تحليل إخباري

مناعة القطيع.. هل ما زالت تلك الاستراتيجية قادرة على الصمود بوجه كورونا؟

“الكثير من العائلات سيفقدون أحبابهم”.. بهذه الكلمات المؤثرة خرج رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون في خطاب متلفز بمنتصف مارس الماضي، ليعلن عن خطة بلاده في مواجهة فيروس كورونا المستجد، ليبرز بعدها مصطلح “مناعة القطيع” أو “المناعة بالعدوى”، كاستراتيجية مثلى في مواجهة الجائحة السارية.

فما هي مناعة القطيع؟ وكيف توصل العالم إليها؟ وهل تم تطبيقها فعلا سواء في الأزمة الراهنة أو عبر التاريخ؟ كيف جاءت نتائجها؟ وما نتائجها العكسية وآثارها الجانبية؟.. أسئلة كهذه وأكثر ثارت مع انتهاء خطاب جونسون، وسط حالة من الترقب لنتائج هذه الاستراتيجية في بريطانيا، التي سرعان ما انهارت بحسب بيان صادر عن الأمم المتحدة، وسط الانتشار الواسع للفيروس الذي أصاب جونسون نفسه!

 

ما هي مناعة القطيع؟

تقوم فكرة “مناعة القطيع” (بالإنجليزية: herd immunity)‏  على ممارسة الحياة بشكل طبيعي، بحيث يصاب معظم أفراد المجتمع بالفيروس، وبالتالي تتعرف أجهزتهم المناعية عليه، ومن ثّم تحاربه إذا ما حاول مهاجمتها مجددا، لكن المختصين يحذرون من هذه الاستراتيجية التي تسبب صعودا ضخما في منحنى الإصابات، وعجزا بالقطاع الطبي عن رعاية المصابين في ظل إغراق المستشفيات بالمرضى.

 

ماذا يقول العلم؟

مناعة القطيع من الناحية العلمية، هي شكلٌ من أشكال الحماية غير المُباشرة من مرضٍ معدٍ، وتحدث عندما تكتسبُ نسبةٌ كبيرةٌ من المجتمع مناعةً لعدوًى معينة، إما بسبب الإصابة بها سابقًا أو التلقيح، مما يُوفر حمايةً للأفراد الذين ليس لديهم مناعةٌ للمرض، وإذا كانت نسبةٌ كبيرةٌ من السكان تمتلك مناعةً لمرضٍ معين، فإنه يُساعد في عدم نقل هؤلاء الأشخاص للمرض، وبالتالي يُحتمل أن تتوقف سلاسل العدوى، مما يؤدي إلى توقف أو إبطاء انتشار المرض.

وكُلما زادت نسبة الأفراد الذين لديهم مناعةٌ في المجتمع، كلما قل احتمال اختلاط الأفراد الذين لا يمتلكون مناعةً مع أشخاصٍ ناقلين للمرض، مما يُساعد على حمايتهم من العدوى.

قد يمتلكُ الأفراد مناعةً إما بعد الشفاء من عدوًى مُبكرة أو من خلال التلقيح ولكن  لا يستطيع بعضُ الأفراد تطوير مناعةً لأسبابٍ طبية، مثل نقص المناعة أو تثبيط المناعة؛ لذلك تعدُ مناعة القطيع مهمة لهذه الفئة من الأفراد، حيثُ تُعتبر وسيلة حمايةً مصيريةٍ لهم.

وعند الوصول إلى حدٍ مُعين، فإنَّ مناعة القطيع تقضي تدريجيًا على المرض بين السكان، وإذا حصلت إزالة المرض في جميع أنحاء العالم، فإنها قد تؤدي إلى انخفاضٍ دائمٍ في عدد حالات العدوى حتى تصل إلى صفر، وحينها يُسمى بالاستئصال.

 

هل له سوابق تاريخية؟

لقد ساهمت مناعة القطيع التي أنشئت بواسطة التلقيح في استئصال مرض الجدري في عام 1977، كما ساهمت أيضًا في تقليل انتشار العديد من الأمراض الأخرى، لكن لا يُمكن تطبيق مناعة القطيع على جميع الأمراض، ويُمكن تطبيقه فقط على الأمراض السارية، أي أنَّ المرض قادرٌ على الانتقال من شخصٍ لآخر. مثلًا، مرض الكزاز يُعتبر مرضًا مُعديًا وليس ساريًا، بالتالي لا يُمكن تطبيق مناعة القطيع عليه.

وأصبح التلقيح الجماعي لإحداث مناعة القطيع شائعًا منذ ذلك الوقت، كما أثبت نجاحهُ في منع انتشار العديد من الأمراض المعدية. شكلت معارضة التلقيح تحديًا لمناعة القطيع، مما سمح باستمرار حدوث الأمراض التي يمكن الوقاية منها أو عودة ظهورها في المجتمعات التي لديها معدلاتُ تلقيحٍ غيرُ كافيةٍ.

 

 

مخاطر مناعة القطيع

عادةً ما تكون اللقاحات غير تامةٍ، حيثُ قد لا تُولد أجهزة المناعة لدى بعض الأفراد استجابةً مناعيةً كافيةٍ للقاحات لتوفير مناعةٍ طويلة الأمد؛ لذلك قد يكون بعض الذين تلقوا اللقاحات منقوصي المناعة. كما قد تمنع موانع اللقاح بعض الأفراد من أنَّ يصبحوا مُحصنين مناعيًا، لذلك وعلاوةً إلى عدم كونهم محصنين مناعيًا، فإنَّ الفرد منهم قد يكون أكثر عرضةً للإصابة بمضاعفات العدوى بسبب حالتهم الطبية، ولكنهم قد يظلون محميين إذا كانت نسبةٌ كبيرة من السكان محصنةٌ مناعيًا.

قد يؤدي وجود مستوياتٍ مرتفعةٍ من المناعة في فئةٍ عمريةٍ محددة إلى تكوين مناعة قطيعٍ لمجموعاتٍ عمريةٍ أُخرى. ولذلك فإنَّ تلقيح البالغين ضد السعال الديكي يُقلل من حدوث السعال الديكي عند الرضع الصغار الذي لا يُمكن تلقيحهم، والذين يُعتبرون أكثر عرضةً لخطر مضاعفات المرض. يُعتبر هذا الأمر مهمًا خصوصًا لأفراد الأسرة، والذين يمثلون معظم حالات انتقال العدوى إلى الرضع الصغار.

كما تعملُ مناعة القطيع نفسها ضغطًا تطوريًا على بعض الفيروسات، مما يؤثر على التطور الفيروسي، حيثُ يشجع إنتاج سلالاتٍ جديدة، ويُشار إليها باسم طفرات الهروب (بالإنجليزية: escape mutants)‏، حيث تكون قادرةً على الهروب من مناعة القطيع والانتشار بسهولةٍ أكبر. على المستوى الجزيئي، فإنَّ الفيروسات تهربُ من مناعة القطيع، والذي يحصل عندما تتراكم الطفرات في جزءٍ من جينوم الفيروس والذي يشفر لمولد الضد السطحي للفيروس، وعادةً ما يكون بروتينًا من قفيصة الفيروس، مما يؤدي إلى تغيير في الحاتمة الفيروسية.

 

 

هل تم تطبيقه خلال الأزمة الراهنة؟

عدة دول قررت اعتماد إستراتيجية مناعة القطيع؛ في مقدمتهم بريطانيا والسويد، لكن مع تفاقم عدد الوفيات بالبلدين نتيجة هذه الاستراتيجية؛ أجبرهما على التراجع عن إقرارها، والبدء فورًا في إجراءات حجر صحي عاجلة وشاملة وعنيفة.

وبالرغم من معاناة بريطانيا من اتباع سياسة “مناعة القطيع” وتراجعها المتأخر عن اتباعها بعد الانتقادات الواسعة التي تعرضت لها الحكومة، إلا أن السويد فاجأت العالم بالإعلان عن انتهاج تلك السياسة، التي تهدف لترك المرض يتفشى في البلاد لإكساب الشعب مناعة جماعية.

وكانت النتائج صادمة، تصاعدت معدلات الإصابة والوفيات يوميا في السويد بوتيرة مخيفة، حتى وصل عدد الإصابات إلى أكثر من 12 ألف، والوفيات تخطى الـ 1203 شخص، وهو معدل أعلى بكثير من فنلندا والدنمارك والنرويج، المجاورين لها، نظرا لاتخاذهم تدابير وإجراءات وقائية مشددة عنها.

فعلى عكس جيرانها ومعظم أوروبا، لم تفرض السويد أوامر الإغلاق أو الحظر، بل دعت المواطنين إلى تحمل المسؤولية واتباع إرشادات التباعد الاجتماعي إلى جانب اتخاذ تدابير عادية مثل حظر التجمعات لأكثر من 50 شخصًا، ووقف زيارة دور المسنين.

بدورهم، وجه العلماء السويديون انتقادات لوكالة الصحة العامة في البلاد، وطالبوا الحكومة بإعادة النظر واتخاذ “إجراءات سريعة وجذرية”، في مقال نشر بصحيفة “داجنز نيهتر”، جاء فيه أن “السويد تسجّل وفيات أكثر بعشرة أضعاف مقارنة بفنلندا المجاورة”، مشدّدين على ضرورة اتخاذ التدابير والإجراءات المشددة التي اتّخذتها السلطات الفنلندية.

الضربة القاضية لمناعة القطيع جاءت في بريطانيا، في مطلع أبريل الجاري، حين تم حجز رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون في العناية المركزة بعد ثبوت إصابته بالفيروس، لتعلن بريطانيا أخيرا انتصار الفيروس على تلك الاستراتيحية، معلنة حالة الاستنفار العام، راجية ألا يكون الوقت قد تأخر كثيرًا.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى