شخصيات

علي عزت بيغوفيتش.. الذكرى الـ 17 على رحيل “قائد البوسنة الحكيم”

بطل سياسي وثقافي فريد، وُلد في شرق أوروبا ليقود أمة مسلمة تعاني، وعاش حياة حافلة بالنضال الفكري والسياسي، شملت سنوات طويلة خلف القضبان قبل أن يصبح أول رئيس لجمهورية البوسنة والهرسك بعد انتهاء حرب دامية خلال تسعينيات القرن 20، وقدّم مشروعا فكريا تجديديا للفكر الإسلامي في ظرف إقليمي شمل خضوع بلده للاحتلال الشيوعي.

لشعب البوشناق البوسني مأساة إنسانية هائلة، نجا منها في النهاية، وانتعشت البوسنة بعد الحرب، وتلقت دعما لإعادة الإعمار. ورغم أن البوسنيين لم ينسوا الإبادة التي عاشوها، فإن جهود علي عزت بيجوفيتش “ديدو”؛ أي “الجد” باللغة البوسنية كما يسميه أبناء شعبه، نجحت في وضع حد لمعاناة طويلة.. فمن هو قائد البوسنة الحكيم علي عزت بيغوفيتش؟

حياة حافلة

بيغوفيتش هو القائد البوسني والمفكر المسلم الذي سطر التاريخ بإنقاذه البوشناق المسلمين من الحرب، وأسس لهم دولة ذات سيادة واستقلالية معترفة بها دولياً، والذي يحل هذا الشهر الذكرى السنوية الـ 17 لوفاته.

ولد علي عزت بيغوفيتش، في مدينة “بوسانسكي ساماتش” عام 1925، وقضى شبابه خلال الحرب العالمية الثانية في مكافحة الفاشية ومن ثم الشيوعية، ودفع ثمن نضاله ذلك سنوات من عمره قضاها في السجون.

سُجن بيغوفيتش للمرة الأولى عام 1946 في عهد الديكتاتور اليوغوسلافي تيتو، وخرج منه عام 1949، ودخل السجن للمرة الثانية عام 1983، إثر الحكم عليه بالسجن 14 عاما، لاتهامه بالنزعة الانفصالية والسعي لإقامة دولة إسلامية، بسبب كتابه “الإعلان الإسلامي” الذي نشر في السبعينات، ومن ثم أُطلق سراحه نهاية عام 1988، مع إفراج الحكومة اليوغسلافية عن جميع المعتقلين لاتهامات تتعلق بالمعارضة اللفظية.

نضال سياسي

أنشأ بيغوفيتش حزب العمل الديمقراطي عام 1990، بهدف إنهاء شعور البوشناق المسلمين بالدونية في وطنهم، وإتاحة الفرصة لهم للتأثير في الساحة السياسية، ولتقديم مثال على التعايش بين العرقيات الموجودة في يوغسلافيا تحت اسم (الجمهورية اليوغوسلافية الاشتراكية الاتحادية) والتي شملت كل من الست دول الآتية: صربيا وكرواتيا وسلوفينيا ومقدونيا والبوسنة والهرسك والجبل الأسود.

وفي عام 1991 بعد انقسام الاتحاد السوفيتي أعلنت كال من سلوفينيا ومقدونيا وكرواتيا استقلالهم عن الاتحاد اليوغوسلافي ، وبعدها بعام مباشرة” أنفصلت جمهورية البوسنة والهرسك وفي الانتخابات التعددية الأولى التي شهدتها، عام 1990، جمهورية البوسنة والهرسك، إحدى الجمهوريات الست التي كانت تتكون منها يوغسلافيا، عزز حزب العمل الديمقراطي من قوته مع فوزه بـ 86 من مقاعد البرلمان الـ 240.

وبعد إعلان كل من سلوفينيا وكرواتيا استقلالهما عن يوغسلافيا، نُظم استفتاء على استقلال البوسنة والهرسك في الأول من مارس عام 1992، شارك به 63% من ناخبي البوسنة والهرسك، صوت أغلبهم لصالح الاستقلال، إلا أن صرب البوسنة لم يشاركوا في الاستفتاء.

قائد البوشناق

مع إعلان جمهورية البوسنة والهرسك استقلالها عن يوغسلافيا، بدأ زعيم صرب البوسنة الذي يحاكم حاليا في محكمة العدل الدولية في لاهاي “رادوفان كاراجيتش”، و”سلوبودان ميلوسوفيتش” الذي توفي عام 2006 خلال محاكمته في لاهاي، الحرب على الجمهورية حديثة الاستقلال.

نجح البوسنيون في تنظيم أنفسهم سريعا، وأنشأوا جيشا وحكومة حرب لجمهوريتهم، وبدأوا كفاحهم الذي دفعوا ثمنه مقتل الآلاف، واغتصاب الآلاف من نساء البوسنة، بالإضافة إلى التعذيب الذي شهده من تم اعتقالهم في المعسكرات الجماعية، وهدم المنازل والمساجد والآثار التاريخية.

وتعرض البوسنيون لمذابح كان أكثرها وحشية مذبحة سربرنيتشا عام 1995، إلا أن العالم استمر في غض الطرف عن فظائع الحرب في البوسنة، إلى أن أسفر ضغط المجتمع الدولي عن توقيع اتفاقية دايتون للسلام في الأول من نوفمبر عام 1995، التي أدت إلى إنهاء الحرب.

فيلسوف مبدع

وبخلاف صورة القائد الرئيس، قدم بيغوفيتش مشروعا فكريا تجديديا للفكر الإسلامي في ظرف إقليمي شمل خضوع بلده للاحتلال الشيوعي، ومعاناة شعبه طويلا من ويلات الحرب. وكتب -بروح الأديب والفنان والفيلسوف الأوروبي المسلم- كتابه الأهم “الإسلام بين الشرق والغرب” في فترة سجنه، محاولا تجاوز صراع الحضارات لرؤية إنسانية تهتدي بوحي السماء.

ووصف المفكر المصري الراحل عبد الوهاب المسيري الرئيس الراحل بيغوفيتش بأنه “المجاهد المجتهد الوحيد في العالم الآن”. وأضاف المسيري أن بيغوفيتش كان مفكرا ورئيس دولة، “يحلل الحضارة الغربية ويبيّن النموذج المعرفي المادي العدمي الكامن في علومها وفي نموذجها المهيمن، ثم يتصدى لها ويقاوم محاولتها إبادة شعبه”.

قائد فريد

قاد علي عزت بيغوفيتش شعبه خلال سنوات الحرب، ورغم سوء وضعه الصحي، استمر في قيادة بلاده خلال فترة تعافيها من آثار الحرب، إلى أن خرج من رئاسة البوسنة والهرسك عام 2000.

وفي 19 أكتوبر عام 2003، وبعد معاناة مع المرض، توفي “القائد الحكيم” ودفن بناء على وصيته في قبر بسيط بين قبور الشهداء في مقبرة “كوفاتشي”، بعد أن رفض خطة كانت تعدها الحكومة لبناء ضريح فخم له.

وبشكل عام، بدا الرئيس البوسني الراحل بيغوفيتش كأنه استثناءَ القرن 20 لمشكلات فكرة أفلاطون التي عبر عنها بوبر، فهو رئيس مثقف غير شمولي، وأسس حزبا فاز بالأغلبية البرلمانية بعد منافسة ديمقراطية، وشارك في حكم بلاده عضوا في مجلس الرئاسة البوسني من عام 1996 إلى عام 2000، ورئيسا للمجلس مرتين بالتناوب مع ممثلي الصرب والكروات، قبل أن يعتزل الحياة السياسية ويستقيل من المناصب الرسمية، ويكتب في مذكراته “إنما أنا رئيس انتخبه الشعب”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق