×
السبت , أغسطس 24 2019
الرئيسية | فنون وآداب | أفلام | “قضية رقم 23”.. أول فيلم لبناني يُرشّح للأوسكار
“قضية رقم 23”.. أول فيلم لبناني يُرشّح للأوسكار

عاليا الرفاعي

كاتبة سورية وباحثة في الشأن السياسي والثقافي

 

“إعادة تقييم نظرتنا لأحداث التاريخ”.. يمكن تلخيص رسالة فيلم “قضية رقم 23” في هذه العبارة المقتضبة، فأحداثه تدور في مرحلة تاريخية فارقة، وموقع محتدم حساس، وبين فصيلين متحاربين يمتلكان كل مقومات الاستقطاب والتحيز.. يمكنك فقط أن تستحضر قبل مشاهدتك الفيلم أن عناصره الرئيسة على النحو التالي:

  • الزمان: وقت الحرب اللبنانية الأهلية
  • المكان: الحدود اللبنانية الإسرائيلية
  • الأبطال: لبنانيمسيحي ولاجئ فلسطيني مسلم
  • الواقعة: اشتباك شخصي بين البطلين سرعان ما تتلقفه وسائل الإعلام لتصنع منه وقود حرب طائفية بالبلدة

 

مغامرة كتابية وتصويرية وتمثيلية مرهقة تلك التي تحاول أن تغطي كل هذا التداخل، ربما هذا ما يفسر لماذا سرعان ما ترشح هذا الفيلم لجائزة الأوسكارالتسعين، ليصبح أول فيلم لبناني يقترب من الجائزة العالمية الكبرى.

“قضية رقم ٢٣‎”، هو فيلم درامي فرنسي لبناني من إخراج زياد دويري، وبطولة عادل كرم، وكامل الباشا، وريتا حايك، وكاميل سلامة، وكريستين شويري. دخل الفيلم المنافسة الرئيسية في مهرجان البندقية السينمائي، وفاز الممثل كامل الباشا بجائزة كأس فولبي كأفضل ممثل. وتم ترشيح الفيلم لنيل جائزة أفضل فيلم بلغة أجنبية في حفل توزيع جوائز الأوسكار.

 

  • قصة الفيلم:

يتحدث الفيلم عن “طوني حنا” القُواتيّ(نسبة إلى القوات اللبنانية: هي منظومة عسكرية أسسها بشير الجميّل سنة 1976 لكي تكون الذراع العسكري للجبهة اللبنانية إبان الحرب الأهلية) الساكن في حي مسيحي في بيروت، والمنحدر من بلدة الدامور التي تركها بعد المجزرة الشهيرة في الحرب اللبنانية، تلك المجزرة التي يقال إنها كانت ردا على مذبحة الكرنتينا، وأعقبها أيضا رد مباشر بعد سنوات بمجزرة صبرا وشاتيلا.

ويتحدث الفيلم أيضا، عن ياسر، المهندس الذي يشاء سوء حظه أن يقع بمشادة كلامية مع طوني في خلاف على مزراب ماء، فيوجه كلمة نابية إلى القواتي الغاضب من كل شيء والمغرم بالرئيس اللبناني الراحل بشير الجميل، ومن مريدي “الحكيم”، زعيم “حزب القوات اللبنانية” سمير جعجع.

لا تمر الكلمة النابية مرور الكرام. طوني يطلب اعتذارا من المهندس الفلسطيني، وحين يستعصي الاعتذار تتصاعد القضية إلى دعوى في المحكمة، وهنا تبدأ المحاكمة، وتنتهي إلى محاكمة خارجة عن سيطرة طوني وياسر، محاكمة تاريخ وذاكرة جمعية منقسمة!

 

  • العناصر الفنية:

كان لطوني نصيب كبير من الحوار، بينما كانت شخصية ياسر تلتزم الصمت وهو ما أداه ببراعة الفلسطيني كامل الباشا. كان صمته بكل هذا الاحتقان الغاضب تكثيفا جميلا ومبهرا وحزينا لمأساة الفلسطيني، بذات الوقت الذي كانت تحولات طوني الانفعالية تعبيرا صارخا عن تشظي في الروح. يجد طوني، المسيحي المخلص والمحب لزوجته “الرزينة”، في ياسر رمزا لكل ما خلفته الذاكرة بكل قسوة في روحه من ذكريات الهجرة البشعة من الدامور ذات يوم، فيتمنى لو أن شارون محا الفلسطينيين بالكامل.

رجلان كان يمكن أن يجتمعا على طاولة مقهى في عالم مختلف لو لم تجمعهما جغرافيا لبنان وذاكرة تلك الجغرافيا بكل أثقالها.

تتصاعد الأحداث، يدخل الجميع في دوامة الاتهامات حد العنف، وياسر كما طوني تتقاطع لديهما خطوط التوازي التي لا يمكن أن تلتقي أصلا. يلتقي الخطان المتوازيان في مشهد سوريالي حين تتعطل سيارة ياسر أمام قصر بعبدا، فيصلحها بعطف مغلف بالقسوة طوني وهو الميكانيكي الحاذق.

 

  • محاور متعددة للصراع:

الصراع بين المهندس والميكانيكي لم يكن وحده في الفيلم، لقد استطاع دويري بفيلمه المدهش أن يوظف صراعا لبنانيا ـ لبنانيا بين جيلين، بين شخصية محامي الادعاء مجدي وهبة والذي يسعى إلى تضخيم القضية إلى أبعد مدى يخدم رؤيته اليمينية المتطرفة، ومحامية الدفاع “نادين” التي سيظهر لنا خلال الأحداث أنها ابنته وتدافع عن موقفها اليساري المتوسط والإنساني.

زوجة طوني كما زوجة ياسر، صوت العقل الأنثوي على الطرفين، وتلك إشارة ذكية من زياد دويري الذي شاركه في كتابة النص للفيلم زوجته “جويل توما”، والتي يمكنالجزم بأنها صاحبة الرؤية النسوية المتعقلة في الأحداث.

 

  • إشكالية العمل:

يطرح زياد دويري في الفيلم، وفي سرديته الأنيقة والذكية جدا، معضلة الاعتذار، لا في الاعتذار المنتظر من ياسر لطوني وحسب، بل في اعتذار الجميع للجميع عن كل شيء.

لقد اعتذر ياسر الفلسطيني في النهاية، وقد تلقى ضربة مماثلة للضربة التي وجهها لطوني في بداية الفيلم على ضلعه، وحين تساوى الوجع لديهما، حين انكسر شيء ما بداخلهما بالتساوي والتعادل، قدم الفلسطيني اعتذاره وانسحب.

كان يمكن لهذا المشهد وحده أن يكفي ليكون نهاية جميلة للفيلم، لكن للمخرج دوما رؤيته الخاصة.

اعتذر ياسر لطوني، ولم يعد بالإمكان إطفاء النار خلفهما، كما وانتهت القصة مفتوحة على اعتذارات أكبر لم تصدر بعد، لا تزال تحمل تحت رمادها جذوات اشتعال محتملة.

 

رابط مشاهدة الفيلم: هنا

تعليقات فيس بوك

شاهد أيضاً

“عماشة في الأدغال”.. ستار مخابراتي لتنفيذ مهمة وطنية

فيلم “عماشة في الأدغال”، واحد من أفلام السبعينات التجارية الضعيفة، فقد جمع معظم نجوم كوميديا …