كتب

كتاب النار والغضب

ببدلة تراثية لا تكاد تتغير، وضحكة تجمع بين السخرية والبلاهة، يمسك الزعيم الكوري الشمالي، كيم جونج أون، بكتاب أحمر تطل من زاويته صورة شاحبة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، بينما كان الأخير -في الوقت نفسه- يشن هجوما واسعا على الكتاب ومؤلفه، متهما إياه بالخرف والكذب حينا، والتمويل والجاسوسية أحيانا أخرى.

“نار وغضب”.. عنوان مؤلف مثير للصحفي الأميركي مايكل وولف، كشف فيه بعضا من أسرار البيت الرئاسي الأبيض في عهد الرئيس ترامب، مركزا على فضح شخصية ترامب منذ حملته الانتخابيّة إلى تتويجه على رأس الولايات المتحدة الأمريكية، عبر سلسلة حواراتٍ حصرية فاقت الـ 200 حوار، أجراها مع موظفين كبار في البيت الأبيض ومقرّبين من ترامب وأسرته.

لعبة الانتخابات

الكتاب أثار موجة غير مسبوقة من الجدل، وحاز على اهتمام استثنائي في مختلف أرجاء العالم، ليعيد للصحافة الاستقصائية الحوارية زخمها من جديد، ويثير تعجب الآلاف من المتابعين للشأن الأميركي في العهدة الترامبية المثيرة للجدل والشكوك.. أمر وصل إلى حد اعتبار هذا المؤلف آخر مسمار في عرش دونالد ترامب.

يأخذ الكتاب تسلسلا تصاعديا للأحداث، بدءا من إعلان ترامب نيته الترشح، وهو الأمر الذي كشف وولف عن رفض صديق ترامب القديم، والمسؤول التنفيذي السابق لشركة «فوكس نيوز»، روجر يوجين إيلز، القبول بأن يكون رئيسًا لحملة ترامب الانتخابية، معللا ذلك بأن صاحب الشعر البرتقالي “لا يملك وجهة نظر سياسية، أو أرضًا صلبة يستند إليها في العمل السياسي، فضلا عن أنه غير مؤهل للاشتراك في أي برنامج سياسي بالبلاد”.

ويقول وولف إنه، وبعد مرور أسبوع فقط من رفض إيلز، قبِل ستيف بانون بالمهمة المُستحيلة، بمساعدة مستشار ترامب سام نونبرغ، الذي وجه للرئيس الأمريكي سؤالا ذات يوم: لماذا تريد أن تصبح رئيس أميركا؟ أجاب ترامب: لأصبح أكثر الرجال شهرة في العالم!

إيثار الخسارة

بحسب وولف، فقد كان ترامب نفسه يود أن ينتهي الصراع الرئاسي بإعلان منافسته هيلاري كلينتون رئيسة للبلاد، فدخول ترامب للسباق الانتخابي كان اقتصاديا بحتا، وهو ما جعل وولف يؤكد أن ترامب كان يؤمن أن “الخسارة ستكون مكسبًا كبيرا، أنه سيخرج بشهرة واسعة لعلامته التجارية، أما ابنته إيفانكا وزوجها جاريد، فسيتحولان من أثرياء مجهولين، إلى مشاهير عالميين وسفراء للعلامات التجارية.

لكن الأكثر إثارة في الكتاب، هو كشف وولف عن أن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل كانت على خطط ترامب منذ اللحظة الأولى لتوليه البلاد.. فينقل المؤلّف ليلة العشاء التي شهدت اعتلاء ترامب سدةَ الحكم؛ حين أخبر روجر إيلز، زميل في الحملة، ستيف بانون، بأن “الملياردير اللعوب يستوعب حقيقة أجندته الجديدة بوصفه رجلًا يمينيًا في سدة الحكم”، مُشيرًا إلى أن أولى مهامه تتضمن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وإلى حشد الدعم الإسرائيلي لسياساته منذ اليوم الأول؛ إذ إن الملياردير الإسرائيلي شيلدون أديلسون هو أكثر الداعمين الاقتصاديين لترامب.

الأحمق

وبالحديث عن الداعمين الاقتصاديين، يكشف وولف عن أن “برج ترامب” كان هو المكان الذي تُدار فيه حملته الانتخابية، والذي عقد فيه حفلاته التي وُصِف فيها بالمهرج بين الأثرياء والمشاهير.. لكن المثير هو اهتمام ترامب المبالغ فيه بدعوة إمبراطور الإعلام اليميني الملياردير روبرت مردوخ، لكن ترامب ارتكب خطئا شنيعا بدعوة وفد رفيع المستوى من مجموعة شركات التكنولوجيا العالمية آبل وفيسبوك وجوجل، ناقلا لهم سخطه من صناعة التكنولوجيا خلال فترة حكم أوباما، وهو ما دفع مردوخ لنعته بالأحمق، قائلًا: “لثماني سنوات كان هؤلاء الرجال هم رجال أوباما، إنهم لا يحتاجون لمساعدتك”!

الليلة الأولى

أما عن الليلة الأولى لترامب في البيت الأبيض، فكانت غريبة للغاية، إذ طلب ترامب أن تكون له غرفة خاصة بدون زوجته ميلانيا، وأمر بتجهيز غرفة خاصة لها، وهي المرة الأولى التي يكون فيها الرئيس وزوجته في غرفتين منفصلتين.

والأغرب أن ترامب أمر بإغلاق الباب عليه، وعدم دخول أي شخص عليه عندما يكون في الداخل، وهو ما أحدث مشكلة بينه وبين عناصر الأمن الشخصي، الذين أكدوا أن لهم الحق في دخول غرفته في أي وقتٍ للقيام بمهام تأمينه.

القواعد الترامبية الجديدة في البيت الأبيض، تضمنت ألا يلمس أحد أي شيء يخصه حتى إن كانت فرشة أسنانه؛ وهو أمر دفعه لتوبيخ خادمة في إحدى المرَّات حين حملت فيها قميصه من الأرض قائلًا: “إن كان قميصي مُلقى على الأرض، فلأنني أريد ذلك”.

صبيانية

ويتهم وولف “ترامب” بالصبيانية، ويؤكد أن أحد مظاهر صبيانية ترامب، أخذهُ للأمور بشكل شخصي، ضاربا لذلك مثلا بأنه بعد إقالته لجيمس كومي، المدير السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (إف بي آي)؛ أراد ترامب أن يكيد لكومي، فاجتمع بشخصيات روسية مرموقة بينها السفير الروسي. ولسوء حظ ترامب، كشفَ في هذا الاجتماع عن معلومات سريّة ومهمة حصلت عليها الولايات المتحدة تتعلق بتهريب مُتفجرات في الحواسيب المحمولة في الطائرات، وأخبرهم ترامب “أكثر من اللازم”، وشوّهت هذه الحادثة سمعة ترامب في الدوائر الاستخباراتية، ما دفع كومي للتعليق على هذا الحدث بقوله: “إنه ترامب!”.

كواليس قمة الرياض

وكشف وولف عن الدور الترامبي في إحداث تغييرات درامية في بنية السلطة في المملكة العربية السعودية؛ إذ دُعي الأمير محمد بن سلمان لزيارة البيت الأبيض، ودعي ترامب لزيارة الرياض وأظهر كل من الطرفين علاقة قوية وخاصة بينهماوبتقديم الوعود المتبادلة مقرونة بسلّة من الصفقات والإعلانات المالية المليارية التي أعجبت ترامب، وراح يتحدث كثيرا عنها قبل رحلته إلى الرياض، وذكر أنّ السعودية ستقوم بشراء صفقات ضخمة تبلغ 110 مليارات دولار فورية و350 مليار دولار على مدى 10 سنين.

وتطرق الكتاب للمعاملة الأسطورية التي عومل بها ترامب وعائلته فقد قدمت لهم معاملة غيرعادية من معاملة الملوك، يتنقلون باستخدام عربات غولف ذهبيّة، وأُقيمت لهم حفلة بـ75 مليون دولار على شرف الرئيس الأمريكي، وأجلسوه على كرسي يُشبه العرش، الأمر أدى فيما بعد – حسب المؤلف-إلى تداعيات خطيرة على اضطراب العلاقات الخليجية وفي لحظة إعلان تنازل ولي العهد السعودي محمد بن نايف عن العرش لمحمد بن سلمان، كان ترامب يخبر أصدقاءه أنه هو ومساعدوه قد هندسوا تلك اللعبة، مضيفا: “لقد وضعنا رجلنا في القمة”.

عائلة مجنونة

يقول وولف إن عائلة ترامب مجنونة! فحتى يبهر دونالد الابن والده، أجرى واحدًا من أخطر الاجتماعات في السياسة الأمريكية الحديثة، من خلال لقائه بشخصيّات روسيّة مرموقة، وعدته بإعطائه معلومات مضرّة عن المنافِسة في الانتخابات الرئاسية هيلاري كلينتون، ممّا أوقع الرئيس ترامب بعدها بسنة في فضيحة سياسيّة لم يستطع التخلّص منها حتى اليوم، جعلت خصومه يتهمونه بالتواطؤ مع الرّوس للتأثير على نتائج الانتخابات.

هذا الاجتماع المشؤوم كان واحدًا من أكبر الكوارث التي شهدتها إدارة ترامب، فكل التصريحات التي كانت تنفي حدوث تعاون بين فريق ترامب وبين الروس خلال الحملة الانتخابية صارت بلا معنى، كما أن فريق البيت الأبيض صار ينظر لترامب على أنه كاذب، بعد أن تأكّد علمه بوقوع هذا الاجتماع رغم إنكاره في السابق.

في النهاية، يعتقد مؤلف الكتاب أن الولايات المتحدة الأميركية لم تتعرض لإهانة في تاريخها كما تعرضت إليها باعتلاء ترامب لرئاسة البلاد، فوولف يرى أنه لا أحد عاقل حول ترامب، باستثناء ابنته إيفانكا التي وجدت نفسها فجأة محاطة بسلسلة من القوانين الاقتصادية الصارمة والتي تقيد من يعملون في البيت الأبيض، فإذا بها تبتعد عن قصر والدها شيئا فشيئا، لأنها تؤمن -كما علمها والدها- أن الاقتصاد أبقى من السياسة

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى