شخصيات

رحيل الصادق المهدي وأثره على الحركة الإسلامية السودانية

مسودة تلقائية

في الساعات الأولى من الخميس 26 نوفمبر 2020، توفي السياسي السوداني المخضرم “الصادق المهدي” في عزله بالإمارات، بعد أيام من تدهور حالته الصحية بسبب إصابته بفيروس كورونا المستجد كوفيد-19.

وخرج بيان النعي بشكل رسمي من حزب الأمة الذي يرأسه المهدي، ليعلن الخبر الحزين للشعب السوداني عن رحيل آخر رئيس وزراء سوداني قبل انقلاب البشير عام 1989، وقائد «الجهاد المدني» ضد حكم البشير، الذي ظل طوال 30 عاماً في مقعد المعارضة، واثقاً من سقوط حكم البشير.

حياة حافلة

ولد الإمام الصادق المهدي في 25 ديسمبر 1935، كان أبوه زعيم طائفة أنصار المهدي «الإمام الصديق بن عبد الرحمن بن محمد أحمد المهدي». درس الاقتصاد والعلوم السياسية في كلية «القديس جون» بجامعة أوكسفورد البريطانية، حيث نال البكالوريوس والماجستير. وخلال دراسته في بريطانيا التقى بغريمه وصهره الدكتور «حسن الترابي»، الطالب بكلية القانون بجامعة لندن، ونشأت بينهما صداقة، أثَّرت على مستقبل السودان السياسي بعد ذلك.

عاد إلى السودان ليعمل في إدارة أملاك أسرته الزراعية عام 1957، وإلى جانب ذلك بدأ ممارسة العمل السياسي مثل أبناء جيله، فانخرط في حزب الأمة الذي كان يمثل طائفة أنصار جده (محمد أحمد المهدي)، الداعم لاستقلال السودان عن التبعية للاحتلال البريطاني.

حقبة جديدة

لكن تأثير الصادق المهدي في ذلك الوقت لم يتعدَّ كتابة بعض المنشورات عن قضايا متعلقة بشئون طائفة الأنصار، لكن وفاة والده الإمام الصديق عبد الرحمن المهدي والحراك السياسي الذي أسقط الرئيس عبود في أكتوبر 1964 فتح له الباب ليلج إلى العمل السياسي من بابه الواسع، مُستفيداً من نسبه المقدس عند أتباع جده، والذي كانت جماهيره غفيرة في ذلك الزمن.

وعطفاً على أن عمه الإمام الهادي المهدي الذي خلف والده الصديق المهدي لم يكن بإمكانات والده السياسية، ما هدَّد وحدة حزب الأمة الذي انشق لحزبين: الأول قال بأن إمام طائفة الأنصار له كل السلطات داخل حزب الأمة، وهذا هو رأي الإمام الهادي المهدي ويؤيده في ذلك المحامي اللامع «محمد أحمد المحجوب»، والحزب الآخر كان يرى أن إمام الأنصار يجب أن تكون له سلطات مقيدة على الحزب، وهذا الجناح كان بزعامة الصادق المهدي وجيل الشباب في حزب الأمة الذين شاركوا في ثورة أكتوبر 1964.

وفي قبة برلمان 1964، كانت أكثرية المجلس لصالح حزب الأمة، لكنها لم تكن تكفي لكي يحكم وحده، فتشكَّلت حكومات ائتلافية بين الأحزاب. ففي البداية حكم حزب الأمة بزعامة محمد أحمد المحجوب التابع للإمام الهادي (عم الصادق المهدي) بالتعاون مع حزب الوطني الاتحادي وحزب الشعب الديمقراطي.

لكن سرعان ما دبَّت الخلافات بين محمد أحمد المحجوب وإسماعيل الأزهري في الصلاحيات بين رئيس مجلس السيادة ورئيس الوزراء، ليتحالف إسماعيل الأزهري مع الصادق المهدي ضد حزب عمه، ويتم انتخاب الصادق المهدي رئيساً للوزراء، على أن تكون صلاحيات مجلس السيادة كاملة لإسماعيل الأزهري، ليكون الصادق المهدي أصغر رئيس وزراء في التاريخ بعمر 29 عاماً فقط، بتاريخ 1966.

لكن  محمد أحمد المحجوب ومن خلفه الإمام الهادي لم يستسلموا، فعملوا على إسقاط حكومة الصادق المهدي من داخل البرلمان، وقد كان في عام 1967، حيث أُعيد انتخاب محمد أحمد المحجوب رئيساً للوزراء وعاد الصادق المهدي ومجموعته للمعارضة العنيفة داخل البرلمان، ما اضطر الصادق المهدي للبحث عن تحالفات داخل وخارج البرلمان، فتحالف مع مجموعة حزب الشعب الديمقراطي لإعاقة حكومة المحجوب بقدر الإمكان.

وتحالف كذلك مع الحزب الشيوعي، القوة الصاعدة في السياسة السودانية في ذلك الوقت، ووقعت أحداث دار المعلمين عام 1967، عندما تطاول أحد الشيوعيين على مقام النبوة، فاجتمع البرلمان وأصدر قراراً بحل الحزب الشيوعي وطرد أعضائه من البرلمان، وسط تنديد من الصادق المهدي، الذي لم يكترث لتنديده أحد، ثم عُقدت انتخابات 1968.

انقلاب النميري

تصالح بعد ذلك الصادق المهدي مع عمه الإمام الهادي واندمج جناحي حزب الأمة وشاركا معاً في انتخابات 1968 التي أنتجت برلماناً بأغلبية كبيرة لحزب الأمة، فحكم الحزب برئاسة محمد أحمد المحجوب حتى أبريل 1969 ثم مرض الرجل وخرج إلى بريطانيا، وقبل خروجه وضع استقالته في منضدة البرلمان، فتكاسلت الأحزاب عن تعيين حكومة جديدة برئاسة الصادق المهدي، وحدث فراغ سياسي ودستوري تم استغلاله فيما بعد للانقلاب العسكري الذي قاده العقيد جعفر النميري 1970.

وكان انقلاب جعفر النميري كارثياً، حيث حاول تكرار سيناريو مصادرة الأراضي والأملاك الذي قام به عبد الناصر في مصر وعبد الكريم قاسم في العراق، كما تم التنكيل بشكل وحشي بالأحزاب التي كانت تحكم البلاد، وعلى رأسها حزب الأمة والاتحادي الديمقراطي، وتلقى الإخوان المسلمون معاملة وحشية، خاصةً لدورهم في حل الحزب الشيوعي، حيث كان الشيوعيون الجهة التي تقف خلف انقلاب النميري.

واختلف الصادق المهدي وعمه الإمام الهادي في كيفية مواجهة انقلاب النميري، حيث اختار الهادي العمل المسلح الثوري لإسقاط ما رأى أنه الحكم الشيوعي الشيطاني، بينما رأى الصادق المهدي أن التهدئة والحوار مع الانقلابيين أفضل، خصوصاً أنهم يتمتعون بتأييد مطلق من الجيش ومن دول الجوار (مصر وليبيا).

ونتيجة لذلك، عاد الانقسام في حزب الأمة بشكل غير معلن، وأعلن الإمام الهادي الثورة المسلحة على النميري بالتعاون مع الإخوان المسلمين في منطقة الجزيرة آبا، لتقع مجزرة بشعة بعد قصف المدينة بالطائرات الحربية السودانية والمصرية، لتكون الحصيلة الدموية تقدر بـ 5 آلاف قتيل في أدق المصادر، بينما يزعم حزب الأمة أن القتلى كانوا بعشرات الآلاف.

وبعد وفاة عبد الناصر وقيام السادات بالردة عن الناصرية في 15 مايو 1971 اشتعلت الخلافات الحادة بين السادات ومعمر القذافي، وقد كان جعفر النميري يؤيد السادات في كل خطواته حتى في اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل، فاستقطب القذافي معارضي  النميري ومنحهم الدعم المادي لإسقاط حكمه بالقوة المسلحة، وقد كان الصادق المهدي أحد الذين استقطبهم القذافي، بالإضافة إلى بقية الجبهة الوطنية التي ضمت الاتحادي والإخوان المسلمين، وتم الاتفاق على غزو الخرطوم من مسلحي أنصار المهدي، وتزامن ذلك مع انقلاب الجيش على جعفر النميري، لمنع أي تدخل مصري لإنقاذه، كذلك تم تحييد أنصار النميري حتى لا يتكرر سيناريو الانقلاب الفاشل للشيوعيين في 1971.

نجحت الخطة، ووصل المقاتلون إلى الخرطوم، وفي ساعة الصفر انطلقوا للاستيلاء على كل النقاط المتفق عليها، لكن الصادق المهدي تردد في اللحظة الأخيرة، حيث كان يخشى من تنامي نفوذ الإخوان المسلمين في العملية الانقلابية، وبالتالي تهديد فرص حكمه للسودان، لذلك لم يوافق على تشغيل الإذاعة لتلاوة البيان رقم 1 التي كان يسيطر عليها شباب الإخوان المسلمين عسكرياً، ولا يعرفون كيفية تشغيله، ما أعطى جعفر النميري فرصة لالتقاط الأنفاس وإجهاض الانقلاب، الذي عُرف في الأدب السياسي السوداني بالغزو الليبي.

المهدي أسيرًا

وبعد فشل الانقلاب أُخذ الصادق المهدي أسيراً إلى مدينة بورتسودان، وبات النميري مُدركاً أنه لن يقدر على حكم البلاد باستبعاد المعارضة، فتفتَّق ذهنه للمصالحة الوطنية، وعرض الفكرة على الصادق المهدي، فوافق وحده ثم عرضها على زعيم الاتحاديين «الشريف حسين الهندي» الذي رفض، ووافق حسن الترابي زعيم الإسلاميين على المصالحة، فأعلن النميري العفو عن السجناء، وعيَّن الصادق المهدي وحسن الترابي في الاتحاد الاشتراكي (الحزب الوحيد الشرعي في البلاد) مساعدين للأمين العام للحزب.

لكن الصادق المهدي كانت موافقته على المصالحة تكتيكية، حيث سرعان ما ارتد عليها ليعود للمعارضة الحادة لنظام النميري، بينما اختار الدكتور الترابي إتمام المصالحة حتى النهاية، وألَّا ينخلع عنها حتى يخلعها النميري.

استفاد الصادق المهدي من المصالحة في إعادة تنظيم حزب الأمة وبنائه بصورة عصرية، وعند سقوط النميري بانتفاضة أبريل 1985، التي استجاب لها الجيش، كان لحزب الأمة نصيب الأسد من غنائم الانتفاضة، بإعادة المفصولين وإعادة الممتلكات المُصادَرة، وفي انتخابات 1986 فاز حزب الأمة بـ 100 مقعد في البرلمان بفارق 40 مقعداً عن أقرب منافسيه (الاتحاد الديمقراطي)، وبفارق 48 مقعداً عن الجبهة الإسلامية القومية، وتشكَّلت حكومات ائتلافية متعاقبة برئاسة الصادق المهدي، الذي حكم السودان لمدة ثلاث سنوات.

وفي فبراير 1989 هدد الجيش الصادق المهدي بالتدخل لتصحيح الأوضاع لو لم يتم تشكيل حكومة قادرة على حل أزمة الجنوب، فقام الصادق المهدي باستبعاد الجبهة الإسلامية، ما اعتبرته الجبهة الإسلامية انقلاباً عليها وعلى الدستور، فخططت للانقلاب على الحكم، وخلال أربعة أشهر انقلبت الجبهة الإسلامية على الصادق المهدي في يونيو 1989، وزعمت أنها قامت بذلك مضطرة لأنها لو لم تفعل لكان الجيش أو الشيوعيون أو البعثيون انقلبوا على الصادق المهدي الضعيف.

الكفاح ضد البشير

جاء العميد عمر البشير إلى الحكم عام 1989 برماح الجبهة الإسلامية، في انقلاب أبيض، حيث تم اعتقال الصادق المهدي والتنكيل به، وتم اعتقال الميرغني والترابي. وكانت تلك الاعتقالات تمويهاً حتى لا تتدخل أي دولة في السودان، حتى تتثبَّت الأرض للانقلاب، ثم بعد ذلك تم الإفراج عن الجميع وعُرض عليهم المشاركة فيما أُطلق عليه مؤتمرات الحوار الوطني.

كان الصادق المهدي في معارضته لنظام الإنقاذ على نفس رأيه في نظام النميري، حيث شارك في الحوار مع النظام في البداية، ثم اتجه إلى المعارضة المسلحة، التي منحته كرسياً أكبر للحوار، وأخيراً اتجه إلى المعارضة المدنية لإسقاط النظام.

وافق الصادق المهدي على محاورة النظام ابتداءً، وكان ابن عمه «مبارك الفاضل» مُنشقاً عنه خارج البلاد، ولا يرى حلاً للتصدي للحكومة إلا السلاح فقط. ولكن النظام هدد الصادق المهدي عام 1995 على لسان الرائد «صلاح قوش»، أنه إذا لم تتوقف المظاهرات المعارضة فقد يلجأ النظام إلى تصفيته. عندها قرر الصادق المهدي الخروج من البلاد ضمن عملية تهريب معقدة أُطلق عليها «عملية تهتدون».

وفي أسمرة عاصمة إريتريا، أعلن الصادق المهدي العمل المسلح ضد النظام، وأسس قوات ما عُرفت بـ «جيش الأمة» إلى جانب بقية الأحزاب السياسية السودانية، وأطلقوا عمليات عسكرية على الحدود السودانية الإريترية طوال أعوام 1997 و1998 و1999، لكن دعوة النظام للحوار الوطني غازلت الصادق المهدي، خصوصاً ما أتبعها من انقلاب البشير على الترابي واعتقاله والتنكيل به، فاستجاب الصادق المهدي للحوار مع البشير ضمن عملية أُطلق عليها «نداء الوطن»، حيث سُمح للصادق المهدي بالعودة للبلاد ولجميع كوادر حزب الأمة، وتم إطلاق يدهم لممارسة العمل السياسي، وأطلق الصادق المهدي على هذه الاستراتيجية «الجهاد المدني».

لكن نظام البشير كان أذكى من نظام النميري، حيث استغل عودة حزب الأمة للبلاد لتمزيقه وشراء قيادته وإغرائهم بالمناصب والزعامة، وخلال 3 أعوام انشق حزب الأمة إلى 5 أحزاب، كلها يحمل اسم الأمة، وعندما أدرك الصادق المهدي الخديعة قرر العودة إلى الخارج، إلا أنه وجد أن كل شيء قد حُسم، حيث وقع «جون قرنق» سلاماً مع حكومة الخرطوم برعاية أمريكية في منتجع نيفاشا، وأحزاب المعارضة الأخرى وقعت سلاماً مع نظام الخرطوم برعاية المخابرات المصرية في القاهرة، ولم يجد الصادق المهدي لا بلح الشام ولا عنب اليمن.

فاتجه الصادق المهدي للعمل المعارض وحده، فاستفرد به نظام البشير، ووقَّع معه اتفاقاً أطلق عليه «التراضي الوطني» عام 2008، والذي كان ينص على التحالف في الانتخابات بين حزب البشير والصادق المهدي، وأن يُصدر البشير قرارات إعادة المفصولين من حزب الأمة إلى أعمالهم، كذلك تعيين أبناء الصادق المهدي في الجيش والأمن.

لكن الصادق المهدي لم يكن ليصبر على دعم نظام البشير، خصوصاً بعد أن بدأت تتكشف فظائع دارفور، فانسحب من اتفاقه مع المؤتمر الوطني، وعاد للمعارضة الحادة للنظام، وانسحب من انتخابات 2010. وفي يناير 2011، أثناء استفتاء انفصال جنوب السودان، هدَّد الصادق المهدي بقيادة الجماهير لإسقاط النظام.

خرج الصادق المهدي من البلاد من جديد للذهاب إلى باريس عاصمة فرنسا، ليُوقع مع الحركات المسلحة في دارفور اتفاقاً عُرف باسم «اتفاق باريس لإسقاط النظام». لكنه لم يصبر على دعوة النظام للحوار من جديد في 2014، وقد أغراه تخلص البشير من الحرس الإسلامي القديم وانفتاحه على الإمارات والسعودية، حيث سارع لتلبية الدعوة حاملاً ما كان يُسميه بـ «الأجندة الوطنية»، ولكن موقف الصادق المهدي المعادي لقوات الدعم السريع التي وصفها بالمليشيات الأجنبية جعلت البشير يسجنه، وذلك بعد قيام قوات الدعم السريع بمظاهرة مسلحة وسط الخرطوم ترفض إهانتها من الصادق المهدي، وعندها خرج القائد الشاب «محمد حمدان دقلو» الذي يُعرف باسم «حميدتي» ليقول إن الصادق المهدي عليه أن يصمت لأنه لا يقاتل، ومنْ لا يقاتل لا رأي له.

بعد هذا الاعتقال خرج الصادق المهدي من البلاد إلى القاهرة، وظل هناك حتى قام النظام المصري بطرده عام 2018 بصفقة مع جهاز الأمن السوداني، ليذهب إلى لندن ثم يقرر العودة إلى الخرطوم، وتزامن ذلك مع ثورة الشباب التي لم يكن يظن الصادق المهدي أنها ستُسقِط البشير، حتى كانت المفاجأة، وسقط البشير وأخطأت تقديرات الصادق المهدي. عندها اختار الصادق المهدي خيار الذهاب إلى الانتخابات سريعاً، حتى لا يطمع العسكر في الحكم، لكن الشباب والسوشيال ميديا انتصرت على حكيم البلاد، ففرضت مساراً انتقالياً سيئاً يحكم البلاد اليوم، وتزداد معه مطامع العسكر في الحكم.

حرب دارفور

عندما اضطر الصادق المهدي لأن يكون لاجئاً لدى معمر القذافي في ليبيا في السبعينيات أسس تشكيل مخيمات في جنوب ليبيا، تدرَّب فيها آلاف العناصر من عرب البقارة الموالين له، وهذه العناصر سوف تؤدي دوراً مهماً في الحرب الأهلية في دارفور، وهي التي سوف تؤسس لما سيُعرف لاحقاً بتشكيلات الدعم السريع.

وفي الحرب التشادية-الليبية سمح الصادق المهدي بانخراط مؤيديه من العناصر التي تدربت في ليبيا للقتال مع القذافي، وهذه العناصر شاركت في الحرب التشادية-الليبية، وبعد أن انتهت هذه الحرب انسحبت إلى داخل السودان ومعها سلاحها وعداؤها للقبائل المشتركة بين السودان وتشاد، وكان الصراع على المراعي والجفاف سبباً للحرب الدامية التي تسبَّبت في موت مئات الآلاف.

أثره على الحركة الإسلامية

عُرف الصادق المهدي بعلاقاته الوثيقة بالمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي وليبيا القذافي، وبعلاقاته المتوترة دوماً مع المملكة العربية السعودية ومصر، اللتين كانتا أبرز الدول التي ترفضان حكمه، فالسعودية لم يكن يعجبها مواقف الصادق المهدي المتعاونة مع إيران في زمن الحرب العراقية-الإيرانية، كما أنها لم تكن تحب النظام الديمقراطي الغربي الذي كان يسعى الصادق المهدي لفرضه في السودان، بينما مصر كانت لديها حمولة نفسية تجاه الصادق المهدي، وكذلك إلغاء الصادق المهدي لاتفاقية التكامل الاقتصادي التي وقعها جعفر النميري، بزعم أنها تُسبِّب الاستقطاب بين دول حوض النيل، وأنها تبدو موجهة ضد إثيوبيا، وهو ما رفضه الصادق المهدي.

الولايات المتحدة من جانبها لم تكن سعيدة بحكومة الصادق المهدي، لأنها لم تكن حليفة للولايات المتحدة كما كان نظام النميري، وأنها أعادت الانفتاح على الشرق السوفيتي، كما أنها كانت تتعاون مع إيران والقذافي، اللذين كانت تعتبرهما أمريكا مصدر الشر في ذلك الوقت، ولذلك لم تذرف هذه القوى دموع الحزن على انقلاب البشير على الصادق المهدي، لأنه كان يبدو للوهلة الأولى انقلاباً عسكرياً لمجموعة مجهولة من الضباط، قبل أن يكشف الضباط عن حقيقة انتماءاتهم بعد عامين من الانقلاب.

هذا من ناحية تاريخ حكم الصادق المهدي، أمَّا بعد أن اتجه الصادق المهدي للمعارضة وترك الحكم، فإن مواقف هذه الدول لم تكن مُرحِبة به، بل كانت تتعامل معه بتحفظ شديد، وقد كان إصرار الصادق المهدي في التسعينيات على (إعادته رئيساً للوزراء باعتباره ممثلاً للشرعية وعودة البرلمان المنحل بكامل عضويته شرطاً للوفاق الوطني) سبباً رئيسياً في ضغط السعودية ومصر لإخراجه من المعارضة، وهو ما قاده للتقارب مع البشير وعقد اتفاقية عُرفت بـ «نداء الوطن».

مؤخراً سخَّر الصادق المهدي نفسه داعياً للإسلام المتوافِق مع وجهة النظر الإماراتية، ولذلك اُعتبر حليفاً محتملاً للإمارات في السودان، خصوصاً أن أبو ظبي وافقت على أن يقيم فيها الصادق المهدي بعد طرده من القاهرة، وبعد الثورة على البشير ازداد التقارب بين الصادق المهدي والإمارات، فكان يسافر إليها بشكل منتظم ليقيم المحاضرات والندوات هناك، وكذلك تقارب مع قوات الدعم السريع التي سُجن بسببها عام 2014. وقد تُوفي الصادق المهدي في مشفى إماراتي، بعد أن نُقل بطائرة إماراتية خاصة بعد إصابته بفيروس كورونا.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق