شخصيات

مارتن لوثر كينغ.. مناضل أشعل بموته فتيل الحرب على العنصرية

“أخي الإنسان في كل مكان، إنك لست فقط محاسباً على ما تقول ، أنت محاسب أيضاً على ما لم تقل حيث كان لابد لك أن تقول.. في النهاية، لن نذكر كلمات أعدائنا، بل صمت أصدقائنا”.. بهذه الكلمات الصادقة، ألهب الناشط السياسي الشاب مارتن لوثر كينج المولود في 15 يناير 1929 بأتلانتا في جورجيا بالولايات المتحدة، في خطابه الأشهر عام 1963 قرب نصب لنيكولن التذكاري، ضمن أكبر مظاهرة في تاريخ الحقوق المدنية.
يبدو من الصعب وضع اسم مارتن لوثر تحت تصنيف واحد، فهو مدافع عن الحقوق المدنية،  وعالم عقيدة،  وداعية،  وكاهن،  وكاتب،  وقس،  وداعٍ إلى السلم،  وناشط حقوقي،  وناشط سلام ، وعضو في الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم،  وحامل لبكالوريوس في الفنون، ودكتوراه في الفلسفة، وزوج بار بزوجته كوريتا سكوت كينغ (18 يونيو 1953–4 أبريل 1968)، وأب حنون لأربعة أبناء هم يولاندا،  ومارتن الثالث،  ودكستر سكوت،  وبرنيس.
لكن يمكن القول بشيء من الإيجاز المخل لتاريخ صاحبه أن مارتن كان زعيمًا أمريكيًّا من أصول إفريقية، وناشطًا سياسيًّا إنسانيًّا، من المطالبين بإنهاء التمييز العنصري ضد السّود في عام 1964 م حصل على جائزة نوبل للسلام، وكان أصغر من يحوز عليها، بعدما اعتُبر من أهم الشخصيات التي ناضلت في سبيل الحرية وحقوق الإنسان.
أسس لوثر زعامة المسيحية الجنوبية ، وهي حركة هدفت إلى الحصول على الحقوق المدنية للأفارقة الأمريكيين في المساواة ، وراح ضحية قضيته التي رفض فيها العنف بكل أنواعه ، وكان بنفسه خير مثال لرفاقه وللكثيرين ممن تورطوا في صراع السود من خلال صبره ولطفه وحكمته وتحفظه حتى أنه لم يؤيده قادة السود الحربيين، وبدؤوا يتحدّونه عام 1965م.
طفولة صعبة في ظل العنصرية
في مدينة أتلانتا التي كانت تعج بأبشع مظاهر التفرقة العنصرية، كان يغلب على الصبي (مارتن) البكاء حينما يقف عاجزاً عن تفسير لماذا ينبذه أقرانه البيض، ولماذا كانت الأمهات تمنعن أبناءهن عن اللعب معه. ولكن الصبي بدأ يفهم الحياة، ويعرف سبب هذه التصرفات، ومع ذلك كان دائما يتذكر قول أمه “لا تدع هذا يؤثر عليك بل لا تدع هذا يجعلك تشعر أنك أقل من البيض فأنت لا تقل عن أي شخص آخر”.
مضت السنوات ودخل كينغ المدارس العامة في سنة 1935، ومنها إلى مدرسة المعمل الخاص بجامعة أتلانتا ثم التحق بمدرسة “بوكر واشنطن”، وكان تفوقه على أقرانه سبباً لالتحاقه بالجامعة في آخر عام 1942، حيث درس بكلية مورهاوس التي ساعدت على توسيع إدراك كينغ لنفسه والخدمة التي يستطيع أداءها للعالم.
وفي سنة 1947 تم تعيينه مساعدًا في كنيسة أبيه، وصار قس معمداني ، ثم حصل على درجة البكالوريوس في الآداب في سنة 1948، ولم يكن عمره تجاوز 19 عاما، وحينها التقى بفتاة سوداء تدعى “كوريتاسكوت”، وتم زفافهما عام 1953، ثم حصل على الدكتوراة في الفلسفة من جامعة بوسطن .
وفي عام 1951م حصل على بكالوريوس في اللاهوت ، وفي عام 1955م حصل على درجة الدكتوراه في التخصص نفسه، ودرس في الأيام الأولى من حياته الجامعية أعمال الكاتب الأمريكي ثورو الذي كان يؤمن بالعصيان المدني.

بداية الرحلة
في شهر سبتمبر سنة 1954م قدم مارتن وزوجته إلى مدينة مونتجمري التي كانت ميدانا لنضال مارتن، إلى أن جاء يوم الخميس الأول من ديسمبر 1955، حيث رفضت السيدة روزا باركس وهي سيدة سوداء أن تخلي مقعدها لراكب أبيض، فما كان من السائق إلا أن استدعى رجال الشرطة الذين ألقوا القبض عليها بتهمة مخالفة التعليمات، فكانت البداية لقضيته.
كانت الأوضاع تنذر برد فعل عنيف يمكن أن يفجر أنهار الدماء لولا أنّ مارتن لوثر كينغ اختار للمقاومة طريقا آخر غير الدم. فنادى بمقاومة تعتمد على مبدأ “اللا عنف” أو “المقاومة السلمية” على طريقة المناضل الهندي مهاتما غاندي . وكان يستشهد دائماً بقول السيد المسيح : “أحب أعداءك واطلب الرحمة لمن يلعنونك، وادع الله لأولئك الذين يسيئون معاملتك”.
وكانت حملته إيذاناً ببدء حقبة جديدة في حياة الأمريكان ذو الأصول الأفريقية. فكان النداء بمقاطعة شركة الحافلات امتدت عاما كاملاً أثر كثيراً على إيراداتها، حيث كان الأفارقة يمثلون 70 % من ركاب خطوطها، ومن ثم من دخلها السنوي.
لم يكن هناك ما يدين مارتن، فألقي القبض عليه بتهمة قيادة سيارته بسرعة 30 ميلاً في الساعة في منطقة أقصى سرعة فيها 25 ميلاً، وألقي به في زنزانة مع مجموعة من السكارى واللصوص والقتلة. كان هذا أول اعتقال لمارتن لوثر كينغ أثر فيه بشكل بالغ العمق، حيث شاهد وعانى بنفسه من أوضاع غير إنسانية، إلى أن أُفرج عنه بالضمان الشخصي.
وبعدها بأربعة أيام فقط وفي 30 يناير 1956م ، كان مارتن يخطب في أنصاره حين ألقيت قنبلة على منزله كاد يفقد بسببها زوجته وابنه، وحين وصل إلى منزله وجد جمعا غاضبا من الافارقة مسلحين على استعداد للانتقام، وأصبحت مونتجمري على حافة الانفجار من الغضب، ساعتها وقف كينغ يخاطب أنصاره: “دعوا الذعر جانبا، ولا تفعلوا شيئا يمليه عليكم شعور الذعر، إننا لا ندعو إلى العنف”.
وبعد أيام من الحادث أُلقي القبض عليه ومعه مجموعة من القادة البارزين بتهمة الاشتراك في مؤامرة لإعاقة العمل دون سبب قانوني بسبب المقاطعة، واستمر الاعتقال إلى أن قامت 4 من السيدات من ذوى أصول افريقية بتقديم طلب إلى المحكمة الاتحادية لإلغاء التفرقة في الحافلات في مونتغمري، وأصدرت المحكمة حكمها التاريخي الذي ينص على عدم قانونية هذه التفرقة العنصرية، وساعتها فقط طلب كينغ من أتباعه أن ينهوا المقاطعة ويعودوا إلى استخدام الحافلات ” بتواضع ودون خيلاء”، وأفرج عنه لذلك.
بعد شهر من ذلك ، نُسف منزل كينغ بالديناميت على أيدي البيض ، وهنا شكّل كينغ مؤتمر القيادة المسيحي الجنوبي لنشر الأسلوب الذي اتبعه سود مونتغمري إلى كل أنحاء الجنوب.. وقد سجن كينغ عام 1960م، مثل غاندي تماماً، بسبب حملات الاحتجاج السلمية ضد التمييز العنصري ، وبدأ يطالب الحكومة الفيدرالية باتخاذ الإجراءات اللازمة ضد الظلم.

انتزاع حق الانتخاب
في يونيو 1957 أصبح مارتن لوثر كينغ أصغر شخص وأول قسيس يحصل على ميدالية “سينجارن” التي تعطى سنوياً للشخص الذي يقدم مساهمات فعالة في مواجهة العلاقات العنصرية، وكان في السابعة والعشرين من عمره.
وبهذه المناسبة وأمام نصب لنكولن التذكاري وجه كينغ خطابه الذي هاجم فيه الحزبين السياسيين الرئيسيين (الجمهوري والديمقراطي) وردد صيحته الشهيرة: “أعطونا حق الانتخاب”، ونجحت مساعيه في تسجيل خمسة ملايين من الأمريكان ذو الأصول الأفريقية في سجلات الناخبين في الجنوب.
وبعد تولي “كيندي” منصب الرئاسة ضاعف كينغ جهوده المتواصلة لإقحام الحكومة الاتحادية في الأزمة العنصرية المتفاقمة إلا أن جون كيندي استطاع ببراعة السياسي أن يتفادى هجمات كينغ الذي كان لا يتوقف عن وصف الحكومة بالعجز عن حسم الأمور الحيوية. ومن هنا قرر كينغ في أواخر صيف عام 1963 بدء سلسلة من المظاهرات في برمنجهام، وعمل على تعبئة الشعور الاجتماعي بمظاهرة رمزية في الطريق العام، وفي اليوم التالي وقعت أول معركة سافرة بين السود المتظاهرين ورجال الشرطة البيض الذين اقتحموا صفوف المتظاهرين بالعصي والكلاب البوليسية الشرسة ، لكن المشهد كان على مرأى من كاميرات التلفاز ، ولم يعد ممكناً تعمية الأخبار على الناس.
صدر أمر قضائي بمنع كل أنواع الاحتجاج والمسيرات الجماعية وأعمال المقاطعة والاعتصام؛ فقرر كينغ لأول مرة في حياته أن يتحدى علانية حكما صادرا من المحكمة، وسار خلفه نحو ألف من المتظاهرين الذين كانوا يصيحون “حلت الحرية ببرمنجهام”، وألقي القبض على كينغ وأودعوه سجنا انفراديا، وحرر خطابا أصبح فيما بعد من المراجع الهامة لحركة الحقوق المدنية، وقد أوضح فيه فلسفته التي تقوم على النضال في إطار من عدم العنف.

إخضاع البيض للمفاوضات
وبعد خروجه بكفالة واصل قيادته للحركة، ثم برزت له فكرة تتلخص في هذا السؤال: ماذا أنت صانع بالأطفال؟ إذ لم يكن إلا القليلون على استعداد لتحمل المسؤولية التي قد تنشأ عن مقتل طفل، ولكنه لم يتردد كثيراً فسمح لآلاف من الأطفال باحتلال المراكز الأمامية في مواجهة رجال الشرطة والمطافئ وكلاب شرطية متوحشة فارتكبت الشرطة خطأها الفاحش ، واستخدمت القوة ضد الأطفال الذين لم يزد عمر بعضهم عن السادسة، ثم اقتحم رجال الشرطة صفوفهم بعصيهم وبكلابهم؛ مما أثار حفيظة الملايين، وانتشرت في أرجاء العالم صور كلاب الشرطة وهي تنهش الأطفال.
وبذلك نجح كينغ في خلق الأزمة التي كان يسعى إليها، ثم أعلن أن الضغط لن يخف، مضيفاً : “إننا على استعداد للتفاوض، ولكنه سيكون تفاوض الأقوياء فلم يسع البيض من سكان المدينة إلا أن يخولوا على الفور لجنة بالتفاوض مع زعماء الأفارقة، وبعد مفاوضات طويلة شاقة تمت الموافقة على برنامج ينفذ على مراحل بهدف إلغاء التفرقة وإقامة نظام عادل وكذلك الإفراج عن المتظاهرين.
غير أن غلاة دعاة التفرقة بادروا بالاعتداء بالقنابل على منازل قادة الافارقة؛ فاندفع الشباب الأفارقة الغاضبين لمواجهة رجال الشرطة والمطافئ، وحطموا عشرات السيارات، وأشعلوا النيران في بعض المتاجر، حتى اضطر الرئيس جون كنيدي لإعلان حالة الطوارئ في القوات المسلحة، وسارع كينغ محاولا أن يهدئ من ثائرة المواطنين، وكان عزاؤه أن من اشتركوا في العنف من غير الأعضاء النشطين المنتظمين في حركة برمنغهام، وما لبث أن قام بجولة ناجحة في عدة مدن كشفت عن البركان الذي يغلي في صدور الأفارقة السود تحت تأثير مائة عام من الاضطهاد.

اتحاده مع زعماء آخرين
في 26 مارس عام 1964، اتحد مارتن مع زعماء الأمريكان الأفارقة مثل زعيم المسلمين الأفارقة مالكوم إكس بكل آرائهم ومعتقداتهم الدينية لمواجهة عدوهم المشترك سويا.
وفي عام 1964م صدر قانون الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الأمريكية ، وفي العام نفسه أطلقت مجلة “تايم” على كينغ لقب “رجل العام” فكان أول رجل من أصل أفريقي يمُنح هذا اللقب، ثم حصل في عام 1964 على جائزة نوبل للسلام لدعوته إلى اللاعنف، وسهّل الأمر أنّه قسيس، فكان بذلك أصغر رجل في التاريخ يفوز بهذه الجائزة (35 عاما).

لدي حلم
تعتبر خطبته المسماة “لدي حلم” من أشهر الخطب التي ألقاها من حيث المحتوى والحضور الجماهيري؛ فهذه الخطبة الشهيرة ألقاها في 1963 وحضرها حشد جماهيري من المواطنين البيض والسود المناهضين للتمييز العنصري، والتي استمدها من وثيقة الاستقلال التي صاغها توماس غرافسن عام 1776، ومضمونها المساواة بين البشر: “لدي حلم جذوره في الحلم الأميركي، فالحقيقة ظاهرة للعيان بأن جميع الناس خلقوا سواسية”، “إن أبناء العبيد وأبناء مالكي العبيد في سهول جورجيا سيحلون جمعياً على طاولة الأخوة، لدي حلم بأن أبنائي الأربعة سيعيشون مستقبلاً في وطن لا يؤسس نظرته لهم على أساس من لون بشرتهم بل على شخوصهم. لدي حلم بأنه في ألاباما حيث العنصرية البغيضة ستتشابك أيدي البنات والأولاد السود مع أيدي البنات والأولاد البيض كأخوة وأخوات”.
ولم يتوقف عن مناقشة قضايا الفقر السود وعمل على الدعوة إلى إعادة توزيع الدخول بشكل عادل إذ انتشرت البطالة بين الافارقة، فضلا عن الهزيمة السنوية التي يلقاها الافارقة على أيدي محصلي الضرائب والهزيمة الشهرية على أيدي شركة التمويل والهزيمة الأسبوعية على أيدي الجزار والخباز، ثم الهزائم اليومية التي تتمثل في الحوائط المنهارة والأدوات الصحية الفاسدة والجرذان والحشرات.

مارتن صوب سهام العنصرية
بسبب تلك النجاحات، أخذ اليمينيون يركّزون على كينغ، وعلى رأسهم مدير مكتب التحقيقات الفدرالي إدغار هوفر.. وحتى لحظة موت كينغ، ظلّ هوفر يلاحقه ويتنصت على مكالماته الهاتفية، ويحاول تجنيد عملاء لاختراق حلقته الداخلية. وشكّل هوفر وحدة خاصة لمتابعة كينغ ورجاله، واتهمه بأنه كان زير نساء ، وعميل للشيوعيين.
وفي اليوم الأول من شهر نيسان سنة 1968م، اتجه شاب يميني متطرف يدعى جيمس إيرل راي بالسيارة إلى مدينة ممفيس، وفي الطريق توقّف عند أحد المخازن التجارية حيث اشترى بندقية ذات منظار تلسكوبي وذخائر.
وفي ساعة المغيب من يوم 4 من شهر نيسان سنة 1968م ، اتّخذ استحكاماً بحيث يصوّب منه باتجاه غرفة كينغ من موتيل لوريان.
وبالفعل، في الساعة 6 ليلا، ظهر كينغ وهو يرتدي بذّة سوداء اللون، وكان يستعد للظهور أمام تجمّع جماهيري في تلك الليلة. استند كينغ إلى جدار الشرفة كي يتبادل الحديث مع مساعده جيسي جاكسون الذي كان يقف على الأرض.. فجأة دوى صوت طلقة ، وانفجرت حنجرة كينغ ثم سقط على أرضية الشرفة واندفع الدم من عنق كينغ.

رحيله وجنازته
في 9 أبريل سنة 1968م، جرت مراسيم جنازة جماهيرية في مدينة أتلانتا، ومثّلت بشكل رمزي تعاطف كينغ مع الفقراء. وبين الحضور في الجنازة، شاهد الناس جاكلين كينيدي زوجة الرئيس الأمريكي القتيل جون كينيدي، كما تأجل افتتاح الموسم السنوي لكرة السلة على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية.
بعد أسبوع ، وقّع الرئيس الأمريكي ليندون جونسون قانون الحقوق المدنية الذي يضمن العدل والمساواة بين الأعراق والألوان والجنسين في جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية، ويلزم الإدارة الفدرالية بتنفيذ بنود ذلك القانون. وبعد 14 سنة ألغى ريغان آلية تنفيذ القانون بواسطة الإدارة الفيدرالية، ليمثل ذلك انتصارا نهائيا لقيم مارتن، التي لم يشهدها على حياة عينه بعدما اغتالته يد العنصرية اليمينة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى