مسلسلات

قيامة أرطغرل.. مسلسل عائلي يعيد أمجاد العثمانيين الأوائل

دون تقدمة طويلة، يدخل مسلسل قيامة أرطغرل (بالتركية: Diriliş: Ertuğrul)، في الموضوع مباشرة.. فمنذ اللقطة الأولى ترتسم العقدةباعتداء جنود بيزنطيين على مسلم سلجوقي وابنته، قبل أن ترفع الفتاة رأسها إلى السماء طالبة النصرة، ليخترق سهم أرطغرل صدر الجندي الواقف بين قدميها، مع موسيقى ملحمية عظيمة، وصوت أجش ينادي في تحد مهيب: مدد يا رب!

هكذا، وبمداعبة واضحة لمشاعر الملايين من المسلمين الذي يعانون حالة من الهزيمة النفسية والحضارية غير المسبوقة، ينجح أرطغرل في الحصول على اهتمام ملايين المشاهدين في العالم، لا سيما البلدان العربية، ليعود العمل ويؤكد على أن نجاحه لم يكن محض صدفة أو بروبوجندا انطلاق ناجح.

ولايتي حلب وأنطاكيا، في زمن الصراعات والنزاعات بين الإمبراطوريات العظمى في المنطقة، ففي وقت كان المغول والروم يتنازعان على المنطقة، جاءت قبائل التركمان لتبحث عن قطعة أرض تأوي إليها، فكانت الانطلاقة العظمي، بعد تأسيس عميق.

يعرض المسلسل إرهاصات قيام الدول، وطرائق بناء المجد واستعادة العزة على الطريقة العثمانية، وتتماثل تلك الحالة التي يعرضها العمل كثيرا مع ما يحتاجه الواقع العربي هذه الأيام، إذ في المسلسل -وكما اليوم- كان المسلمون يعانون الكثير، وكان العالم بانتظار قائد بطل؛ حيث ظهر أرطغرل متحديًا الظروف كافة.

وهكذا، يستعرض المسلسل صراعات أرطغرل مع الخيانة والجواسيس والمحاربين الأشداء، في رحلة محفوفة بالخطر والخديعة والألم. كما يرصد -من جهة أخرى- الصداقة والتضحية والإيثار والشجاعة والجرأة والحب، وأثرها في قيام الدولة الناشئة واستمرار شوكتها رغم ما يحاك ضدها من مؤامرات.

عبقرية التنفيذ

تكمن عبقرية أرطغرل في أمور عدة، أبرزها المحافظة على اضطراد العقدة وتصاعدها حلقة بعد حلقة، فالفتاة التي كاد الجنود الصليبيون أن يعتدوا عليها لولا تدخل أرطغرل، ستصبح بعد قليل زوجته، وبطلة رئيسة في مسار الأحداث.

أما العنصر الآخر الأكثر أهمية في بقاء حضور المسلسل لدى القاعدة الجماهيرية المتابعة له، فهو تظافر مكونات العمل كله لإبراز بطولة أرطغرل عبر توظيف كافة المؤثرات الكتابية والتصويرية والموسيقية والفنية لإخراج أرطغرل في أبهى صورة ممكنة.

الموسيقى أيضا تلعب دورا فاعلا في الزخم الأرطوغولي، فانتقاء مقطوعات ملحمية تداعب مشاعر الافتخار والتقدير لوجه أرطغل الذي لا يغيب عن الشاشة إلا قليلا، فكل الممثلين إلى جواره هامشيون، وهو وحده حلال العقد الدائم الذي يظهر في الوقت المناسب تماما، ودائما.

وانتقاء الممثلين تم بعناية فائقة، فقد أبدع المخرج في اختيار الشخصيات لجعل الأداء متقنًا جدًا وليس به ثغرات خطيرة، كما أن الممثلين قد خضعوا لدورات في تأهيل ركوب الخيل ورماية السهام واستخدام السيف بشكل منتظم وأغلبهم قد خاض تجارب تمثيل في مسلسلات تاريخية أخرى.

لكن الأهم -بحسب مخرج المسلسل- أن الأداء التمثيلي قد خرج بهذا الإتقان لأن المخرج والممثلين كان لديهم وعي تام بحقيقة حياة أجدادهم وخصوصيتهم وطبائعهم وشخصياتهم وعلاقتهم مع بعضهم البعض، وبدا واضحا مقام الفخر الذي يعتليه الممثلون في أداء تلكم الأدوار.

مساحة شغف

نقطة أخرى تبدو مهمة في مسار ما يمكن أن نسميهالتمدد الفني الوجداني الأرطغرلي، يتمثل في هوى قطاع كبير من المسلمين في العالم بالخلافة العثمانية، وخوضهم للدفاع عنها في كل محفل ثقافي، وهو الأمر الذي يعفيهم العمل الفني المتقن عنه، إذ إن أرطغرل خير مدافع عن تجربة أصحابه التي استعرضها بشكل ملحمي مهيب.

وبسبب معاناة المسلمين من موجات هجوم متلاحقة خلال قرنين، بدا وكأن تاريخ المسيرةالإسلامية قد اهتز أمام حملات التشكيك والتهوين، وهو الأمر الذي بدا مسلسل أرطغرل آخر ما يمكن التشبث به لإثبات العكس بطريقة حديثة معاصرة لها من القبول والانتشار الحظ الكبير.

وفي ظل واقع أصبحت فيه كلمة الخلافة تستدعي في نفوس السامعين إرهاب تنظيم الدولة وجرائمه، فإن أرطغرل يستعرض الخلافة من زاوية أكثر احتراما وتبجيلا، ويستبدل الداعشية البغيضة بالعثمانية الرحبة التي كانت تقف ذات يوم على رأس المنطقة العربية بأكملها.

لقد جاء المسلسل مُسعِفاً للحالة الإسلامية وأعاد الهيبة لمُعتنقيها خاصةً في ظلِّ حمَلاتِ تشويهٍ متتالية؛ فيقدم المسلسل رؤية أكثر واقعية لكلمة “الله أكبر” التي تم تشويهها في عصرنا الحالي، مبرزا كيف أنها تبث روح العزة والكرامة والأمل في نفوس المسلمين، بما تحمله من عظمةِ وصدق.

عامل سياسي

لكن عاملا سياسيا يقف أيضا وراء انتشار التجربة الأرطغرلية في منطقة الشرق الأوسط، إذ إن وقوف تركيا وقيادتها إلى جوار ثورات الربيع العربي، جعل عددا كبيرا من المتابعين يرون في متابعته ردا للجميل التركي، وهو أمر لا يكاد يبدو طبيعيا، لكن عقلية الجماهير لها طقوسها الأكثر جنونية دائما وهذه الملاحظة تفتح الباب في تأثر العقل الجمعي والوعي العام الباطن منه والظاهر.

إن المسلسل يُداعب بشكلٍ كبيرالآمال والطموحات التركية في إحياء الإرث العثماني، ولا يَخفى أن ذلك يتوافق مع السياسة التركية العامة، فالرئيس الحالي رجب طيب أردوغان نفسه كثيرا ما يستجلب الأمجاد العثمانية في خطاباته ومواقفه السياسية، ذلك أمر لاقى استحسانا كبيرا في نفوس المشاهدين المتخذين الموقف ذاته من ثورات الربيع العربي.

قد تبدو تلك النزعة العثمانية الطاغية في أن المسلسل حوىعددا من المغالطات التاريخيةالمتعمدة، كتجاهُل المسلسل لدور الخلافة العباسية والعرب بشكل تام، وتقليص دور الدولة الأيوبية في التّصدي للحملة الصليبية الخامسة ١٢١٨م، فأظهر أن هذه القبيلة الصغيرة هي مَن تصدَّت للحملات الصليبية الضخمة وحدها.

وإن كانت الأعمال الفنية ذات الأهداف المحددة لا تستطيع التفصيل في كل الأدوار التاريخية بدليل أن السلاجقة الأتراك لم يظهر دورهم بما يناسب جهدهم التاريخي والعذر عن كاتب السيناريو أن المسلسل يعالج حقبة تاريخية معينة يركز فيها على الظروف المصاحبة لميلاد الدولة العثمانية وقد وجدت إشارات للدور العربي للإلهام الروحي حيث مثلت شخصية (ابن عربي) الرمز الذي يمكن أن يصنعه العرب في قوة تركيا فالعرب المخلصون الصادقون هم مصدر الإلهام الكبيرفي فهم القرآن الكريم والسيرة النبوية .. وقد دار جدل حول شخصية (ابن عربي) فهو شخصية مختلف عليها في الثقافة الدينية العربية ولكنها في المسلسل هي شخصية أعمق من هذا الخلاف فهي لا تخاطب العرب بشكل أساسي وإنما الأغلب أنها تخاطب الوجدان التركي أكثر هذا الذي هو وجدان يعمل فيه العرفان الصوفي عمله بتأثير مُجْدٍوقد يكون من بين أهداف ذلك تغيير الصورة النمطية لتركيا العلمانية عن العرب الذين حاولت هوليود ربط صورتهم الذهنية في العالم ببراميل البترول وصالات القمار والتخلف والإرهاب فجاءت شخصية (ابن عربي) لتقول للأتراك لا تفكروا بطريقة هوليودية عن العرب وإنما فكروا بطريقة أرطغرلية فها هو ابن عربي (الرجل المنسوب للعرب مرتين!) يقدم تعاليم الدين الإسلامي عذبة نقية بسيطة ويقدم السلام للقبائل التركية ويقوم بالطقوس الدينية ممزوجة بروح النصيحة والبساطة في التعامل مع الملوك ومع العامة؛ ومع ذلك لا يمكن حصر دور العرب في هذه الومضة المشرقة فكان يمكن للمسلسل أن يوسع الدور العربي والكردي والفارسي أكثر من هذا.

مسلسل عائلي

أيضا، فإن عدم الإسفاف والإباحية في العمل أسهم بشكل كبير في قبوله عائليا لدى المجتمع العربي المحافظ، بدا ذلك واضحا في حديث كثير من الشباب حول حث والديهم الدائم على متابعة المسلسل والدعوة إلى مشاهدته.

ثم إن المسلسل عائليّ لا يمُس أي قضايا خِلافية بينَ الطوائف المسلمة، بالرغم مِن تسليط الضوء على دورِ الجماعات المتصوفة في خدمةِ الدولة الإسلامية ودور الشيوخ العارفين في اتخاذ القرارات الصعبة، لكن تم عرضها بطريقة سمحت بتقبل الفكرة حتى من قِبَل المعادين للتّصوف.

مغايرة للمعهود

إن المسلسلات التركية الحديثة التي غزت الشاشات العربية، وظفت مكانة المرأة في نمط الباحثة عن إشعال شهوات الرجال فضلا عن كمّ الفحش الذي تم تدجينه في النص الفني ليصبح اعتياديا وروتينا.

إلا أن المسلسل نجح في انتخاب ظهور مبدع منصف لشخصية المرأة في “قيامة أرطغرل”، فالبطلات اجتمعن ليخبرن أن المرأة المسلمة في الوعي التركي غير ما تم تسويقه لنا في دراما العشق الممنوع.

نرى المرأةَ في دورها الفعال والقياديّ الواضح بل وحتى اللباس الإسلامي المهذَّب الذي لا يُقصيها عن الوسط فأعطاها جمالية وجاذبية تليق بها كمرأةٍ مسلمةٍ مُتحضّرة.

في النهاية، يرى متابعو العمل أنه أظهر عقيدة المسلم الصحيحة، وكيف أنّ أرطغرل لم يمتعض يومًا من كثر البلاء، بل ويقينه أيضًا بأن لا راحة له ولا لقبيلته في هذه الدنيا، تلك المشاعر التي يعيش بها جمهور إسلامي كبير في المنطقة العربية بعد تراجع الفعللثورات الربيع العربي والاستقرار النسبي الظاهرلبعض أنظمة البطش والثورة المضادة.. بعبارة أخرى، إن مسلسل أرطغل هو واقع من آلام وآمال يعيشهااليوم أناس كثيرون على أمل تجاوز منحدراته وتحقيق طموحاته يوما ما.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق