×
الخميس , يوليو 18 2019
الرئيسية | فنون وآداب | قصص وروايات | زنوبيا ملكة تدمر
زنوبيا ملكة تدمر

“فزعتُ إليك أرجو الأمان عندك لمّا أحاطتْ بي المخاوف، ولمْ أدرِ أن القضاء أسرع إليك مني، كان قلبي يجحدك وهو ممتلئ بك، ويكابرني فيك وهو منصرف إليك. استمع يا أذينة إلى حزني وانظر إلى دمعى، استمع إلى زنوبيا لتفضي إليك بحديث قلبها”.

– من مناجاة زنوبيا بعد مقتل زوجها الأمير أذينة

عالم المرأة مُرَكَّب غامض، قضت البشرية قرونا في محاولة فهم طبيعتها وأسرارها، ومحاولات صفها في قالب مطرد جامع. ورواية “زنوبيا ملكة تدمر” للأديب المصري محمد فريد أبو حديد، ما هي إلا واحدة من تلك المحاولات، التي حاولت البحث عن إجابة لسؤال رئيس: هل تغيّر المواقع الاجتماعية من كينونة المرأة حيث هي بضعفها وشجاعتها وخوفها وجرأتها وعجزها وذكائها؟ هل يمكن أن تنسى المرأة أنوثتها في زخم الأحداث والصراعات؟ وماذا قد تفعله ملكة متوجة منتصرة في ليلتها الأولى بقصرها أمام المرآة؟

زنوبيا.. هي رواية تتحدث عن امرأة وملكة وزوجة بجوانبهن المختلفة، حيث تشتد عليها المحن وتفقد زوجها، لكن سرعان ما تستعيد نفوذها كملكة لتدمر، عندما تحمل لها الأنباء وقوف العدو على أبواب مملكتها، فتستطيع عبور المحنة؛ لتعود في النهاية إلى كينونتها كأنثى ما دام هناك سلام في مملكتها يسمح لها بالتفكير في نفسها.

لقد كانت “زنوبيا” من أوائل الروايات التاريخية التي يكون للمرأة فيها دور البطولة الكبير والفعال في اتخاذ قرارات الدولة المصيرية، أو ما يمكن أن نسميه بالدور السياسي للمرأة؛ فزوجها الملك “أذينة” كان يأخذ برأيها في كل كبيرة وصغيرة، ويعترف بأنها تمتلك من الحكمة والذكاء ما يؤهلها لكي تقود البلاد؛ فقد كانت امرأة قوية، ملكة حنونة، حازمة وقادرة على إبداء القوة واتخاذ قرارات الدولة المهمة وتخوض غمار السياسية وصراعاتها الكبرى.

 

كاتب قدير

وُلد الأديب المصري محمد فريد أبو حديد في أول يوليو 1893 في أرياف مدينة دمنهور بمحافظة البحيرة شمالي مصر. جاء جده لوالده من قبيلة حجازي التي هاجرت إلى مصر في أوائل القرن التاسع عشر أثناء حكم محمد على. تخرج من مدرسة الحقوق آنذاك عام 1914، إلا أنه فضل التدريس على القانون واختار علاقة الصداقة بين الأستاذ والطلاب، فعمل مدرساً بالتعليم الحر، وتدرج في وظائف التعليم بوزارة المعارف، ثم شغل السكرتير العام لجامعة الإسكندرية عند إنشائها عام 1942، فوكيلا لدار الكُتب عام 1943، فوكيل وزارة التربية والتعليم، ثم المستشار الفني لوزارة التربية والتعليم حتى 1954.

اشتغل أبوحديد بالأدب منذ تخرجه عام 1914، حيث كتب في مجلات (السفور) و(السياسة الأسبوعية)، و(الهلال)، وكان من مؤسسي مجلة (الرسالة)، ثم مجلة (الثقافة) في عهدها الأول حتى أصبح رئيساً لتحريرها، وكتب العديد من المقالات التعليمية عندما كان يشغل منصب عميد معهد التعليم، حيث ناقش التعليم الثقافي والحر في مصر، ودعا إلى نشر الثقافة الدينية والنهوض بالفكر الأدبي وغرس الحس الفني ومحو الأمية.

كما اشترك في إنشاء لجنة التأليف والترجمة والنشر في عام 1915، التي قامت بنشر كتب في مجالات عدة للعلم والأدب، كما أسهمت بشكل مؤثر في إحياء الثقافة المصرية، وقام أبو حديد بترجمة العديد من الكتب لصالح هذه اللجنة منها “الفتح العربي لمصر” الذي كتبه الفريد باتلر، وترجم أيضاً “ماكبث” لشكسبير، كما ألف كتاباً عن “صلاح الدين”. وشارك في إنشاء الجمعية المصرية للدراسات الاجتماعية عام 1937. وعُين عضواً في أكاديمية اللغة العربية في ديسمبر عام 1947، كما شارك في تأسيس نادي القصة عام 1953.

روائي المرأة

كانت والدة محمد فريد أبو حديد إحدى قريبات الشيخ سليم البشري الذي تولي مشيخة الأزهر في ذلك الحين، ومثلت والدته العنصر الأهم في تشكيل شخصيته وبناء اعتزازه بنفسه، فأمه كانت مصدر قرابة شيخ الأزهر الذي كان يمثل مساحة الفخر الأولى في حياته. وزخرت كتابات أبو حديد بالحديث عن الأم ودورها الرئيس في صناعة شخصيات أعماله.

لعل ذلك كان السبب في أن المرأة قد شغلت حيزا كبيرا من اهتمامه، وكأنه حمل على عاتقه رسالة إظهار دور المرأة في صناعة الأحداث، وأنها ليست على هامش التاريخ، ورغم ذلك فهي أنثى غارقة في الدلال والحلية.. كل هذه الخصائص ظهرت في روايته الرائدة “زنوبيا ملكة تدمر”

كان الكاتب مولعا بإبراز الجوانب النفسية للأحداث التاريخية الصماء، ولعل أبرز مشاهد الإتقان والغوص في التفاصيل، تصويره لحظة الهزيمة الأولى لزنوبيا وقد مات عنها زوجها، ثم وقعت أسيرة في يد الإمبراطور، الذي تعمد إهانتها، بينما حاولت هي أن تحتفظ بكل مساحات الكبرياء، كأنها تعلم أن لها عودة قريبة للانتقام.. يقول الكاتب:

“كانت زنوبيا الأسيرة تقف في كبرياء كسير، وقد طُوق عنقها في سلسلة ذهبية ووُضعت يديها في القيود الثقيلة، وبالغ الإمبراطور في انتقامه الساخر،‏ فألبسها حللها وحليها كاملا وجعل أحد العبيد يسير إلي جوارها‏. كانت تسير مطرقة وقد امتلأ قلبها من الحزن والسخط‏ إذ امتد بها الأجل حتى دخلت روما أسيرة تزين موكب الانتصار لمنافسها الإمبراطور‏”.‏

 

حبكة أدبية

الأحداث التاريخية عادة ما تكون مادة دسمة للعمل الروائي، لكن الخطورة دائما تكمن في تحول الرواية إلى كتاب تاريخ ممل يغوص في سرد وقائع تاريخية ليس أكثر، بعيدا عن نضوج الجوانب الفنية للعمل الأدبي؛ لكن كاتب “زنوبيا ملكة تدمر” استطاع أخذ طابع الرواية فحبك شخصياتها وأحداثها بمهارة عالية.

لقد نجح الكاتب في تصدير صورة لزنوبيا كأعظم امرأة تحكم تدمر ومصر معا؛ بذكاء عكس ثقافتها بالشعوب واللغات، ولكنها ارتكبت خطأ في نقشها لصورة ابنها ولي العهد “هبة الله” على النقود وتداولها في مملكة الرومان، مما زاد من حقد حاكمهم عليها، فضلا عن خيانة قائد جيشها وتعاونه مع الرومان، فكانت نهايتها الموت وإبادة شعب تدمر على يد الإمبراطور الروماني أورليان.

تفاصيل كثيرة بين الأسطر، ضمّنها أسلوب أبو حديد المميز، الغني بالثقافة والمعرفة، فعبارات الفلسفة التي تجرى على لسان زنوبيا ومعلمها “لونجين”، تطاردك في كل سطور القصة، بلغة سهلة تخاطب القلب أكثر من العقل كعادة النساء، وحوارات في غاية العمق والسمو والروعة.

إسقاط سياسي

لكن رغم وضوح هدف الرواية، إلا أن جانبا أكثر غموضا في طيات صفحاتها، إذ إن الفترة التي عاش فيها أبو حديد (ما بين عامي ‏1892 و‏1968‏) كانت مرحلة تاريخية بالغة الخطورة‏.‏ فالعالم العربي خرج فيها من سلطان الخلافة العثمانية إلى قهر السلطة البريطانية والفرنسية، ليعيش في حالة صراع مستمر مع نفسه من أجل الوحدة‏،‏ ومع العالم الخارجي من أجل التحرر والاستقلال‏.‏

لعل ذلك ما حاولت الرواية أن تعكسه من خلال أحداثها، عبر إبراز وجود ممالك عربية صغيرة على حدود دولتي الروم والفرس‏‏ والتنافس بينهما، وعلي سعي كل منها لجمع القبائل المتنافرة وعلى صراعها مع هاتين الدولتين اللتين كانتا تبسطان نفوذهما على هذه الممالك العربية المجزأة المنقسمة والمتصارعة‏.‏

لقد كتبت تلك الرواية عام ‏1940‏، عندما كانت الحرب العالمية الثانية في أشدها‏.‏ وكان الخداع والتنافس الدولي على المنطقة العربية في أوجه، ولا شك أن قراءة هذه الرواية التاريخية يمكن أن توحي بكثير من الإسقاطات على الحاضر العربي في حياة أبو حديد‏، وما ينعكس منه بطبيعة الحال على حاضرنا المعاصر، الذي لا يبدو أن قد اختلف كثيرا.

تعليقات فيس بوك

شاهد أيضاً

نجيب محفوظ قبل أشهر من وفاته - ويكيبيديا

عنبر لولو.. نضاليات نجيب محفوظ ضد عسكرية ناصر

يتبع الهزائم العسكرية في تاريخ أي بلد، هزة فكرية وثقافية كبيرة ناتجة عن الصدمة التي …