غير مصنف

المثقفون وهزيمة يونيو.. تحطم الذات الفردية وانهيار الروح الوطنية

جاءت هزيمة يونيو 1967م بمثابة الصدمة الكبرى، لأنها “كشفت هشاشة التنظيم السياسي ومؤسسات الحكم معا، واستدعى ذلك كله التفكير في إعادة بناء الدولة. واعترف عبد الناصر في أحد اجتماعات اللجنة التنفيذية العليا (في الاتحاد الاشتراكي) بأن الأحداث قد أثبتت بأنه لم يكن هناك نظام سليم، وأنه يتعين البحث عن نظام جديد، وطرح قيام حزب معارض داخل الاتحاد الاشتراكي يتزعمه عبد اللطيف بغدادي، وكمال الدين حسين، على أن تكون معارضة فعلية في إطار ميثاق العمل الوطني، ولكن الفكرة لقيت معارضة أعضاء اللجنة”([1]). وتلك كانت النتيجة بعد عقد ونصف من الحكم الشمولي الدكتاتوري، الذي امتلك السلطة والسياسة والشعب والثروة والقرار والفكر والتوجهات، والمحصلة: هشاشة النظام ومؤسساته، وتفكير رأس النظام في إيجاد معارضة له، شريطة أن يصنعها النظام أيضا. لقد تخيل عبد الناصر أنه كما صنع السلطة، يمكنه أيضا أن يصنع المعارضة، وتكون المفاجأة أن أعضاء اللجنة المتحاورين مع الزعيم، يرفضون مقترحه، لأنهم لا يعرفون غير الشمولية نموذجا في الحكم، والدكتاتورية سبيلا ونهجا.

وهو ما استدعى تشريحا معمقا من قبل أحد المفكرين الماركسيين، الذين هالهم حجم الخسارة على مستوى الوطن والبشر ومقدرات الشعب، وأدركوا أن القضية ليست في الشعارات ولا في توجهات السلطة وفلسفة الحكم، وإنما هي أزمة بنيوية تعصف بالوطن والأمة، وكل ما فعله عبد الناصر أنه اقتصر على الإصلاحات الشكلية الجزئية من أعلى، دون إصلاح الجذور والأسس، بل رسخ لحكم متسلط أمني قمعي، صار ميراثا للدولة المصرية بعد ذلك، عبر أدوات القمع الإداري الشرس، أو الإيديولوجي المضلل عبر السيطرة على أجهزة الإعلام والتعليم والثقافة والفنون، بجانب ترسانة ضخمة من التشريعات والقوانين المعادية للحريات والديمقراطية، تعضدها منظومة من التعذيب والاعتقال والسجن والنفي والتخويف([2]).

فلا معنى لأي تسويغات أو مبررات تسوقها الأنظمة، حول أعداء الداخل أو أعداء الخارج، والذين يجب مواجهتهم بإجراءات أمنية إضافية (قوانين الطوارئ والإرهاب وما شابه)، فهي كلها وسائل الحاكم المستبد للسيطرة، مصاحبة بإعلام ترويجي عن أهمية هذه القوانين الاستثنائية من أجل الأمن والأمان والتنمية، وهي في الحقيقة موجهة ضد المعارضة، ولتكميم الأفواه. وقد كانت الدولة العسكرية الأمنية التي أرساها عبد الناصر نموذجا تقتدي به الأنظمة القمعية العربية، التي رفعت شعارات القومية والاشتراكية والوحدة العربية، ومعها الحرية والوطنية.

وإذا كان عبد الناصر أعلن عن تحمله مسؤولية هزيمة 1967م، فإنه حافظ على أركان نظامه وبنائه وشخوصه، بعد التخلص من بعض العناصر، وقد تبدت المهزلة، في الأحكام المخففة التي نالها قادة سلاح الطيران، المسؤولين عن تدمير الطائرات المصرية في يونيو1967، فقد كانوا أعضاء في الاتحاد الاشتراكي. وخرجت مظاهرات الطلاب في فبراير 1968م، لأول مرة معارضة ضد النظام ورأسه، فقد انتبه الشعب للخديعة، فاضطر عبد الناصر إلى إصدار بيان 30 مارس، والذي تم الاستفتاء عليه في مايو 1968م، مبقيا على الاتحاد الاشتراكي كصيغة للحكم تحشد الجماهير، وأن المشكلة في سوء التطبيق وليست في الحزب الواحد، وقرر البيان إجراء انتخابات من القاعدة لاختيار أعضاء القمة، وكانت المفارقة أن جاءت الانتخابات بنفس العناصر الانتهازية المتسببة في الهزيمة، حتى أن عبد الناصر نفسه عبر عن خيبة أمله، ورأى أن الدولة يجب أن تستند إلى التنظيم لا أن يستند هو إليها([3]). وتلك مشكلة الطغاة، يرون أنفسهم فوق الشعب والمساءلة والساسة والقادة والجيش، وأن المشكلة ليست فيهم، وإنما في الفئة التي هي أدنى منهم. فهل كان عبد الناصر يتوقع أن تجرى انتخابات نزيهة في نظام يزيف الانتخابات؟ وهل كان يتوقع أن يتنحى الانتهازيون عن الحكم؟ وكان بإمكانه أن يعزلهم أو يمنعهم من الترشح، بحكم سلطاته المطلقة، ولكنه لم يفعل، لأنه ببساطة يريدهم، فهم المتحكمون في مفاصل الدولة. هو جاء بهم، ويحكم من خلالهم.

أما الأدباء فقد شعروا بفداحة الخسارة، وتداعى أمامهم المشروع الناصري فجأة، وأضحى الوضع بكاء وعويلا على الأرض السليبة، وعلى الدعاية الفجة التي وضعت النظام والسلطة في مصاف القوى العظمى، وبانت الحقيقة كارثية، تبدت في السخرية المرة التي عبرت عنها نكات الشعب، ضمن ما يسمى البلاغة الجماهيرية الساخرة، فعندما تشتد الأزمات وتتعاظم النكبات، يلجأ المصريون كما اعتادوا إلى النكتة السياسية بوصفها سلاحهم الضاحك للتغلب على همومهم وأحزانهم وقمعهم، فهي حاضرة في أصعب ظروفهم المعيشية، يعبرون من خلالها عن معاناتهم ونقدهم للممارسات السياسية الخاطئة، ساخرين من المستبدين، وهكذا كان للشعب وسائله في التعبير ضد كل من يهينه ويقلل من هيبته([4]).

أما النظام فقد برر أسباب الهزيمة بالتآمر الخارجي، فالأهم في رأيه الحفاظ على الوجود والنظام والزعيم، وتجلى ذلك في المظاهرات التي قادها أعضاء الاتحاد الاشتراكي، ومنهم أساتذة جامعيون ومثقفون وأدباء، مطالبة عبد الناصر بالاستمرار، حتى أن أحد أعضاء مجلس الأمة رقص أثناء الجلسة فرحا بنزول الزعيم عند رغبة الجماهير، وبقائه على سدة الرياسة، وتبدت السياسة المعلنة بعدم الاعتراف بالهزيمة (النكسة)، وكان ذلك يعني ببساطة استخفاف القيادات بالشعب المغيّب المطحون الخائف. وشعر الأدباء كم هم مخدوعون وممتَهَنون ومسؤولون أيضا، وهذه الأحوال الثلاثة قد يكون واحدا منها داعيا إلى الثورة أو التمرد، ولكنها مجتمعة لا تنتج إلا حالة من العدمية المقترنة بالسلبية واللامبالاة([5])، ولم يفلح ما كتبه أدباء السلطة فيما يسمى أدب المعركة أو المقاومة؛ في التعبير عن الأزمة النفسية الجمعية فجاءت نصوصه زاعقة مباشرة خطابية، فالحقيقة الرهيبة فضحتها الهزيمة وكانت أقسى وأشد تعقيدا من أن تعالج بنجاح في أي عمل أدبي أو فني([6])، وكل هذا ناتج عن استمرار أدوات النظام القمعية العنيفة، على الرغم مما قيل عن محاسبة أجهزة المخابرات على ممارساتها، ولكن بقي الوضع كما كان: الرقابة الصارمة على النشر، ومطاردة المبدعين والكتّاب إذا تفوهوا بما يضاد السلطة، عن شهداء حصدتهم الطائرات الصهيونية، وعن قادة الجيش الذين نالوا أحكاما مخففة، وعن سلطة ظلت مكانها دون حساب أو إدانة.

وقد برر هيكل حالة حقوق الإنسان بقوله إذا ما تم فتح هذا الموضوع، بأنه يجب أن ننظر إلى “ما جرى في عصر عبد الناصر بالمقارنة بعصور أخرى، عصور سبقته في العصر الملكي، وعصور تزامنت معه في كل البلاد العربية، وعصور لحقت بعصره في مصر وفي كل البلاد العربية. أنا أزعم أن سجل حقوق الإنسان في مصر وقت جمال عبد الناصر برغم كل ما يمكن أن تقوله أو أقوله أو يقوله غيرنا؛ أفضل من سجلات كثيرة غيره.. مع العلم أن زمن جمال عبد الناصر كان زمن معارك متواصلة، ضد قوى تريد السيطرة على المنطقة، وكان جمال عبد الناصر هو العدو الرئيسي لها، كما كان العدو الأكبر لإسرائيل”([7]).

والمتأمل فيما تفوه به هيكل، يجد اعترافا واضحا بحالة حقوق الإنسان، ويجد أيضا تبريرا، وإلحاحا في التبرير، بأن هذا أمر طبيعي، حدث من قبل، وحدث أثناء، وحدث بعد ذلك، في كثير من الدول فلا ضير منه، فالزعيم عبد الناصر كان يخوض المعارك ضد أعداء الأمة والمتآمرين عليها، ومن حقه اتخاذ أية تدابير.

وهذا ليس بمستغرب من شخصية مثل هيكل، كان رجلا سلطويا في الأساس، ولكن المستغرب أن المتباكين على ناصر وتجربته يرددون هذا الكلام إلى يومنا، وكأن الوطن لن يتقدم إلا بإلقاء خيرة أبنائه المعارضين لتوجه السلطة الحاكمة في السجون. وهل يمكن تبرير خطأ بخطأ، وبأن القتل والتعذيب معتاد في مختلف أنظمة الحكم، وهل كانت المحصلة نهضة الوطن، أم هزيمته؟ وهل استفاد الوطن من أبنائه الجنود أم ألقاهم في أتون الصراعات؟ وكيف نصدق شعار ارفع رأسك يا أخي، والحرية التي تغنى بها عبد الناصر، وهو يقمع شعبه؟

وما أجمل وصف أحد شباب الماركسيين المعاصرين للحقبة الناصرية بقوله: “على امتداد خمسة عشر عاما سابقة على حزيران 1967م، تورمت الذات القومية وانتفخت. في صحف تلك السنوات، لن تقرأ عن دولة صغيرة تجتهد للتحرر وللتقدم، ولبناء نفسها، وسط عمليات انتهاب من الداخل ومؤامرات حصار من الخارج، لكنك ستقرأ دعاية نظام يحرّك العالم ويصنع كل شيء فيه. نظام أنهى تماما كل مشاكله، وألقى عن كاهله كل همومه، وفرغ لتخطيط مستقبل المعمورة. طوّر نظريات الثورة وتجاوزها، وصنع ثورات في أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية وبلاد الواق واق”([8]).

لذا، لم يكن أمام الشعراء إلا الرمز، وها هو أمل دنقل يتخذ قناعًا من إحدى قصص الجاهلية وهي قصة زرقاء اليمامة، الحكيمة التي طالما حذرت قومها من غزو الأعداء، فظلوا على لهوهم يرتعون، يخاطبها دنقل عن الهزيمة، وهو يتأمل جثث القتلى، وفداحة المصيبة، بخسران الأرض، وانكسار الراية، وذل النفس:

أيتها العرافة المقدَّسةْ..

جئتُ إليك.. مثخنًا بالطعنات والدماءْ

أزحف في معاطف القتلى، وفوق الجثث المكدّسة

منكسر السيف، مغبَّر الجبين والأعضاءْ.

أسأل يا زرقاءْ..

عن فمكِ الياقوتِ عن، نبوءة العذراء

عن ساعدي المقطوع.. وهو ما يزال ممسكًا بالراية المنكَّسة

عن صور الأطفال في الخوذات.. ملقاةً على الصحراء

ويوضح أزمة تغييب الشعب عن السياسة، والاستبداد بالسلطة والجاه، فأضحى الشعب كالعبيد يرعون الخراف، ويغيبون عن مجالس القرار، ولا يتذكره أولو السلطان إلا عند المعركة، فأبناء الشعب المغيب مثل الفلاح والعامل والموظف والمتعلم، عليهم أن يحملوا السلاح للقتال، تنفيذا لقرار اتخذه الحاكم المستبد في لحظة زهو وخيلاء، لا تهمه الدماء، ولا يشغله إلا استعراض جهورية صوته في الإذاعات، ووضع صوره على أغلفة المجلات، يقول دنقل عن الشعب:

وها أنا في ساعة الطعانْ

ساعةَ أن تخاذل الكماةُ.. والرماةُ.. والفرسانْ

دُعيت للميدان!

أنا الذي ما ذقتُ لحمَ الضأن..

أنا الذي لا حولَ لي أو شأن..

أنا الذي أقصيت عن مجالس الفتيان

أدعى إلى الموت.. ولم أدع إلى المجالَسة!!

تكلمي أيتها النبية المقدسة([9])

لقد كان المشهد مفعما بالسخرية المرّة، فالأدباء مقموعة أقلامهم وهم المخولون بالتعبير عن هموم الناس، بينما يبدع الناس في معارضتهم بنكاتهم وقفشاتهم.

وفي نهاية الحقبة الناصرية، يمكن أن نتخيل صورة الأدباء والمثقفين بلوحة شديدة القتامة، لا نجد فيها بصيصا واحدا من اللون الأبيض، أو الألوان الفاتحة، وإنما رؤوس متراصة جانب بعضها، ضمن كتل جماهيرية تهتف للزعيم المفدى، وهذه الكتل تضم الأدباء والمثقفين والمبدعين والعلماء، يشتركون في الهتاف، وعلى الجانب الآخر من اللوحة، ثمة قضبان وجدران مصبوغة بالأحمر القاني.

والسبب في ذلك راجع إلى عسكرة الثقافة المصرية، بشعارات العسكر من مثل: الأمر والطاعة، نفّذ وتظلم، اكتب لتنافق، ارتدِ قطاع الرتبة الأعلى، ما في داخلك ليس مهما، وإن كنت تغلي بالمعارضة والرفض؛ وهو ما يفسر غياب التجمعات الثقافية في شكل جمعيات ومنظمات بالمقارنة مع حركية الثقافة في الحقبة الملكية، وأي تحرك للثقافة لابد أن يكون عن طريق أجهزة الدولة، وتحت رقابتها ومتابعتها من قبل رجالها([10]).

فظل المبدع تابعا للدولة، لا يتوافر اتحاد أو نقابة له، تعبر عن مطالبه، وإنما هو موظف ضمن النظام البيروقراطي الوظيفي الذي رسّخه عبد الناصر، وتحكم به في أرزاق الناس، ويجعل المثقف ورجل الشارع العادي مرغما على إيثار السلامة، إما بالصمت البليغ، أو بالنكات الهازئة التي يصعب معرفة مؤلفيها، أو بنصوص فيها الرأي المعارض، ويتحمل مبدعها نتائج ما خطت أنامله.

 

 

 

[1]) ثورة يوليو إيجابياتها وسلبياتها، ص219. ويذكر أن المؤلف ناصري الفكر والموقف والرؤية.

[2]) أزمة بنيوية أم إشكالية نهضة؟ محمود أمين العالم، الأعمال الكاملة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2015م، مج1، ص651، 652.

[3]) المرجع السابق، ص220، 221.

[4]) النكتة… سلاح المصريين الذي لا يقهر، علي سليمان، صحيفة العربي الجديد، لندن، 71/2/ 2014م. https://www.alaraby.co.uk/society/2014/2/17/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%83%D8%AA%D8%A9-%D8%B3%D9%84%D8%A7%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%8A-%D9%84%D8%A7-%D9%8A%D9%82%D9%87%D8%B1

ومن النكات التي انتشرت وقتئذ: تخفى عبد الناصر كي يتفقد أحوال الناس فسمع موظفًا يقول لزميله إن راتبه ينتهي في اليوم العاشر من الشهر، وسأله زميله وكيف تعيش باقي أيام الشهر؟ فقال له أعيش على الستر، فأصدر جمال عبد الناصر قراراً في اليوم التالي بتأميم الستر.

[5]) المذاهب الأدبية والنقدية عند العرب والغربيين، ص45.

[6]) المرجع السابق، ص47.

[7]) عبد الناصر والمثقفون والثقافة، ص291.

[8]) مثقفون وعسكر، ص156.

[9]) الأعمال الشعرية الكاملة، أمل دنقل، مكتبة مدبولي، القاهرة، ط3، 1987م، ص121، 123، 124.

[10]) مثقفون وعسكر، ص420.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق