غير مصنف

المثقفون والسلطة في الحقبة الملكية

   لماذا تتحسب السلطة دوما من الأدباء؟ ولماذا يتحسب الأدباء من السلطة؟

لماذا تتحسب السلطة دوما من الأدباء؟ ولماذا يتحسب الأدباء من السلطة؟

كلا السؤالين يتعلق بعلاقة الأدباء والمثقفين وسائر المبدعين والفنانين بالسلطة، حيث يمكن اختصار موقف السلطة من المبدعين بجملة شهيرة لأحد الحكام الدكتاتوريين، عندما قال: “عندما أسمع كلمة مثقف أتحسس مسدسي”، لأنه يدرك أن المثقفين ومن هم على شاكلتهم من الأدباء، يستطيعون بكلماتهم وإبداعاتهم إيجاد وعي وتنوير وأفكار مغايرة لدى نخبة الشعب وعامته ضد السلطة. فتظل الكلمة أشد تأثيرا من سوط الجلاد لأن فعلها دائم ومؤثر في العقول والأفئدة، أما السوط فأثره محدود، وإن اشتد أذاه.

أما تحسب المبدعين من السلطة، فلأن السلطة توفر الحريات التي تجعل الأديب محلقا في سماء الإبداع، لا تحدّه قيود، ولا تمنعه تهديدات. كما أن السلطة تملك وسائل الإعلام، والقدرة على توفير أشكال من الدعم المادي للمبدع، خاصة في الدول النامية، التي تعاني شعوبها من الفقر، وتتقدم الأولويات التنموية والاقتصادية على الثقافة والفنون، بل على الحريات الفكرية والسياسية ذاتها.

وقد تميزت مصر بحركة إبداع كبرى، جعلها تتبوأ موقع الصدارة والريادة في الحركة الثقافية العربية الحديثة، حيث بدأت النهضة الأدبية منذ الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، ونجح مبدعوها في الالتحام بقضايا الأمة والوطن، ومواكبة الأشكال الأدبية المستحدثة من الغرب، مثل الرواية والقصة القصيرة والمسرحية، مما أوجد شخصية إبداعية متميزة للأدب العربي المعاصر، جعل له مكانة كبيرة في حركة الأدب العالمي، وكان للمبدعين المصريين موقع الصدارة دائما.

ولا يمكن قراءة حركة الإبداع في مصر قراءة موضوعية دون النظر في علاقاتهم بالسلطة الحاكمة، والتي تفاوتت ما بين التأييد المطلق والمعارضة الحادة، والاستقلالية العاقلة، هذا على مستوى شخصيات المبدعين، أما الإبداع ذاته، فلا يمكن قراءته بمعزل عن السلطة أيضا، فالمبدع يقرأ واقعه، ويعبر عن آلام الشعب، ويصوغ أحلامه وأمانيه، وينتقد السلطة أو يتوحد معها في ضوء هذه القراءة.

لذا، من المهم تقديم رؤية شاملة، تتوخى قراءة حركة الإبداع في مصر في القرن العشرين، والذي يمكن تقسيمه إلى حقبتين زمنيتين أساسيتين ومتتاليتين؛ حقبة ما قبل يوليو 1952 (الحقبة الملكية)، وحقبة ما بعد يوليو 1952م، فكلتاهما متغايرتان في نظام الحكم وفلسفته ومواقفه من الأدباء، ودراستهما يمكن في ضوئها فهم الكثير من مواقف الأدباء في ثورة يناير وما أعقبها، ذلك أن يومنا ناتج عن أمسنا، مثلما أن غدنا هو حصاد يومنا.

الحقبة الملكية ومناخ الحرية:

اتخذت الحقبة الملكية مسارا مختلفا بعد ثورة 1919م، بما أفرزته من دستور ونظام نيابي، وإطلاق لحريات الصحافة، مما أدى إلى نشوء نظام ديمقراطي، وانتخابات لمجلس النواب، وصحافة مستقلة بشكل أو بآخر، وأحزاب متعددة، وتكوين جيل جديد من السياسيين، بعضهم نال شعبية كبرى، ونجح في التعبير عن هموم الشعب وتطلعاته، كما هو الحال في حزب الوفد، بزعاماته التاريخية أمثال: مصطفى النحاس، ومكرم عبيد؛ على الرغم من استمرار الاحتلال الإنجليزي، ووجود شرائح واسعة من المنتفعين والأغنياء وفاحشي الثراء، الذين كونوا ثروات طائلة، وامتلكوا أراضي زراعية شاسعة فيما يعرف بطبقة كبار الملاك، وكانت لهم علاقاتهم بالقصر الملكي، بجانب مهادنتهم لسلطة الاحتلال الإنجليزي، في مواجهة غالبية الشعب الذين عانوا من الفقر وافتقاد حقوقهم في التعليم والحياة الكريمة. وقد نجحت الحركة الوطنية في عقد معاهدة 1936م، والتي أعطت لمصر استقلالا جزئيا، ساعدها في دخولها عضوا في الأمم المتحدة، وفي تأسيس جامعة الدول العربية، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية 1945م. مما يعني وجود حراك شعبي وفكري وسياسي، استفاد من الحياة السياسية بطابعها الليبرالي، خاصة مع ازدهار مؤسسات المجتمع المدني، وإنشاء الكثير من الجمعيات والأنشطة والحركات الاجتماعية.

كانت أزمة المجتمع المصري وقتئذ متمثلة في فئة قليلة حاكمة ومالكة، لا تزيد عن واحد بالمئة تتحكم في الثروات وتؤيد السلطة، وأغلبية شعبية كاسحة تئن وتعاني. وقد كان هذا الوضع هاجسا ملحا في كتابات المفكرين والمثقفين على اختلاف تياراتهم الفكرية (إسلاميين، وليبراليين، واشتراكيين، ومثقفين تقليديين)، فالكل شخّص أزمة الوطن، وراح كل تيار يدلي بدلوه في حلولها، بمشاركة فاعلة في الحياة الفكرية العامة، وعبر عن هذا الواقع الأدباء والفنانون الذين تفاعلوا مع قضايا الوطن، وصاغوا مشكلاته وأحلامه في نصوصهم.

لقد سعت الحكومات المتعاقبة في العهد الملكي إلى تبني مشروعات للتحديث، أنتجت طبقة اجتماعية جديدة، سميت مجازا بطبقة الأفندية، والتي خرج منها كثير من الأدباء والمثقفين، سواء من الشرائح الثرية من أبناء العائلات والأسر الريفية، أو من الشرائح الدنيا التي اتخذت من التعليم سبيلا للترقي الاجتماعي والعلمي. والتحمت هذه الطبقة مع هموم الوطن، فعارضوا الاحتلال، وسعوا إلى طرح مشاريع للتقدم والحداثة، واستغلوا الصحف والمجلات في الكتابة وتوعية الشعب، وكان الأفندي نموذجا للمصري المثقف المتعلم، المتمسك بجذوره الوطنية([1]).

كما نشأت صناعة السينما وازدهرت عبر أجيال متعددة، بدأت بجيل الرواد من الهواة، ثم تحول إلى الموهوبين الذين تعلموا في الغرب، وعادوا ليساهموا في إنتاج أفلام متعددة، جمعت ما بين التسلية والمتعة، وأيضا تبني قضايا المجتمع ومشكلات الشعب، فتأسست صناعة راسخة من الاستوديوهات والفنانين والتقنيين، مما جعل مصر كما يقال عنها هوليود الشرق، بل وأساس نهضته الأدبية والفنية([2]).

في الوقت الذي تعاظم فيه مفهوم الوطن بدلالته الإيجابية، التي تعني البحث عن جذور تميز مصر ثقافيا وحضاريا وتاريخيا، فتبارى الفنانون والأدباء في التعبير عن الوجدان الشعبي المصري، وحياة الفلاحين، بجانب الاعتزاز بالحضارة الفرعونية، والبحث عن هوية وطنية للشعب المصري، تمزج فيها مكوناته الدينية والثقافية([3]) وتزامن هذا مع تيارات موازية، تدعو إلى العروبة والإسلام، وتيارات ماركسية وليبرالية تمتاح من التجارب النهضوية الغربية أو الشرقية، مما يدل على أجواء التعددية والانفتاح في المجتمع المصري، على الرغم من الاحتلال البريطاني، وموقف القصر الملكي، المتأرجح ما بين الأحزاب الشعبية والأحزاب السلطوية.

أما النشاط النسائي، فقد بدأ بقوة، من خلال كاتبات موهوبات، شاركن في الحياة الثقافية العامة، ويأتي في طليعتهن مي زيادة، وملك حفني ناصف، وغيرهما، مع ازدياد عدد الفتيات الملتحقات بالتعليم. وشرعت الصحف تنشر مقالات لكثير من الكاتبات، ولمعت أسماء كثيرة، مع اتساع الدعوة لحقوق المرأة([4])، صحيح أن كثيرا من الناشطات النسويات تأثرن بالعلمانية الغربية، ومقولاتها عن حقوق المرأة، ولكن الدعوة كانت لها آثارها الإيجابية في تعليم البنات، وصارت قضية المرأة من القضايا المثارة في ساحة النقاش العام، كما ظهرت كاتبات رفضن التوجه التغريبي النسوي، وسعين إلى التمسك بالهوية الإسلامية والعروبية.

وقد أفرزت الحقبة الملكية مواهب إبداعية كبرى، استطاعت فرض نفسها على الحياة الثقافية والفكرية والأدبية والفنية، فقد ازدهرت منذ الربع الأول من عشرينيات القرن الماضي حركة تنويرية في الفنون كشفت عن نشاطـ جديد على حركة الفنون الجميلة الناهضة، وهو الاهتمام بتأسيس الجمعيات والجماعات الفنية، وبظهورها توالى بشكل متزامن ظهور جيل من رواد مصر الحديثة لتصبح تلك الجماعات ضرورة معبرة عن جيل مبدع يبحث عن مشروعه الفني والثقافي، في مجتمع يفور بالتيارات السياسية والطاقات الإبداعية، لتواكب المتغيرات العالمية. ووصلت قمة انتعاشها في سنوات الأربعينيات، ومن أبرزها جماعة الخيال (1928)، جماعة الدعاية الفنية (1928)، جماعة رابطة الفنانين المصريين (1934)، جماعة “المحاولون” (1934)، جماعة الفن الشعبي – الفطري (1936)، جماعة الفنانين الشرقيين الجدد (1937)، جماعة الفن والحرية (1939)، جماعة لاباليت (1940)، جماعة الفن والحياة (1946)، جماعة الفن المصري المعاصر (1946)، جماعة الفن المصري الحديث (1946)، جماعة الفنانين الخمسة (1962)، جماعة التجريبين (1965) وجماعة المحور (1981)([5]).

وعلى المستوى الأدبي، فقد تكونت حركات وأجيالا وجماعات ربما يكون التاريخ قد أغفل ذكر بعض أعضائها، ولكن أسفرت عن أدباء موهوبين، استفادوا من حركة الإبداع الغربي في مذاهبه المختلفة، خاصة أن مصر احتضنت جاليات أجنبية كثيرة العدد، عظيمة الثراء، منهم عدد كبير من اليهود، وقد تميزوا بالثقافة الرفيعة، ونقلوا التيارات الفكرية والسياسية والفلسفية والفنية والأدبية من أوروبا، وأثّروا بشكل واضح في البيئة الثقافية المصرية، بتأسيس جماعات وأندية وندوات وجمعيات أصدرت صحفا ونشرات وكتبا، صدرت تباعا بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، وتعاظم شأنها ونشاطها في سنوات الثلاثينيات والأربعينيات فظهرت جماعة الفن والحرية ومن قبلها مدرسة الديوان الشعرية، ومدرسة المهجر و المدرسة الرومانسية، وجماعة أبوللو الأدبية، ضمن حراك أدبي واسع، تجلى في الندوات والكيانات الأدبية والجماعات الصغيرة، بجانب الأنشطة الجامعية والمدرسية، مما أنتج أجيالا متعددة من الأدباء، ساعدوا على انتشار المفاهيم الثورية في الآداب والفنون، وأيضا في السياسة والاقتصاد، ونادوا بالحريات والحقوق الاجتماعية للشعب([6]).

والملاحظ أن هذه الجماعات عبرت عن الحراك الفكري والسياسي والجماهيري، واستفادت من التيارات الأدبية في أوروبا، في ترسيخ أدب مصري صميم، مع التفاعل مع قضايا المجتمع، وإيجاد تراكم إبداعي فني ينمي الذائقة، إلا أنها تأثرت بالتيار الماركسي، وهو ما انعكس على إيديولوجية الكثير من أعضائها، وكان منهم أيضا من تبنوا التيار القومي، والبعض نادى بالتوجه القطري المحلي، الذي يعزل مصر عن محيطها العربي والإسلامي. وعلى الرغم من كل هذه الأنشطة والفعاليات، فإن الأدباء لم يكن لديهم مؤسسة أو اتحاد أو روابط تجمعهم بشكل كلي، على نحو ما رأينا بعد ذلك في تأسيس اتحاد الكتاب، فجلُّ أنشطتهم يتخذ الطابع الفردي أو العمل ضمن أطر جماعات صغيرة العدد، تنظم ندوات أدبية، أو تصدر نشرات وصحف ومجلات، محدودة الانتشار سرعان ما تتوقف نتيجة غياب الدعم المادي، فيضطرون إلى التعامل مع الصحف السيّارة المنتشرة في زمانهم، أو نشر كتبهم على حسابهم الخاص.

 

 

 

[1]) البناء الاجتماعي والثقافي للطبقة المتوسطة في مصر خلال فترة الحكم الملكي، لوسي ريزوفا، في كتاب: رؤية جديدة لمصر 1919-1952م، تحرير: آرثر جولد شميدت، وآخرون، ترجمة: عايدة الباجوري، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2013م، ص181- 190.

[2]) الدولة والسينما في مصر ما قبل الثورة (1927-1952)، أندرو فليبر، المرجع السابق، ص627-630.

[3]) الفن المصري في القرن العشرين (الرواد 1920- 1952م)، كارولين ويليامز، المرجع السابق، ص602 – 610.

[4]) ثورة 1919والبنية القومية لحياة وأعمال الرواد من الكاتبات، مرفت حاتم، المرجع السابق، ص561 وما بعدها.

[5]) انظر للمزيد: مدارس ومذاهب الفن الحديث، صبحي الشاروني، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1994م، من الفصل الثاني إلى الفصل الرابع.

[6]) المذاهب الأدبية والنقدية عند العرب والغربيين، د. شكري محمد عياد، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1993م، ص19- 22.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق