إصدارات مقروءةإصـــدارتنا

(2) خطاب المأساة الساخرة عن الثورة والثروة.. قراءة في كتاب “يا ثورة ما تمت” لــ / محمد المعتصم

دراسة مسحية حول التراث الفكري لثورة 25 يناير

يمثّل كتاب “يا ثورة ما تمت”([1]) للكاتب الصحفي محمد المعتصم([2]) لونا مما يسمى المقال السياسي الساخر، أو كما نعت المؤلف كتابه على الغلاف: “أدب ساخر لواقع أكثر سخرية”، ليحدد الشكل الأدبي الذي انتهجه في صياغة نصوص كتابه.

وقد تحقق في الكتاب اللون الأدبي الساخر، الذي يتوخى من السخرية أن تكون سلاحا حادا للتعبير عن الغضب المكبوت في النفوس نحو الواقع السياسي المهترئ، وهي طريقة بديعة لتنبيه أهل الحكم إلى ظلمهم والإشارة إلى أهل الشر من حاشيتهم، وهي أيضا لون من ألوان المقاومة الإبداعية لتسلُّط السلطة وأعوانها ([3]).

وتبدو المفارقة في كون الأدب الساخر كمفهوم –مضخِّما- لظواهر تحدث في الواقع، ومن ثم يأخذها لتكون مادة للسخرية، إلا أن الكاتب يلحّ على أن واقع المجتمع في مصر أشد سخرية مما نظن، ففيه من المتناقضات ما يدفعنا إلى الضحك إلى حد الاستلقاء على الظهر، غير مصدقين لما يحدث، بل غير متوقعين ما حدث، ولكنه في النهاية يحدث ويحمل الأغرب في حدوثه، وهكذا تكون عبارة المؤلف صادقة في نعت المجتمع المصري في سنواته الأخيرة قبيل ثورة 25 يناير 2011، حيث عاش المصريون في حالة من العبث السياسي لا مثيل لها تتمثل في مساعي مبارك لتوريث السلطة لنجله جمال، بل إن النجل نفسه كان يتم التعامل معه على أساس أنه الرئيس القادم، وأضحت المجالس الخاصة تتناقل كلام سوزان مبارك بأنها راغبة في أن تصبح عائلة مبارك عائلة رئاسية، يتم توارث السلطة فيها، أسوة بعائلة الأسد في سورية، وتوارث السلطة في بيونج يانج (كوريا الشمالية)، من خلال عائلة الجد كيم إل سونغ (توفي 1994)، ثم تسليم الحكم لابنه كيم جونغ إل، (توفي 2011)، ومن ثم تسلم الحفيد كيم جونغ أون والذي لا يزال يحكم إلى يومنا بالحديد والنار، ويتزعم الحزب الشيوعي ذا العقيدة اللينينية، والشعار المرفوع عند التوريث هو أن الابن أو الحفيد الوريث يحمل فكر أبيه وجده وقدراتهما ومهاراتهما. وبالمناسبة هي نفس الحجة التي رفعها نظام الأسد في سورية، بعدما تم تعديل الدستور ونقل الحكم إلى الابن بشار العام 2000. وأيضا كانت حجة نظام حسني مبارك، في الترويج للابن، الذي هو امتداد لحكمة الأب وذكائه وقدراته.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل امتد إلى توريث المناصب والوظائف العليا -في دائرة المقربين من النظام- للأبناء والأحفاد أيضا، ووجدنا وزارات مثل الشرطة والخارجية والقضاء عمل فيها الجد ثم أبناؤه ثم أحفاده، وبعضهم كانت لهم “كوتة” تحق تعيين أبنائهم.

وحتى الوظائف الدنيا كانت تتم بالتوريث مثل الخفراء وضباط الصف، فالشعار المرفوع: “من له ظهر لن يُضرَب على بطنه”، وقد نعتت الأدبيات السياسية نظام الحكم في نهاية عهد مبارك بأنه إدارة للفساد، وليس فساد الإدارة، مع تزاوج السلطة مع رجال الأعمال، وتوزيع المنافع والمنح والأعطيات، بلا رقيب من قضاء أو برلمان أو صحافة حرة.

عنوان الكتاب “يا ثورة ما تمت” يمثل تناصا مع التعبير الشعبي الدارج “يا فرحة ما تمت”، فثورة 25 يناير 2011م، أوجدت فرحة عارمة لدى المصريين، عندما شعروا أن بإمكانهم التغيير بأنفسهم، دون تدخل قوى خارجية أو انتظار الزعيم المخلص أو حركة سياسية تقودهم، وكم كانوا سعداء وهم يرون سلطة مبارك –ذي الثلاثين عامًا في سدة الحكم- تتهاوى أمام حشودهم، التي أعجزت رجال شرطته، وجعلت الجيش يقف –وإن ظاهريًا- على الحياد، ممتنعا عن إطلاق النار على الثوار. لقد كانت أجواء مثالية، وإن لم تدم، فالثوار لا يعرفون ما يمكن أن يفعله دهاقنة السياسة، ويكتفون بالشعارات الثورية المثالية، والروح الطوباوية المنفصلة عن واقع السياسة في مصر، والقوى المتحكمة فيها، ناهيك عن القوى الإقليمية والدولية.

أسفل العنوان الرئيس للكتاب جاء عنوان فرعي مفاده: “عن الثروة التي ضاعت والثورة التي على وشك”، وكما نرى فإن هناك جناسا ناقصا بين الثروة والثورة، فالأولى تشير إلى ثروات الوطن ومئات المليارات التي نهبها مبارك ونظامه، واحتوتها بنوك سويسرا وغيرها، بينما كان الخطاب السياسي الرسمي بأن الدولة مدانة، وعلى الشعب أن يتحمل الفقر، لأن السبب في كل ذلك الزيادة السكانية، تلك الشماعة التي عاد إليها نظام السيسي الآن، ليبرر فيها معدلات الفقر المرتفعة، بأن الزيادة السكانية تأكل معدلات التنمية، فالنظام بريء، وإنما المشكلة هي الشعب، الذي لا يعرف كيف يتحكم في نسله. علما بأن المورد الأساسي لمصر من العملة الأجنبية يتمثل في تحويلات أبنائها العاملين في الخارج، وعددهم يزيد عن عشرة ملايين نسمة، وتلك مفارقة.

جاء غلاف الكتاب مدهشا في تكوينه، معبرا عن مضمون الكتاب ورسالته، فالثلث العلوي باللون الأحمر رمز دماء الثوار المنثالة في الميادين، ورمز أيضا لدماء الشهداء من أبناء الشعب المهدرة بالتعذيب على أيدي جهازي الشرطة ومباحث أمن الدولة، وجاءت في الطرف صورة للنصف العلوي لوجه أيقونة الثورة “خالد سعيد”، الذي كانت صفحته على الفيسبوك –كلنا خالد سعيد- سببا في اندلاع الثورة، أما الثلث الثاني (الأوسط) فهو باللون الأبيض، مشيرا إلى نقاء القلوب الوطنية الثائرة، في حين جاء الثلث الأخير باللون الأسود، وبه صورة لعجوز فقير يرتدي جلبابا أسود ويُجلِس طفلة جميلة على حجره، والصورة تحمل متضادين عجوز تجاوزه الزمن، وقضى عمره مصارعا الفقر بدلالة جلوسه على الأرض بجوار حائط، وطفلة وضيئة نظيفة الثياب منسقة الشعر، تشير إلى المستقبل القادم، وإلى ماض انقضى عاش الناس فيه فقرا وحرمانا واستبدادا.

عند تأمّل ألوان الغلاف نجد أنها تشير إلى علم مصر: الأحمر، الأبيض، الأسود، بدلالاته المعروفة، ويضاف عليها الدلالة المبتغاة في الكتاب، التي تشير بالأحمر إلى دماء شهداء الثورة والوطن نتيجة عسف النظام وتجبره، والأبيض في دلالة على النفوس الثائرة صافية الغرض والهدف، والأسود رامز إلى كآبة الوضع، وكما يقال، فإن الغلاف هو المدخل الأول الذي نقرأ منه مضمون الكتاب، ضمن استراتيجية القراءة الشاملة للنص ومكملاته.

يتكون الكتاب من ثلاثة فصول، متصلة في مضمونها المتمثل في التعبير عن واقع مصر قبل الثورة وبعدها، ومنفصلة في سياقاتها الزمنية، فالفصل الأول كُتبت مقالاته ونشرت في زمان مبارك، ويرصد فيه عشرات القضايا المثارة في عهد مبارك مثل توريث الحكم، ونهب الثروات، وتوزيع الأبعديات على المقربين. وكم كان عنوانه دالا على ذلك، وهو: “حدوتة قبل الثورة” (ص9)، في تناص مع “حدوتة قبل النوم”، ولكنه بدلالة عكسية، فالحدوتة تأتي قبل النوم محملة بالآمال والرغبات التي تجعل الطفل ينام هانئا، أما هنا فالدلالة أنه يقص أطرافا من أحداث زمن مبارك، ويجعلها سببا لاندلاع الثورة، متوقفا عند العديد من الظواهر في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والهمسات المتداولة بين الناس عن الأسرة الحاكمة.

أما الفصل الثاني فعنوانه “ما نجيلكمش في ثورة” (ص85)، في استدعاء للمقولة الشعبية الشهيرة “منجيلكمش في حزن”، ويسير فيها في الدلالة العكسية، فالثورة في مقالات هذا الفصل كانت مقصلة لعشرات الفاسدين، ومحاكمة للرئيس وأبنائه وأعوانه وأشهرهم رجل الأعمال حسين سالم وأسرته، مع إشارات كثيرة إلى النكات المتداولة، وما فعلته الشرطة في الشعب من قبل، مما كان سببا في ثورة الشعب عليها فيما بعد.

وجاء الفصل الثالث حاملا عنوان “منوعات عن الثورة والثروة وحاجات من هذا القبيل”، متناولا أشكالا مما حدث خلال الثورة من مفارقات خاصة في صدى الثورة المصرية في العالم العربي فبدأ بمقال “الرجل الأخضر” (ص139) الذي يشير إلى معمر القذافي، وشخصيته العجيبة، التي حملت المتضادات الداعية للسخرية، التي جعلته زعيما مسليا على حد قول الكاتب، وفي الوقت نفسه، اندلعت ثورة ضده، بتأثير من الثورتين المصرية والتونسية، ولا عجب فليبيا بين الدولتين الثائرتين، وظروفها أسوأ كثيرا، مع حاكم بدد ثرواتها في مغامراته ونزواته المجنونة، فجاء نعت القذافي بالرجل الأخضر، نسبة إلى مؤلَّفه الشهير “الكتاب الأخضر”، ولكن شتان بين هذا الرجل وأفكاره الثورية في كتابه. عنوان المقال ساخر، لأن الرجل الأخضر تسمية تعود لحلقات أمريكية لرجل يتحول في مواقف بعينها إلى عملاق هادر، يحطم في طريقه كل شيء، ويكتسي جسده بالشعر، ويميل وجهه إلى الخضرة، أما القذافي فهو ليس كذلك، وإنما الخضرة لديه من اسم كتابه، ومن الواقع الأصفر الذي حوّل فيه ليبيا إلى دولة متأخرة، شعبها منعزل، وثرواتها تحت يد الزعيم المفدى، الذي هو نموذج شديد البذاءة والاستبداد والفساد.

وفي الفصل الثالث أيضا مقالات عن ثورة سورية، والشاويش “علي” في اليمن، وعن تونس وثورتها، والأخير جاء بعنوان “الآن فهمتكم” (ص181)، وهو مأخوذ من الخطاب الأخير الذي ألقاه زين العابدين بن علي، متوجها فيه إلى شعبه التونسي الثائر، وباللهجة العامية الدارجة، متوددا إلى أبناء الشعب، عارضا فرص عمل واسعة، ووعود بمراجعة السياسات، ومحاسبة المقصرين، ولكن الأوان قد فات، فسرعان ما أخذ “ابن علي” طائرته وهرب بها إلى السعودية، بعدما توقف قليلا في مصر للتزود بالوقود. ويشير الكاتب هنا إلى دور المرأة في حكم تونس خلال حقبة “ابن علي”، ويعرض إلى سيدتين كانتا سببا في إنهاء هذا الحكم؛ الأولى “فادية حمدي” الشرطية التي صفعت محمد بوعزيزي البائع المتجول، فكانت سببا في إحراقه لنفسه، ومن ثم أشعلت الثورة ضد النظام كله خاصة بعدما أفرج القضاء عن المرأة فالأمر عادي بالنسبة للشرطة والقضاء على السواء. والثانية هي زوجة زين العابدين نفسه، تلك المرأة الفاتنة “ليلى الطرابلسي” التي جمعت حوله شبكة من الفساد، وهي الفتاة المولودة عام 1957 في عائلة بسيطة، ووالدها بائع متجول للخضر والفاكهة (نفس مهنة البوعزيزي)، وكانت تعمل كوافيرة، حتى أسقطت زين العابدين في حبها وحبائلها، ومن ثم أحكمت الحصار حوله، وصارت هي الحاكمة والمتحكمة في الحياة السياسية والاقتصادية في تونس، قبيل اندلاع الثورة، فكأن النساء وبالا على ابن علي، وإشعالا لثورة التونسيين.

الملاحظ أن المؤلف انتهج في مقالاته المتعددة السبيل الساخر، متخذا من مفارقة العناوين وسيلة للجاذبية، والتي جاءت من خلال طرق عدة، تبدو في تعمده أن تكون العناوين بالعامية من مثل: “المماليك اللي بيحكمونا”، “الحكاية فيها يسرا”، “مين فقع مرارة سعادته”، “جنابه بيشتغل ايه”، “جريمة أنس الفقي”، “الفساد وصل للخرطوم”، “أبناء مبارك.. اللي خلف مامتش”، “الشاب الحبلص وتابعه القلاوي”، “حسني وساويرس ومنصور ومصر”، “الآن فهمتكم“، “الشاويش“. هذه العناوين تشير إلى ظاهرة ملحوظة في الأدب الساخر، تتمثل في اقتراب لغة الأديب الساخر من المتداول اليومي، فعنوان المقال هو العتبة الأولى التي يجذب بها القارئ، فكلما كان شيقا مثيرا للدهشة، أقبلَ القارئ عليه. وقد برع المؤلف في اختيار عناوينه، وجعلها متماشية مع مضمون كتابه، في سخرية واضحة من المنظومة الحاكمة والواقع المعيش في مصر، فالأدب الساخر عميق الجذور في الثقافة الشعبية المصرية، متمثلا في النكات السياسية الساخرة، والأمثال الهازئة، والأغاني ذات المضمون السياسي، وكلها تتكئ على العامية، لأنها تتوجه إلى جماهير الشعب، باختلاف شرائحها وفئاتها، واللهجة العامية هي العامل المشترك بينهم.

فنجد مثلا في مقاله الأول “المماليك اللي بيحكمونا” (ص11)، إشارة إلى عصر المماليك، حينما كان كل مملوك يمتلك إقطاعا زراعيا واسعا، يتحكم في أهله، ويجني الضرائب لحساب السلطة الحاكمة، ومن ثم يعيد جمعها من الفلاحين أضعافا مضاعفة. إلا أن الكاتب يشير إلى الفيلم الشهير “معالي الوزير” للفنان أحمد زكي، والسيناريست وحيد حامد، والذي تأسس على فكرة وزير دخل الوزارة بالخطأ، واستمر إلى يومه، وأخرج في المقابل عدة رؤساء وزراء وهو باق، وكأنه عشش في الوزارة، وأفرخ فسادا، وحسابات وفيرة في سويسرا، وتكمن المشكلة في أن جنابه لا يعرف طعما للنوم والراحة، فالأحلام تطارده. ويقارن الكاتب بين شخصية الوزير ورجال السلطة في مصر، هؤلاء الذين لا يفكرون إلا في ملذاتهم مثل المماليك، ولا تعنيهم مصلحة الجماهير، ولا ينظرون إلى مستقبل الوطن، ولا مشكلاته.

جدير بالذكر أن هذا كلام لا يصدق كله على العصر المملوكي كله، فقد تم تشويه دولة المماليك بشكل متعمد من قبل الاستشراق الغربي ومن تابعه من العرب دارسي التاريخ، حيث جعلوها دولة استبداد وعسف وصراعات، وهذا مخالف لدور المماليك التاريخي، وإنجازهم الكبير المتمثل في إنهاء الوجود الصليبي والمغولي كاملا، وإقامة دولة كبرى، شملت مصر والشام والحجاز، وتصدت لكافة المؤامرات والحملات ضدها.

وإذا توقفنا عند أسلوب الكاتب، سنلاحظ أنه استخدم العامية في كتاباته، وكأنه يحكي لنا حكاية مزواجا بين الفصحى والعامية، مطعما فصحاه بألفاظ موظفة ومنتقاة بالعامية، متوجها إلى القراء بشكل مباشر، وهذا لا يعني انصرافه عن الفصحى، بقدر ما هو مزيد من السخرية المرة، بألفاظ يألفها المصريون جيدا، ويستخدمونها في حياتهم اليومية، وهم يرون بذخ أهل السلطة والثروة، وقد تزاوجا، وأثمرا عقودا طويلة الأجل ضمنت مستقبل الأحفاد.

وإذا أخذنا مثالا على ذلك، لفقرة يجمع فيها الكاتب بين الصياغة بالفصحى والمفردات العامية، ما نلمسه في مقاله “مصر محتاجالك.. استرجل” (ص87)، وفيها سخرية مُرّة من الكلام الشائع في مصر عما فعله جمال مبارك مع أبيه في آخر عهده، عندما أحضر أهل الثروة ليكونوا في السلطة، يقول الكاتب هازئا من الإعلاميين المدافعين عن “المسكين مبارك” والحانقين على ابنه: “هو ليس جديدا على من يدافع عن شخص فشل في إدارة البلد طوال 30 سنة عجاف، لم يستخدم فيها سوى طريقة الطناش، حتى عندما فكر يهزر جاب لنفسه الشتيمة، هل تتذكر ما فعله عندما أخبره أحد المواطنين أنه بيركب عبّارة، فسأله المخلوع: أوعى تكون من اللي بتغرق، حيث كان المخلوع فضلا عن دمه اللي يلطش يفضل تكبير دماغه على الآخر” (ص87). طبعا تعبيرا مثل “تكبير الدماغ” و”دمه يلطش”، كلها هازئة ساخرة، من شخص مبارك، ويستند فيها إلى مواقف حكاها الناس عن مبارك. وبعضها قد يكون نكاتًا، أكثر من كونه كلاما قاله الرئيس مبارك بالفعل.

هناك العديد من الظواهر المرصودة في الكتاب، والتي نختلف فيها مع الكاتب وأبرزها اعتماده على شائعات متداولة ومن ثم اعتبرها حقائق وبنى عليها فرضياته وأفكاره ومقولاته الساخرة، وهو بلاشك بارع في التقاطها كي يثير المتلقي، ويحدث أمرا جديدا عليه، ففي مقال بعنوان “خراب بيوت” (ص126)، يرصد فيه طلاق زوجات المسؤولين الكبار بعد قيام الثورة، وسقوط هؤلاء في براثن القضاء ثم السجن. ويتوقف عند الشائعات التي طاردت زواج جمال مبارك من خديجة الجمال، وكيف أنها ستنافس سيدة القصر “سوزان مبارك”، وأنها معرضة للطلاق بالرغم من إنجابها ابنة، لولا أحداث الثورة التي ألزمتها أن تكون مع زوجها في أيام محنته، ودخوله السجن مع والده وأخيه. ولكن المقال في النهاية مبني على شائعة، كذبتها الوقائع، ومن الخطأ التعريض بالزوجات دون تثبت.

ومثل سخريته في مقال بعنوان “حمد وموزة” (ص176) من الشيخ حمد بن خليفة أمير قطر السابق، وزوجته الشيخة موزة، وهو بهذا ينسى موقف قطر المناصر للشعب المصري في ثورته، ودور قناة الجزيرة المهم في تغطية أحداث الثورة وفي لحظاتها الصعبة على وجه الخصوص، ولكنه عزف على ما تداوله الإعلام المصري عن الشيخ حمد وأنه لم يكمل دراسته الثانوية أو الجامعية، وقد ذكر الكاتب أن هذه المعلومة مستقاة من صديق صحفي له، أي كلام نميمة، وهو كلام مردود عليه فالشيخ حمد شخصية راقية ومثقفة، ونفس الأمر مع زوجته الشيخة موزة، ومن العيب التعريض بأسماء الزوجات، خاصة أن الشيخ حمد استطاع أن يحوّل قطر (الدولة الصغيرة قليلة السكان) إلى واحة من التعليم الراقي الجامعي وما قبل الجامعي، مع حسن استثمار مواردها، فالمقال كله سخرية متماشية مع ما كان يفعله نظام مبارك وإعلامه من الهجوم على قطر، رغم اعتراف الكاتب بعظم ما فعله الشيخ حمد، وتنازله عن الحكم لنجله. وهذا نجده في العديد من المقالات الأخرى، التي توضح أن الكاتب يستهدف السخرية وإثارة القارئ، ويتماهى تارة مع موقف الحكومة المصرية أيام مبارك، ثم يتماهى بالعكس مع موقف الحكومات المتتابعة بعد الثورة، وتلك مشكلة يمكن تلخيصها بافتقاده الرؤية السياسية العميقة، فالعلاقات بين الحكومات متقلبة، خاصة حكوماتنا العربية، وفي غالبيتها مزاجية الطابع، أي تخضع لمزاجية الحاكم، ومصالحه وحساباته.

أيضا، فإن الكتاب كان عبارة عن مقالات منشورة في عدد من الصحف كما أشار في مقدمته، ولكن ما أثبته في ذيل بعض مقالاته كانت صحيفة “المصريون” وهي جريدة ورقية ولها موقع إلكتروني، وقد أثبتت الأحداث التالية أنها تمثل تيارا مضادا للقوى الثورية، وللثورة المصرية عامة، واتضح هذا بجلاء من خلال طريقة صياغة أخبارها ونوعية المقالات التي كتبها رئيس تحريرها جمال سلطان، الذي كان ينتمي إلى الجماعة الإسلامية سابقة، قبل أن تأخذه الصحافة وعالمها وعلاقاتها ومصالحها، في محاولة منه أن يكون محايدا، وادعاؤه  أنه ينتهج خطابا وسطيا أي (بين بين): بين الحكومة وبين المعارضة، بين الإسلاميين والعلمانيين، بين رجال الأعمال والفقراء، وهكذا. ولكنها محاولات باتت فاشلة حين افتضحت، فقد عبرت بوضوح عن المحور المعادي للثورة، وكان خطابها العام مؤيدا للانقلاب العسكري، ومعاديا إلى درجة الكذب والتزوير والتدليس على الثوار وفصائلهم وفي مقدمتهم جماعة الإخوان المسلمين.

وبالعودة إلى الكتاب، فإن بقية المقالات فيه لم نعرف أي الصحف أو المواقع الإلكترونية التي نشرتها، فقد تركها الكاتب دون تذييل، وهذا سبب رؤاه المتضاربة بين الثورية والمعارضة والتوجهات الحكومية. وفي العموم، فإن الكاتب لا يُحَمّل على معسكر الثورة بأي حال، وإنما المقالات التي صاغها جاءت مسايرة للتوجهات الثورية التغييرية في المجتمع، فلما تحوّلت الأحداث، تحوّل هو أيضا بدوره، وهذا سبب للتضارب الفكري والسياسي في كتابه.

على صعيد آخر، فإن هذا الكتاب يثير قضية أخرى، حول مدى بقاء المقال الساخر في الذاكرة، بمعنى أن كثيرا مما أورده الكاتب من أفكار ورؤى ومواقف، كان لابد أن يناله التعديل، بعد مضي أكثر من تسع سنوات على الثورة، مما يجعله يعيد حساباته ويراجع مقولاته فيستدرك عليها، فمبارك وأولاده برَّأهم القضاء فصاروا أحرار طلقاء، وكل أركان نظامه -الذي ثار عليه المصريون- تنعموا بالحرية، أما السجون فقد احتضنت المعارضة والمخلصين والثوار الحقيقيين. مما يجعلنا نرى أهمية أن يراجع الكاتب ما قاله إذا كان مناصرا حقيقيا للثوار والثورة والحق في التغيير للأفضل، أو بالأدق إن استطاع في ضوء مناخ القمع والإرهاب والطواري الذي تعيشه مصر الآن في ظل الانقلاب العسكري، والذي باتت معه ثورة يناير نفسها مدانةٌ أحداثُها، ويهدد المصريون بكل صراحة إذا فكروا في تكرار ما حدث فيها منذ سنوات.

إن النظر في سيرة الكاتب محمد المعتصم قد يفيد في تصور قدرته على إحداث هكذا مراجعة أو استدراك يقيم فيه الحالة المصرية بعد ما آلت إليه.

فمحمد المعتصم بدأ عمله في جريدة الدستور تحت رئاسة تحرير إبراهيم عيسى، ومعلوم من هو إبراهيم عيسى، وكيف أنه كان يؤدي دورا معلوما من قبل الأجهزة الأمنية، وقد انكشف بوضوح خلال الثورة والانقلاب، ويكفيه أنه شهد لصالح مبارك بأنه لم يقتل المتظاهرين، ولم ينهب ولم يسرق، فحصل مبارك على البراءة الكاملة.

كما عمل محمد المعتصم أيضا في جرائد وقنوات مؤيدة تماما للحقبة المباركية وممولة من الحزب الوطني الحاكم حينها، ثم كانت داعمة كليا للانقلاب بعد وقوعه، وهي جرائد: المصري اليوم، والوطن، وقنوات دريم والنهار وغيرها.

وختاما، يمكن القول إن الكتاب يمثل نموذجا من الأدب السياسي الساخر، الذي سبق وواكب الثورة المصرية ويتفق مع الحالة المزاجية للمصريين محبي النكات والقفشات، واستطاع الكاتب فيه أن يعزف على الهموم الجماعية للمصريين، وأحسن استثمار بعض من الأحداث اليومية في حينها، إلا أنه اعتمد على الشائعات والأقوال المرسلة وما تناثر في الفضاء الصحفي الذي لا ضابط له إلا ضمير الصحفي نفسه، وعدم بناء أفكار جادة أو ساخرة على معلومات غير موثقة، وأيضا عدم التعريض بالنساء أو الزوجات أو الحياة الخاصة للشخصيات العامة، فالشخصية العامة مهما كانت لها خصوصيتها المحمية بالقانون والأعراف والتقاليد. وهذا ما يجعلنا نؤكد على أهمية انتباه القارئ لمثل هذه الآراء، وإلى هذه النوعية من المقالات التي لا تعرف أمانة علمية، ولا تدقيقا في المعلومة، وإنما هي تهييج وإثارة لا أكثر.

[1]) يا ثورة ما تمت: عن الثروة التي ضاعت والثورة التي على وشك، محمد المعتصم، دار كنوز للنشر والتوزيع، ط1، 2012م.

[2]) محمد المعتصم، كاتب صحفي، بدأ حياته الصحفية متدربا في جريدة الدستور في إصدارها الأول، ثم كان واحدا من مؤسسيها في إصدارها الثاني. كما شارك في تأسيس صحيفة المصري اليوم، قبل ثورة يناير، ثم في تأسيس صحيفة الوطن المصرية، وأسس فيها قطاع الأخبار، ثم انتقل إلى مدير الموقع الإلكتروني لها، والمشرف على صفحات الرأي بالنسخة الورقية والإلكترونية معًا. كما عمل في عدد من القنوات الفضائيات، حيث بدأ عمله مديرًا لتحرير برنامج «شبابيك»، وهو أشهر برنامج شبابي على قناة دريم الأولى، بعدها انتقل رئيسًا لتحرير برنامج «نهار جديد» على قناة النهار، وبرنامج «هذا الصباح» على فضائية إكسترا نيوز، لينتهي به الحال للعمل في شركة بلاك هورسز، هي شركة خدمات إعلامية متخصصة، بوصفه مستشارا عاما لتحرير الشركة وإصداراتها الإعلامية، المختلفة، وعلى رأسها موقع السُلطة الإخباري.

[3]) السخرية والتهكم في ملصقات عز الدين ميهوبي، سعاد سلامي، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة بسكرة، الجزائر، 2015م. ص 11. هذا، ومن ألوان السخرية: السخرية السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وأيضا لها أشكال عديدة منها المقال والشعر والكاريكاتير والصوت والصورة والفن التشكيلي وغيرها. ص 12.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق