كتب

ثمن الازدهار.. خطاب متطرف موبوء بالعنصرية ضد المهاجرين

هل “الوطنية و”الفخر الوطني” عنصران مهمان في بناء هيكلية الأمم الغنية؟ ولماذا يظل هذان الملفان تحديدا من القضايا الملتهبة في عهد “ترامب أمريكا” و”بريكزيت بريطانيا”،وأي مستقبل ينتظر المملكة المتحدة بعدما قررت الخروج من الاتحاد الأوروبي ورفعت من شأن “فخرها الوطني” الذي اعتبرها أكبر من أن تكون ترسا في اتحاد أوروبي كبير؟

أسئلة كهذه وغيرها يحاول الخبيرٌ الاقتصادي “تود بوشولز”، وهو مستشار اقتصادي للبيت الأبيض،  أن يجيب عنها في كتابه “ثمن الازدهار.. لماذا تفشل الأمم الغنية وكيفية تجديدها؟” الصادر باللغة الإنجليزية “The Price of Prosperity: Why Rich Nations Fail and How to Renew Them” لصالح دار بريليانس أوديو للنشر بتاريخ 7 يونيو 2016 في 484 من الصفحات.

الحلم الأمريكي يحتضر

الكاتب يميني متطرف، ولهذا لا يبدو مستغربا أن يكون أحد مستشاري ترامب، يرى الكاتب أن الأجانب هم أكثر ما يهدد ازدهار الولايات المتحدة، وتوقّعت عدم الاستقرار الاقتصادي في الاتحاد الأوروبي لأنها “فتحت أبوابها للمهاجرين من كل مكان”.

هذه المرة، يخشى “بوشولز” أن الحلم الأمريكي كان يحتضر قبل صعود ترامب، وقتما كانت أصوات اليساريين المرحبين بالأجانب عالية ومسيطرة. يقول الكاتب “إن الولايات المتحدة لم تعد متماسكة. ولجعلها متماسكةً مرة أخرى، يجب علينا أن نجدد مشاعر الولاء والوطنية لدى مجموعة متباينة من الناس، المواطنون بالدرجة الأولى”.

لم يذكر الكتاب اسم “دونالد ترامب”، ولم يستشهد بشعاره “جعل أمريكا عظيمةً مرةً أخرى”، لكن القارئ لا يحتاج لكثير مجهود ليلمح وجه ترامب وشعاراته في الاتجاهات التي يحددها “بوشولز” للنهوض بالاقتصاد الوطني، والقائمة في مجملها على اعتبار الأجانب أعداءَ يجب الحذر منهم، والأفضل: التخلص منهم نهائيا!

خطاب متطرف، يرى فيه المؤلف أن الازدهار يخلق مشاكل فريدةً من نوعها. ففي “الولايات المتحدة”، تنخفض معدلات المواليد، ويتراجع عمل الناس ويزداد اقتراضهم، وتخنق البيروقراطية روح المبادرة، والسبب في هذا بحسب رأيه أن الولايات المتحدة باتت اليوم مجتمعا لا يمكن تحديد هويته بوضوح، ولا ملامح الافتخار الوطني الأساسي له.

الأجانب: المشكلة الأكبر

بحسب الكتاب، فإنه إذا كانت الدولة (أي دولة) مقسّمة، فإن ذلك يعود إلى سببين رئيسيين هما: التجارة والهجرة. يقول المؤلف: “يشعر العمال بالتهديد بسبب مزيجٍ من الآلات والأشخاص الأجانب”. لكنّ تقييد التجارة ليس خياراً، لأن “الأمم لا يمكن أن تزداد ثراءً دون تداول التجارة”. وبالتالي، فإن النقاش حول الهجرة هو مسألة محورية بالنسبة لـ “بوشولز”.

تتمحور الرسالة المركزية التي يقدمها كتاب “ثمن الازدهار” حول انخفاض معدلات المواليد، وهو ما يدفع الدول الغنية لقبول المهاجرين. لكن يمكن للمهاجرين “أن يسهموا في “ تشظي/ لفظ غريب هل يعني تأثر الثقافة المهيمنة”، ما لم تكن المؤسسات المدنية والثقافية فى البلاد قوية بما فيه الكفاية لاستيعابهم. ويعتقد “بوشولز” أن المؤسسات الوطنية الأمريكية غير موجودة أصلاً.

الحمض النووي الأمريكي

تصف صحف الولايات المتحدة بلدها بأنها بوتقة انصهار، أو وعاء سَلَطة، أو أرض الحرية، ولا يمكن لأحدٍ أن يعترض على أن الهجرة هي عنصرٌ أساسي في الحمض النووي لبلد لديه تاريخ طويل في التوترات والصراعات الناجمة عن التنوع العنصري والعرقي واللغوي.

لكن “بوشولز” غير مقتنع بأن تلك هي الصورة التي يجب أن تصدرها الولايات المتحدة عن نفسها. ويشكو من أن المهاجرين اليوم يتحدثون القليل من الإنجليزية، ويعيشون في جيوب إثنية، ويتابعون وسائل إعلام إثنية، ويفتقرون إلى التنوع، مثل الكثير من اللاتينيين، ويعودون من حين لآخر إلى أوطانهم.

الجانب المظلم للهجرة

ماذا استفادت الولايات المتحدة من المهاجرين؟ أغفل الكاتب كل إسهام للأجانب في تاريخ البلاد، وصدّر فقط ما أسماه “الجانب المظلم للهجرة في عالم اليوم”، تحركات غير شرعية، حروب شوارع، مخدرات، ملاذات إرهاب، ومظاهرات مناهضة لـ ترامب، لكن الكاتب يرى أن هذه كلها موضوعات لا تحظى بما يكفي من النقاش في الإعلام الأمريكي.

تعلموا من طغاة التاريخ!

يحيل الكاتب إلى نماذج تاريخية يراها ناجحة في صناعة الفخر الوطني على حساب محاصرة الأجانب، فيشير إلى “ألكسندر الأكبر” الذي غزا إمبراطورية متعددة الثقافات ثم حولها إلى وحدة ثقافية واحدة، و“كمال أتاتورك” الذي خلق تركيا الحديثة على حساب محو أي تنوع ثقافي في البلاد، والملك “ميجي” الذي دمر هيبة “الساموراي” في اليابان ليُحكم سيطرته على البلاد.

نقد الكتاب

الصحفي الأمريكي ر. و. كلارك حين استعرض الكتاب عبر موقع واشنطن إندبندنت ريفيو أوف بوكس قال ساخرًا: إذا كانت هذه هي مشاكلنا الوحيدة، فإننا سنظل أفضل حالاً من اليابان، حيث “تباع حفاضات الكبار أكثر من حفاضات الأطفال”، وفرنسا، حيث يعمل معظم الموظفين لدى الحكومة فقط لـ 35 ساعة في الأسبوع.

في النهاية، هذا الكاتب هو مزيجٌ غريب من التحليل الاقتصادي، وعلم الاجتماع، والتاريخ الانتقائي، والجدل السياسي؛ يريد بأي طريقة ممكنة أن يخرج باستنتاجٍ صارخ هو أن بلاده بحاجة إلى مزيد من الوطنية والقومية على حساب المهاجرين، مستخدما تصريحات عنصرية مماثلة حول المهاجرين الإيطاليين واليهود والصينيين ظهرت في القرن التاسع عشر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق