شخصيات

اغتيال خاشقجي .. قال كلمته، ومشى!

 

محمد الصاوي – كاتب ومحلل سياسي

 

“قل كلمتك.. وامشِ”.. هكذا خط الكاتب السعودي جمال خاشقجي عنوان مرحلته الأخيرة من حياته في وصف حسابه على تويتر، الذي اتخذه منصة لمعارضته للنظام السعودي بعدما قطع النظام عليه كل أدوات التعبير السلمي عن الرأي، قبل أن يقطع عنه آخر أنفاسه أيضًا.

توقف الزمن تمامًا، عند الساعة الواحدة ظهر يوم الثلاثاء 2 أكتوبر الجاري، بحياة الكاتب السعودي جمال خاشقجي، بعد لحظات من دخوله القنصلية السعودية في تركيا لإنجاز معاملة رسمية؛ قبل أن يختفي داخلها وسط تكهنات مقتله، لافتًا أنظار العالم أجمع، ليظل الأمر لغزًا دوليًا حتى أعلنت النيابة العامة السعودية عن مقتله داخل القنصلية بعد تحقيقات استمرت 15 يومًا منذ تنفيذ الجريمة، وبرواية رفضتها وسائل الإعلام والحكومات العالمية، وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي في عدد من تصريحاته المضطربة، وكذلك رفضها الرئيس التركي علانية في خطابه البرلماني يوم 23 أكتوبر 2018.

بداية الأحداث كانت بتصريح استغاثة أطلقته خطيبة خاشقجي التركية عبر تويتر، تعلن فيه اختفاء خطيبها بعد دخوله قنصلية بلاده، وفي الوقت نفسه نشر حساب “معتقلي الرأي” المعني بشؤون المختطفين بالسجون السعودية، خبرا عن وصول الكاتب إلى بلاده مرحّلا من تركيا، قبل أن تنشر وكالة الأنباء السعودية الرسمية خبرًا يفيد بتسليم الإنتربول الدولي «متهمًا في قضية احتيال بشيكات من دون رصيد»، دون أن تذكر صراحةً ما إذا كان خاشقجي المعني بالخبر أم لا.

لاحقا، أعلنت السعودية بشكل رسمي مقتل خاشقجي داخل قنصلية بلاده، متراجعة بذلك عن سيل من التصريحات التي حاولت إيهام العالم بأنه خرج سالمًا من القنصلية بعد إنجاز معاملته، لكن رغم ذلك، لم تُقنع الرواية الرسمية التي تداولتها وسائل الإعلام السعودية الرأي العام العالمي، إذ قالت السعودية إن خاشقجي البالغ من العمر 60 عامًا قتل في شجار مع 15 شخصًا ذهبوا لمقابلته داخل القنصلية لإعادته إلى بلاده التي غادرها منذ عامين إثر معارضته سياسات ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان.

 

من هو خاشقجي؟

جمال خاشقجي، الكاتب السعودي ذائع الصيت في العالم العربي، الذي قرر في سبتمبر 2016 الخروج من جدران المملكة قبل أيام من بداية حملات الاعتقال الواسعة التي شنها ولي العهد السعودي ضد كُل مخالفٍ لسياسته، دون اعتبار لهيئته وصلاته، والتي طالت أمراء من آل سعود ورجال أعمال بارزين.

وعن أسباب خروجه، كتب خاشقجي مقالا أكد فيه أنه التقى ولي العهد في منتصف 2016 وقت الإعلان عن رؤية 2030، ضمن وفد شمل 30 مثقفًا وصحافيًا وشيخًا من مشارب أيدولوجية متباينة.. لكن خاشقجي أدرك ساعتها أن الشاب الجديد سيطيح بالحرس القديم كله، مقابل منح نخبة جديدة مُقربة منه نفوذًا واسعة ومناصب قيادية.

وصدقت توقعات خاشقجي، كما يقول هو نفسه- بعدما وجد أن اثنين ممن حضروا معه اجتماع المثقفين، في المعتقل حاليًا.. هما عصام الزامل وخالد العلكمي. ليستغل خاشقجي ثغرة انشغال أمني في ترتيب عمليات الاعتقال الجديدة، حتى نجح في الخروج من المملكة، وذلك بعد أشهرٍ من اتصال تليفوني من مسؤول أمني بالديوان الملكي ومُقرب من ولي العهد يأمره بالصمت، وقبل أن يتبع هذا الاتصال قرار من جريدة «الحياة» السعودية بوقف نشر مقالات الكاتب.

 

رحلة ملكية

خاشقجي لم يكن يومًا بعيدًا عن عالم آل سعود؛ فقد نسج العلاقات معهم ليستأمنوه على إدارة كُبرى وسائل الإعلام التي تُعبر عن الصوت الرسمي للمملكة، ويصير كاتبًا ومديرًا لعدد من كُبرى الصحف السعودية، وينتقل بعد ذلك ليعمل مستشارًا إعلاميًا للأمير تركي الفيصل، السفير السعودي السابق في بريطانيا.. بل إنه لم تنقطع علاقاته بآل سعود حتى بعد مغادرة البلاد، فقد طالبه الأمير الوليد ابن طلال قبيل اعتقاله بالعودة إلى بلاده، قائلًا: «أخي جمال، البلاد بحاجة إلى عقول نيرة مثلك، والآن الدولة السعودية الرابعة تُبنى بيد أخي محمد بن سلمان».

 

اعتقال مختلف

تنقل خاشقجي في رحلته خارج المملكة بين واشنطن وتركيا، ولم يكن معارضًا شرسًا لآل سعود كحال الأمراء المنشقين عن الأسرة الحاكمة أو النشطاء السعوديين الذين يعيشون في أوروبا ويؤكدون على ضرورة تفكيك النظام الحاكم؛ بل كان متبنيًا لرؤية إصلاحية من داخل النظام الذي يتمسك بأفراده ويرى في وجودهم استمرارًا لوجود المملكة، وناقدًا لسياسات ولي العهد الذي يتوقف دائما عند وصفه بـ”حديث الخبرة في عالم السياسة”.

لكن ذلك كله لم يشفع لخاشقجي عند دولة ابن سلمان في نسختها الأخيرة، تلك التي لم تعد تتحمل صوتا مرتفعا، ما دام قد عرف المعارضة يوما، حتى إذا كان مؤيدا لقراراته اليوم، فإن بذرة المعارضة لا تزال بداخله، ويمكن أن تنبت يوما ما.. هذا ما ظهر بوضوح في اعتقال الناشطات المطالبات بمنح المرأة حق القيادة، رغم تأييدهن المطلق للقرارات السلمانية الأخيرة.

أما خاشقجي، فلم تكن خطوة اعتقاله من داخل القنصلية السعودية في تركيا هي أولى محاولات ولي العهد لإسكاته؛ إذ سبقها خطوات نفذها لتجريده من كافة صلاحياته وأدواره.. كانت أولى هذه الخطوات تجميد مشروعه التلفزيوني قناة «العرب» الإخبارية التي تأسست بتمويل من الأمير السعودي الوليد بن طلال، ورئاسة خاشقجي، والتي صدر بشأنها أوامر بوقف البث في البحرين قبل أن ينتقل مقرها إلى قطر، التي منحتها كافة التسهيلات المطلوبة.

تلا ذلك صدور قرار ملكي بوقفه عن الكتابة في الصحف السعودية كافة بالأمر المباشر، وتوقيف حسابه على موقع «تويتر»، حتى نجح في الخروج خارج بلاده، وواصل نشاطه الإعلامي عبر الكتابة في كُبرى الصحف الأمريكية، والظهور على المحطات الفضائية العالمية، حتى نجحت سلطات ولي العهد السعودي في الإيقاع به بعد عامين من خروجه والقبض عليه خلال وجوده داخل القنصلية السعودية في تركيا، قبل أن تعلن السعودية لاحقا عن مقتله في القنصلية في شجار بالأيدي والمناشير!

 

أزمة ديبلوماسية عالمية

اختطاف خاشقجيثم اغتياله داخل الأراضي التركية بشكل ينتقص من سيادة أنقرة، يثير بلا شك أزمة دبلوماسية تلوح في الأفق بين تركيا والسعودية، خصوصًا بعدما أعلنت الشرطة التركية في وقت مبكر عن فتحها تحقيقًا في قضية اختفاء الكاتب الفقيد على أراضيها، مرجحة أنه تعرض لعملية اختطاف، قبل الإعلان عن اغتياله، وهو ما أثبتت الرواية السعودية الأخيرة صحته.

وترفض السعودية التعاون مع الجانب التركي بحسب خطاب أرودغان نفسه في خطابه البرلماني في ثلاثاء الثالث والعشرين من أكتوبر، الذي أكد على مماطلة الجانب السعودي ومحاولته تقديم كبش فداء للقضية بعيدا عن “المسؤولين المباشرين” –الذين لم يسمهم أردوغان-، لتصل آخر محطات الخلاف العلني بطلب تركيا من السعودية تسليم المتهمين للمحاكمة أمام القضاء التركي، إذ إن الجريمة ارتكبت بشكل كامل على الأراضي التركية، فيما رفضت السعودية بشكل صريح حتى الإعلان عن أسماء المتهمين، وتصر على أن عملية التحقيق معهم ستتم على الأراضي السعودية، ودون “تدخل” خارجي.

 

صفحة من التاريخ

في النهاية، مات خاشقجي بطريقة مقززة وصفها الرئيس ترامب بالفظيعة، لكن وإن بقيت بعض تفاصيل تلك الجريمة مجهولة،فإن انشغال الرأي العام العالمي بها جعلها نقطة بارزة في تاريخ السعودية الحديث، وأضحت كلمات مثل قنصلية وصحفي،تستدعيفي الخاطر العالمي جريمة اغتيال صحفي معارض في قنصلية بلاده في عملية انتهكت من سيادة دولة أخرى، وأظهرت الوجه الأكثر بشاعة لنظام دولة القنصلية التي ارتكبت الجريمة.

لقد كان خاشقجي واحدًا من مناضلي حرية التعبير في العالم العربي.. وإذا كانت الأبواق الإعلامية الدولية لم تقف بما يكفي عند آلاف المعتقلين من داخل تلك البلدان؛ فإن ما حدث لخاشقجي يكشف بجلاء عن عقلية الأنظمة القمعية وتصوراتها تجاه حرية الرأي والتعبير، وهي التي لا تزال تملك ناصية الشعوب العربية.

تعليقات فيس بوك
الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق