تحليل إخباري

فيضانات السودان.. لماذا اختلف رد الفعل العربي عن انفجار مرفأ بيروت

بدا واضحا كيف اختلف رد الفعل العربي تجاه كارثة انفجار مرفأ بيروت في 4 من أغسطس 2020، والتي أسفرت عن 190 قتيلًا و6500 مصاب وخسائر تتجاوز حاجز الـ15 مليار دولار.. عن رد الفعل الباهت الذي صاحب فيضانات السودان التي وقعت في أوائل سبتمبر 2020، وأسفرت عن أكثر من 100 شخص فقدوا حياتهم، وتدمير ما يقرب من 100 ألف منزل، وأضرار أصابت نصف مليون مواطن.

كارثتان عربيتان لم يفصل بينهما إلا أقل من شهر واحد، خلفا وراءهما عشرات الضحايا ومليارات الخسائر، لكن شتان بين التعاطي معهما، سواء من ناحية الزخم الإعلامي والتغطيات المستمرة لتفاصيلهما، محليًا وعربيًا ودوليًا، أو من ناحية الاستجابة الدولية والدعم المقدم من القوى الدولية والإقليمية كافة.

تعاطف انتقائي

انتقد المغردون على مواقع التواصل الاجتماعي ما أسموه بظاهرة “التعاطف الانتقائي” تجاه الأوضاع الكارثية في السودان بسبب الفيضانات المميتة التي وصلت لحد إعلان مجلس الأمن والدفاع بالسودان، أعلى هيئة أمنية في البلاد، اعتبار السودان منطقة كوارث طبيعية، كما أعلن حالة الطوارئ في كل أنحاء البلاد لمدة 3 أشهر.

ومند الواقعة، حاول ناشطو السودان بيأس حشد التعاطف بنشر صور ومقاطع فيديو توثق معاناة السودانيين بسبب الفيضانات ولكنها لم تشهد صدى يذكر، رغم وفاة نحو 100 شخص وتشريد أكثر من نصف مليون آخرين وانهيار أكثر من 100 ألف منزل جراء الفيضانات والأمطار التي فاقت معدلاتها الأرقام القياسية التي رصدت خلال عامي 1946 و1988.

لكن وقبل شهر واحد من فيضانات السودان، أقام مستخدمو منصات التواصل الاجتماعي، من كافة البلدان والأعراق والخلفيات، جنازة كبرى اتسمت بالتعاطف مع لبنان على خلفية انفجار مرفأ بيروت يوم 4 أغسطس الماضي. ولا يزال التعاطف يملأ الشبكات الاجتماعية حد اللحظة.

وقال معلقون إن كارثة السودان تعتبر مثالا حيا على التعاطف الانتقائي، مؤكدين أن بعض الكوارث تمتلك كاريزما تستحق الاهتمام كانفجار بيروت، وأخرى فقيرة وغير جذابة، كفيضانات السودان، وفق تعبير بعضهم الذين تداولوا صورا ومقاطع فيديو من السودان وصفوها بأنها “مؤلمة وقاسية”.

وقال معلقون إن “التعاطف الانتقائي هو نوع من أنواع العنصرية، فيما اعتبر آخرون أن “التعاطف الانتقائي خير دليل على النفاق العربي والدولي في أقذر صوره”، وشرح آخرون أن السبب هو الظلم الذي تعرض له السودان إعلاميا.

تجاهل متعمد

أما عربيا، فإن التجاهل الذي حدث لفيضانات السودان قد أثار أسئلة كثيرة وصلت حد الاتهامات وجهت لوسائل الإعلام بشتى أنواعها وجنسياتها جراء التناقض الواضح بين التغطية هنا وهناك، ورغم أن ما حدث في السودان كارثة هي الأخطر منذ عقود طويلة، والضحايا والخسائر في تزايد مستمر مع توقع استمرار تداعيات تلك الأزمة لفترات طويلة، الأمر الذي يجعلها على قائمة الاهتمامات الإعلامية من الناحية المهنية والموضوعية، فإن ذلك لم يجد صداه لدى غالبية المنصات الإعلامية العربية.

وفي الجهة المقابلة فإن سرعة رد الفعل الدولي والإقليمي حيال ما حدث في بيروت، والزخم السياسي الذي صاحب هذا التفجير لا يمكن مقارنته بأي حال من الأحوال مع حالة شبه التجاهل التي خيمت على المشهد السوداني، اللهم إلا بعض المساعدات الإنسانية العاجلة التي قدمتها دولة قطر.

ظاهرة عميقة

التعاطف، كما تصفه إيما ملكويني، الرئيسة التنفيذية لشركة “إلبي ديجيتال”، هو رد فعل لا شعوري في الدماغ تتحكم به خبرات الإنسان السابقة، وتشير ملكويني إلى أن موقعي فيسبوك وتويتر ساعدا في ظهور جيل أكثر تعاطفا من غيره. لكن التعاطف لا يشمل الجميع.

وقبل سنوات قليلة، نشر موقع “السخرية المصورة” المكسيكي، خارطة أظهرت تفرقة في التعامل مع الكوارث والاعتداءات التي تتعرض لها بلدان العالم، من حيث التعاطف والاهتمام الإعلامي والشعبي. وفي الخارطة احتلت الولايات المتحدة ودول غرب أوروبا المركز الأول، تلتها دول أميركا اللاتينية أو منطقة شرق أوروبا وأخيرا الشرق الأوسط وأفريقيا.

هذه الفجوات في التغطية الإعلامية تنشأ من تاريخ طويل من العنصرية، إذ إنه عادة لا يتفاجأ الأفارقة، وغيرهم من السود في جميع أنحاء العالم، من عدم تغطية الإعلام خاصة الغربي لمآسيهم، بحسب ما ذكرته كريستينا شارب، الأستاذة في جامعة تافتس، في كتابها “في اليقظة: على السواد والوجود” من أن السود في الولايات المتحدة وجميع أنحاء العالم يعيشون وكأنهم غير موجودين، وأن شبح العبودية جعل آلام السود وموتهم أمورا غير مفهومة بشكل أساسي بالنسبة للعالم.

ويشير تحليل شارب إلى أنّ السود لا يكتسبون التعاطف بسهولة، أيا كانت طريقة موتهم. وتعتقد أن الخرافات العنصرية تتحدى المعتقدات الأساسية المتمثلة في التعاطف الإنساني. ومنذ مدة يخوض السود في العالم نقاشات حادة لتغيير نظرة العالم إلى قضاياهم.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق