر والمثقفون والثقافة، يوسف القعيد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2013م، ص82، 83.

[2]) المرجع السابق، ص84.

[3]) ثورة يوليو، إيجابياتها وسلبياتها، د. رؤوف عباس، نشر خاص على موقع جوجل بوك، ص257. https://books.google.com.kw/books/about/

[4]) مثقفون وعسكر، صلاح عيسى، مكتبة مدبولي، القاهرة، ط1، 1986م، ص156.

[5]) المثقف والسلطة، د. عبد الله أبو هيف، مجلة الفكر السياسي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2006م، ص102، 103.

[6]) المرجع السابق، ص105.

[7]) المذاهب الأدبية والنقدية عند العرب والغربيين، ص48.

[8]) المثقف والسلطة، ص106.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق