×
الإثنين , يونيو 24 2019
الرئيسية | فنون وآداب | قصص وروايات | عنبر لولو.. نضاليات نجيب محفوظ ضد عسكرية ناصر
عنبر لولو.. نضاليات نجيب محفوظ ضد عسكرية ناصر
نجيب محفوظ قبل أشهر من وفاته - ويكيبيديا
نجيب محفوظ قبل أشهر من وفاته – ويكيبيديا

يتبع الهزائم العسكرية في تاريخ أي بلد، هزة فكرية وثقافية كبيرة ناتجة عن الصدمة التي تسببها الهزيمة، لا سيما في الحالة المصرية إثر هزيمة 1967 حيث جاءت الصدمة فيها بالغة القسوة، إذ سبقها حديث إعلامي متواصل عن قرب الانتصار وحسم المعركة والانتصار على العدو.

لكن، في ظل حكم عبد الناصر، وسطوة جهازه الأمني والإعلامي، الذي استطاع أن يحوّل هزيمة البلد إلى انتصار شخصي للرئيس، وخلق حالة من الاستعداء تجاه كل من يفكر في انتقاد القيادة وفضح دورها في الهزيمة، بل لقد تحولت الوطنية إلى التكاتف وإظهار الاصطفاف خلف تلك القيادة.

في ظل هذه الملابسات، كان الكاتب الروائي نجيب محفوظ يتحرّق ألما للمصاب المصري المرير، لكنه -كغيره من الكتاب آنذاك- لم يكن قادرا على مواجهة الجماهير بذلك التحرّق، لكنه رغم ذلك لم يؤثر الصمت، وإنما لجأ إلى الحيلة الأكثر نفعا في مثل تلك الحالات.. الأدب الرمزي.

عنبر لولو.. قصة نشرها الكاتب الكبير نجيب محفوظ في جريدة الأهـرام عقب هزيمة 1967 في صيف 1967م، يخط فيها شجونه حول البلاد التي خرجت من الحرب المفاجئة مهزومة يائسة، وكيف انعكس ذلك علي جيل الكبار وجيل الشباب على حد سواء.

 

التعريف بالكاتب

نجيب محفوظ (11 ديسمبر 1911 – 30 أغسطس 2006) الحاصل علي جائزة نوبل في عالم الأدب، أشهر روائي عربي، ومن خيرة من كتب الرواية في الأدب العربي، وهو أكثر أديبٍ عربي حولت أعماله إلى السينما والتلفزيون.

كتب محفوظ منذ بداية الأربعينيات واستمر حتى 2004، تدور أحداث جميع رواياته في مصر، وتظهر فيها سيمة متكررة هي الحارة التي تعادل العالم، ومن أشهر أعماله: الثلاثية وأولاد حارتنا، والتي مُنعت من النشر في مصر منذ صدورها وحتى وقتٍ قريب.

 

ملخص القصة

رجل كهل (النظام) وفتاة صغيرة السن (مصر)، الكهل تعدى الخمسين عاماً، والفتاة لا تزال عند العشرين من عمرها، يعملان بإدارة حكومية واحدة، تعاني الفتاة من مشاكل أسرية، نتيجة لمسئوليتها عن أخواتها (القومية العربية) ومضايقات زوج الأم (أميركا) حيث يعيشون معه، والكهل يعيش اللاسلبية بعد تاريخ من البطولة ضد الأعداء.

يتفقا على لقاء بإحدى الحدائق، تريد الفتاة أن تبوح بمشاكلها له، والعجوز يريد أن يسمع الفتاة، لم تستطع البوح لصديقاتها إلا لصديقتين، شجعتها إحداهن علي الزواج (الاتحاد السوفيتي) والأخرى على الانطلاق (أميركا)، والفتاة تريد أن تسمع رأي الحكمة.. أخذته أو أخذها إلى الحديقة.

والحديقة، يبدو عليها أنها حديقة العشاق.. الكل لاهٍ بفتاة يلعبون ويمرحون (في رمزية لانشغال الشعب)، والعجوز و الفتاة يشاهدان كل هذا وهي تحادثه عن مشاكلها، تدعو إلي المرح والرقص والغناء، تريد أن تنفك من أَسرها وتسوق له الحكايات المتضاربة عن شاب غني من طنطا (إسرائيل) تاجر ميسور يريدها بلا زواج وبلا طلاق، والعجوز يكبح جماحها.

يأخذ العجوز دوره، فيقول إنه بصحراء الهرم حيث هناك الحرية المطلقة وهناك الزهور والياسمين وهناك تفعل ما تشاء بلا قيود ولا رقابة، ويدعو الفتاة لأن تنضم إليه، وتتزوجه، لكن ترفض الفتاة أن تذهب معه.

وفي أثناء الحوار، يسمع صوت طلقات (الحرب)،وينقطع الحوار ويثور التساؤل هل الرصاص بسبب مجرم هارب أم بسبب آخر، تدريبات أو ما شابه،.. ثم يتصل الحوار ما بين جذب وشدة و استرخاء و تنافر ما بين العجوز والفتاة.. ثم ما يلبث أن يقطع الحوار دخول رجل يلهث (الهزيمة المفاجئة)، ويحادثهم عن صوت الرصاص ويتكلم بصفة المشاهد وليس بصفة الفاعل (الجنود).

يقول الشاهد إن رجلا صعد فوق البرج وأطلق الرصاص علي كل الاتجاهات (في رمزية لتدمير الحرب كل شيء) دون هدف ودون أن يصيب أحد، ويقول له العجوز إنه كان ذات يوم رجل مثله يطلق الرصاص علي الأعداء (في رمزية لتخلي النظام عن شعاراته النضالية).

ويستمر العجوز في اعترافاته عن الرجل الذي أطلق الرصاص، حتي يقر في النهاية أنه هو الذي فعل ذلك (النظام مسؤول عن الهزيمة).

يعود العجوز إلي حواره مع الصبية فيقول لها: هيا بنا إلي عنبر لولو (مصر الجميلة التي ينشدها المصريون) فتسارع بالموافقة، فيشرح لها أن عنبر لولو هو مشروع أو حلم ارتاده هو وجمع من أصحابه أثناء سجنه (عصر قبل ثورة 1952)، لكنه لم يتحقق بعد.

 

الشخصيات

– العجوز: كان في شبابه بطلا وينظر إليه علي أنه مستودع الحكمة والرأي، لكنه أصبح شهوانيا.

– فتاة في مقتبل العمر تصطحبها المشاكل من كل اتجاه وتبحث عن الحل.

– شاب ثائر هارب، يعلن استنكاره بلا هدف.

– شباب وشابات لاهون يعربدون في كل مكان.

– جنود من الشرطة يطوقون الحديقة.

 

عناصر بناء القصة

1- عنصر السرد

جاءت القصة في ضمير الراوي ذاته أي في ضمير المتكلم، ولذلك فإننا ننسب كل الأفكار لنجيب محفوظ في النهاية، وكذلك نجد لديه أوصاف متعددة للفتاة والكهل والأحداث الجارية.

2- الشخصيات

هذه القصة كعادة القصص في احتوائها على الشخصيات الرئيسية والشخصيات الثانوية فقد احتوت علي النوعين معا ولكن الجديد فيها أن لكل شخص في القصة له رمز يرمز إليه.

3- الزمان والمكان:

الكاتب راعى في قصته الزمان والمكان، فجاء بهما مناسبين للقصة القصيرة، فالزمان لا يتجاوز بضع ساعات، تجلس الفتاة فيها مع الرجل تقص عليه مشكلتها، وتبحث عن حل لها، فلم تتجاوز حد الزمان، وكذلك المكان وهو الكشك الذي يجلس فيه مع الفتاة علي الأريكة، ويتمثل في هذه الحديقة التي قابلها فيها وما حولها، فجاءت القصة محبوكة رائعة، امتثل فيها عنصر الزمان والمكان بقواعدها المحددة.

4- الصراع في القصة :

الصراع في قصة نجيب محفوظ صراع عادي هادئ، يتمثل في البحث عن الحرية، وعن حل لكل مشاكل الفتاة، ولذلك تستمر العقدة إلي النهاية، ويأتي حل العقدة في نهايتها علي خروج الرجل والفتاة من الحديقة إلي عنبر لولو، أي إلي الحرية علي عبارة أنه سيطلق النار في كل مكان “سأطلق الرصاص في جميع الجهات وسنرقص ونغني ونمرح ” فلماذا يريد أن يطلق النار في جميع الجهات؟ هذا يدل علي أن كل الجهات مسئولة عن الهزيمة والكل مشترك فيها.

5- اللغة والأسلوب :

لغة القصة هي لغة الغيور علي اللغة العربية، والمدافع عنها من الدرجة الأولي الذي يري أن الكتابة بالعامية نوعًا من الرجعية والتخلف، ومن هنا جاءت لغته فصيحة عربية، لا يستعمل فيها الكلمات العامية مطلقًا، وهي لغة مستساغة رائعة، لا تحمل أي صعوبة في ألفاظها، ولا تحتاج إلي الرجوع إلي القواميس لفهمها.

وجاءت بها بعض التعبيرات الجميلة الرائعة علي لسانه، ومن أفكاره هو وإن جاءت علي لسان الشخصيات مثلا “لا يعد ضائعًا وقت نمنحه لعلاقة إنسانية”، “لم تسعفني الجرأة علي طلب مقابلتك إلا لأنني في مسيس الحاجة إلي رأي حكيم”، “هي نفس مقضي عليها بالسجن المؤبد في شقاء دائم”، “أحيانًا يخيل إلي أن شرًا عصريًا أفضل من خير بال ” ” هذه انعكاسات أزمة كفرت بحكمة الصبر”، “صدقني فإن حياتنا وقف قديم متهدم تتحكم فيه وصايا الموت”، “العقل يستطيع أن يتصور كل شيء لو تخلت عنه القبضة الخانقة”، “وشعارها غير مكتوب أفعل ما تشاء”، “إِنك تعيدين للنار كرامتها حيال التراب”.

وهذه أساليب تعبيرية رائعة، لا تليق إلا بهذا القصصي العجيب، ولا عجب أنه لنجيب محفوظ صاحب جائزة نوبل في الأدب، واعتمد في قصته علي الأساليب الإنشائية، المتمثلة في الاستفهام والأمر بأغراضه والتمني والترجي في أكثر من موضع ومعه الأساليب الخبرية التي جاء أكثرها في الجملة الفعلية، لكن هناك لفظة واحدة غريبة وهي ” هونولولو ” وهي جزيرة في المحيط الهادي، تابعة للولايات المتحدة تختص بأصحاب الأموال الكثيرة والأغنياء فقط، فهم يذهبون إليها ويتمتعون فيها، فضرب المثل بهم للحديقة التي توحي بالحرية والمتعة بلا حدود.

 

رسالة القصة

تعبر القصة عن الإحباط الذي سيطر على نخبة مصر بعد هزيمة 1967، لكن رغم ذلك، تبث رسائل حول الحل المنشود، يقول محفوظ إن تحقيق آمال المطحونين والشباب والعجائز لن يكون إلا بتحقيق الحرية، الحرية أن يفعل كل منهم ما يشاء.

يظهر الكاتب أن الشباب حائر، لا يريد ولا يعرف ماذا يريد، ولذا يوصي بالتقاء الخبرة مع الشباب، معتبرا أنهما الكفيلان بحل المشكلة الأبدية التي يواجهها المجتمع.

 

تعليقات فيس بوك