كتب

ودخلت الخيل الأزهر.. سردية محمد جلال كشك للحملة الفرنسية

مسودة تلقائية

كثيرًا ما تحتوى كتب التاريخ على قصة الحملة الفرنسية لمصر، ولكنها تحتويها في سطور قليلة لا تبين حقيقتها أو يقوم بعض المفكرين المعاصرين بتحليلها وتقديمها بصفتها نقلة تاريخية حضارية لمصر، وليس احتلالا غاشما ومتعصبًا!

الكتاب الذي بين يدينا اليوم، “ودخلت الخيل الأزهر”، للمفكر الإسلامي محمد جلال كشك، صدرت طبعته الأولى في بيروت 1971، ثم صدرت طبعته الثالثة عن دار الزهراء للاعلام العربي عام 1990 في 529 صفحة، لا يقوم بسرد الأحداث فقط وإنما بتحليلها وتدعيمها بآراء مؤرخين أو باحثين غربيين وعرب.

يبدأ الكتاب بإلقاء نظرة على المجتمع المصري وعلاقته بالدولة العثمانية ليدخل بعدها إلى المهمة الحضارية التي جاء من أجلها (نابليون) إلى مصر ويتبعها خطوة بخطوة مرورًا بالمدفع والمنشور والثورة وغيرها من العناصر والأحداث والشخصيات التي امتلأ بها التاريخ قبل أن تمتليء بها صفحات هذا الكتاب.

ويمثل هذا الكتاب القيّم مرجعًا تاريخيًا يعتمد عليه ويتعرف من خلاله الشرق وفي مقدمته المفكرون المعتزون بهذه الحملة كيف دخلت الخيل الأزهر.

البداية.. الأزهر!

في أكتوبر من العام 1798 دخلت خيول الاحتلال الفرنسي الأزهر وأعمل جند نابليون السيف في شيوخ الأزهر وطلبة العلم، نُهبت الكتب ومزقت المخطوطات ثم اتخذوا من المسجد والجامعة إسطبلا للخيل. حتى تشفع الشيخ “الجوهري” الذي توجه بنفسه إلى نابليون طالبا خروج الخيل من الأزهر، ليأمر نابليون بالخروج من الأزهر ثم ألقى القبض على عدد من المشايخ والطلاب وقطع رؤوسهم.

كانت هذه هي المرة الأولى في تاريخ مصر، التي يهان فيها الأزهر بهذه الطريقة ويؤمر بإعدام شيوخه، وإنها المرة الأولى التي تحتل فيها مصر، وهي بداية عهدنا مع الاستعمار الأجنبي.

وما إن سقطت مصر بعد معركة إمبابة حتى أصبح المحتل وجها لوجه مع الأزهر، الذي قاد مقاومة عنيفة على مختلف المستويات من المقاومة التي قادها الشيوخ الكبار داخل المجالس التي شكلها نابليون لحكم مصر، إلى المقاومة الوطنية العنيفة التي قادها الشيوخ الصغار بالحركات السرية وأعمال المقاومة الشعبية، وتصاعد الصدام الذي انتهى بإغلاق أبواب الأزهر بعد مصرع (كليبر) على يد سليمان الحلبي أحد طلبة الازهر.

الأزهر.. هوية مصر

اقتنع الاستعمار أنه ما لم يتم تصفية الدور القيادي للأزهر فلا يمكن لأي استعمار أن يستقر على ضفاف النيل، ولا تكون هذه التصفية بإغلاق أبواب الأزهر أو احتلاله بالخيل، بل بإغلاق باب قيادته الفكرية للأمة وتغريب المجتمع من حوله حتى يصبح نشازا متخلفا بل ويصبح رمزا للتخلف وسببا للسخرية والتندر، وهذا الدور الذي لعبه رجل الاستعمار الغربي “محمد باشا” الملقب “بالكبير” مؤسس مصر الحديثة ومُسلمها فريسة عاجزة إلى الاستعمار الغربي.

ويدور كتاب محمد جلال كشك حول الحملة النابليونية على مصر في دراسة لتاريخ الحملة، ودراسة علاقة الشرق بالغرب الاستعماري الذي بدأ مع هذه الحملة، واختار دخول الخيل للأزهر للرمزية التي يحملها الأزهر ولما لهذه العبارة من وقع يشير إلى عمق الهزيمة التي منيت بها الأمة في الحملة والغزوات العسكرية والفكرية التي تلتها.

الحملة الفرنسية

بدأ كشك كتابه في مناقشة وجود مدرستين لتفسير التاريخ، أولها المدرسة الاستعمارية والتي تجعل من الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون في نهاية القرن الثامن عشر، هي بداية تاريخنا القومي وبداية الفكر العربي، أي بداية تحررنا من الاستعمار التركي وخروجنا من القرون الوسطى.

وتعتمد هذه المدرسة الاستعمارية على عدة مزاعم من هذه المزاعم محاولة عزل الحملة الفرنسية عن التاريخ الإمبريالي، باعتبارها حدث منعزل عن علاقة الشرق بالغرب وارتباطها بالثورة الفرنسية التي نشرها نابليون حيث غزا مع جيوشه في الشرق والغرب، وبالتالي التعامل مع هذه الحملة هو تعامل مع الثورة الجديدة في حينها والتي أخرجت العالم من القرون الوسطى.

يفند كشك هذا الزعم بإرجاعه إلى أصله التاريخي فهذا الادعاء لم يكن شائعا في عهد سيطرة الاستعمار ولكنه حديث متأثر بالفكر الماركسي الذي روج الاتحاد السوفيتي بحجة “المفهوم الأممي” في الثورة الشيوعية أي عالمية الفكرة الشيوعية وبالتالي إتباع القيادة الشيوعية دون اعتبارات وطنية، ولكن هذه الفكرة سقطت بسبب التناقضات القومية.

وتبين أن علاقة استعمارية حقيقية تقوم بين الدولة الشيوعية الكبرى والصغرى ومن ثم يهبط شيوعيو الدولة الصغرى إلى مرتبة العمالة للدولة الشيوعية الكبرى.

ثم يثبت من خلال مذكرات فرنسية أن استيلاء فرنسا على مصر هو جزء من سياسة فرنسا كدولة وليس ظاهرة مرتبطة بالثورة الفرنسية، بل من سياسة الدولة المتطلعة إلى السيطرة على التجارة في البحر المتوسط التي كانت تشرف عليها مصر، وهي بهذا الأطماع اقتصادية بحته تؤكد صفة الإمبريالية على الحملة الفرنسية.

قبل أن يختل الناموس

يبدأ هذا الفصل بالتساؤل التالي: هل كانت مصر مستعمرة تركية؟ يعتبر كشك أنه من الجهل العلمي وصف السلطة العثمانية بالاستعمار، لأن الاستعمار حالة من التطور الاقتصادي لم تصل لها الدولة العثمانية، حتى أن بعض الإسلاميين يتمنون لو أن الدولة العثمانية وصلت لهذه الحالة لتصبح دولة عظمى إسلامية بالمعايير العصرية، لكن هذا التمني في غير محله لأنه لا استعمار ممكن في دولة إسلامية، ولا الأتراك كانوا قادرين على دخول عصر الإمبريالية كإمبرياليين.

وبالتفسير العلمي لا يمكن إطلاق صفة استعمارية على دولة لم تحقق ثورتها الصناعية، ولم تكن تجارتها تشكل شيئا من التجارة المصرية بل كانت تستورد من مصر أكثر مما تصدر لها، وصادرتها لمصر خامات وصادرات مصر لها سلع مصنعة، ولا رؤوس أموال أو استثمارات تركية في مصر، ولم يكن هناك جيش تركي في مصر بل إن وصول حملة عثمانية إلى مصر يعني الحرب مع المماليك، وكانت العلاقة تقتصر على الخطبة للسلطان والدعاء له في المنابر، وحق السلطان في تعيين الباشا (الوالي) وحق الدولة العثمانية في الميري (الجزية).

نابليون والمهمة الحضارية

سأستعمر مصر!، هكذا قالها نابليون صريحة، سأستعمر مصر وأستورد الفنانين والعمال والممثلين والنساء وإن ست سنوات تكفي للذهاب إلى الهند لو سارت الأمور سيرا طيباً. وقد تحدث نابليون صراحة في مذكراته عن مخططه للاستعمار البشري لمصر من خلال ضبط مياه النيل وتحقيق الرخاء وتضاعف السكان أربع مرات بفعل المهاجرين الكثيرين من اليونان وفرنسا وإيطاليا وبولندا وألمانيا.

لكن الأمور لم تسر كما خطط لها نابليون الحالم بمجد كمجد الاسكندر، لأن المصريون أبناء الأمة الإسلامية رفضوا مهمة نابليون الحضارية، وعرفوا دون الكثير من الجدل أنه قادم (لاستعمار مصر)، فقاوموا هذا الاستعمار وأفشلوه.

المدفع والمنشور

يبدأ الفصل الثالث بشرح حالة التعبئة التي حصلت في القاهرة لمواجهة الغزاة الفرنسيين ويشبهها بالتعبئة العربية في هزيمة 1967، فقد توجه جميع العامة والشيوخ إلى بولاق حيث المعركة لمشاهدتها وارتفع سعر السلاح. وخليت الأسواق والأحياء من الرجال الذين توجهوا يحملون الطبول والزمامير إلى بولاق.

ثم يستفيض الكاتب في شرح مقاومة الشعب المصري بمختلف أصنافه المذكورة سابقا، وكيف كانوا يثورون في كل منطقة على الجنود الفرنسيين قبل دخولهم وبعد دخولهم للمنطقة ووقعت الثورات تلو الثورات في الريف وفي صعيد مصر في أول ثورة فلاحين عرفها الشرق، فقد كانت مصر بكرا لم تلوث بعد بالفكر الغربي لهذا ثار الجميع ورفض الوجود الأجنبي، كما هو العادة تبدأ الأعمال الانتقامية من الغزاة لإخماد الثورات فوقعت مجزرة دمنهور التي راح ضحيتها نحو 1500 من الرجال والنساء قتلا وحرقا.

وثارت مدينتي

بعد احتلال القاهرة بدأ الغزاة مهمتهم فأخذوا يسرقون الكنوز والخبايا من القصور، ويأتون بالخدم والمهندسين فيدلونهم على الخبايا في قصور أسيادهم، وأخذ الفرنسيون يقبضون على اللصوص “غير الرسميين” بينما يؤدون مهمتهم في النهب والتفتيش.

وثارت القاهرة -ولم  تكن  ثورة اقتصاد- فقد كان الطعام متوفرا وكانت الثورة من العامة الذين لا يدفعون الضرائب، ولم تكن ثورة من أجل دعم بقايا المماليك أو السلطان لم يكن أحد من العامة يأمن لهم أو يحاول مساعدتهم، ولكنها ثورة تحررية من المستعمر توصف بالعادة من الغزاة بالتعصب الديني وهنا نقع في هذا الفخ كما يقول الكاتب فنحاول نفي تهمة التعصب الديني عنها، وكأن تعصب الشعوب لدينها أمر غير طبيعي وكأن مقاومة المستعمر أمر شاذ بحاجة إلى تبرير!

المؤسسات الاستعمارية

إلى جانب عمليات القتل والتنكيل حاول نابليون وضع تنظيمات إدارية تضمن ضبط الأهالي وتنظم سرقة مواردهم، فعمل على إنشاء ديوان أو مجلس من المشايخ ثم طلب منهم جمع ضرائب باهظة من المصريين فطلب المشايخ التخفيف لكن الفرنسيين لم يوافقوا وأجبروهم على جمعها، فكان الديوان جهاز لجمع الضرائب والغرامات، وكانت مهمته الأخرى إخماد الثورات والسيطرة على الشعب.

ويشير كشك إلى أن المدرسة الاستعمارية في تفسير الحملة الفرنسية ترى في الديوان المذكور تدريبا للمصريين على النظام البرلماني وتجربة الحكم الذاتي! كما أنشأ نابليون مجلس وزراء خاص بمصر وعين عليه سكرتيرا عاما للمجلس.

ويروي كشك قصة محاولة نابليون الحصول على فتوى من الأزهر يأمر من خلالها العامة بحلف يمين الولاء لنابليون، وكيف ارتبك شيوخ الأزهر ثم وقف كبيرهم الشيخ الشرقاوي وطلب من نابليون إعلان إسلامه ليتبعوه ويتبعهم العرب من بعدهم، فدهش الجنرال من رد الشيخ.

ويتحدث كشك عن فكرة أن نابليون سمى جيشه الذي توجه لاحتلال بلاد الشام واحتل العريش وغزة ويافا، سماه (جيش مصر) في محاولة لعزل مصر عن باقي الدول الإسلامية وكأن المصريين سينخدعون ويفرحون بانتصارات قوات الاحتلال لأن اسم الجيش (جيش مصر)!

الثورة الخالدة

نشبت ثورة القاهرة الثانية على أثر نقض الاتفاق الذي تم بين الإنجليز والأتراك مع الفرنسيين والذي ينص على جلاء الفرنسيين عن مصر بعد عودة نابليون إلى فرنسا وتولي كليبر قيادة جيش الاحتلال في القاهرة، لكن يفشل الاتفاق ويهاجم كليبر الجيش العثماني الذي اقترب من شواطئ مصر بناء على الاتفاق ليهزم الجيش العثماني في ساعات معدودة. فيعود كليبر إلى القاهرة فيجدها مدينة يحكمها الثوار، ويحتاج إلى شهر كامل من المعارك والحرق والقصف ليستطيع دخولها من جديد على أكوام الجثث والرماد.

وأخذ كشك في هذا الفصل ينفي ادعاءات عن الطائفية التي حملتها ثورة القاهرة الثانية، والتي كانت بفعل سياسات الفرنسيين الدافعة نحو إثارة النعرات وبتدخلات عملاء الفرنسيين، ونفي ما اتهمت به الثورة من الغوغائية والفوضى وهو أمر طبيعي في الثورات عموما حتى في ثورة فرنسا التي كانت أكثر الثورات غوغائية.

الليمونة سحقت الشربتلي

بعد أن بطش كليبر بالمصريين قتلا وحرقا وسبياً وبعدما اعتصر البلاد “كما يعتصر الشربتلي اللمونة” على حد وصفه، حيث أفلسها بالغرامات، وبعدما زرع الأحقاد الممزقة لوحدة الأمة، ظن أن “الليمونة المعصورة” فقدت قدرتها على الحياة، فإذا بالليمونة تعصره وتقذفه إلى الفناء.

حدث في الحادي والعشرين من يونيو عام 1800 واقعة نادرة عجيبة، فتى من حلب في عمر الورد لم يتجاوز 24 عاما، تمكن سليمان الحلبي من قتل كليبر قائد الاحتلال الفرنسي في مصر كمثال على المجاهد الإسلامي وليرسخ المعنى الحقيقي للوحدة الإسلامية المتحدية لمحاولات التمزيق والتفرقة.

ويروي كشك كيف اتجه سليمان إلى الأزهر مركز الثورة وتلقفته خلية من الشوام هناك، وسواء قدم بتوجيهات من التنظيم الثوري خارج الأزهر أم أن من في الأزهر تلقفوه واستغلوا غياب المراقبة عليه لكونه قادم من خارج مصر وبالتالي خارج أعين عملاء الفرنسيين الذين يكتبون التقارير باستمرار عن الأزهر وتلاميذه فالنتيجة واحدة.

وسخر كشك من المحكمة الصورية التي أعدتها فرنسا لسليمان الحلبي ورفاقه، التي استجابت للادعاء ثم حكم على سليمان أن تقطع يده اليمين ويتخوزق ثم يبقى على الخازوق حتى تأكله الطير. وكانت هذه محكمة الحرية وليدة الثورة الفرنسية المجيدة، وذكر كشك في عدل المسلمين في قصة محاكمة ابن عمر بن الخطاب لأنه قتل ثلاثة من المجوس بعد استشهاد أمير المؤمنين في مؤامرة يهودية فارسية وكيف قدم للقصاص ثم عفي عنه أهل المقتولين.

ولله الحمد والمنة

تابع كشك ما تبع اغتيال كليبر من فوضى في صفوف فرنسا ومحاولاتها الأخيرة في تكوين ديوان طائفي يستبعد قدر الإمكان مشايخ الأزهر والشوام، وغيرها من المحاولات حتى أفلست فرنسا وأفلست مهمتها الحضارية وخرجوا من ديار الإسلام صاغرين.

وتابع في خواتيم الكتاب ما تبع هذه الحادثة من عواصف فكرية في الفكر العربي المعاصر، في أطروحات الطهطاوي والأفغاني وغيرهم، وختمها في الحديث عن مرحلة “الصحوة الإسلامية” في الفكر العربي التي تلت هزيمة القومية وفكرها في حرب 1967، الصحوة التي تتبنى صيغة الإسلام الحضارية التي تقبل كل ما في الشرق من أديان وطوائف وأعراق، فالإسلام هو التاريخ والثقافة وبطاقة الهوية وهو الخيار الحضاري الوحيد، الصحوة التي ستؤدي إلى تحرير المسلمين وعزة  الإسلام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق