×
الجمعة , يوليو 19 2019
الرئيسية | إصـــدارتنا | مذبحة الحرس الجمهوري | “الحرس الجمهوري” رؤيا العين.. المذبحة لحظة بلحظة
“الحرس الجمهوري” رؤيا العين.. المذبحة لحظة بلحظة

مع انتصاف شمس نهار يوم الجمعة الموافق الخامس من يوليو 2013، وبعد يومين من بيان انقلاب الثالث من يوليو 2013 الذي تلاه الفريق عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع المصري حينئذ؛ يتحرك المئات من أنصار الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي ومن انضم إليهم في رفض الانقلاب عليه من المعتصمين سلمياً في ميدان رابعة العدوية بمدينة نصر، إلى نادي الحرس الجمهوري، بتقاطع شارع صلاح سالم مع شارع الطيران، وعلى بعد 1500 متر من مركز الاعتصام الرئيس، بعد أن تواردت إليهم معلومات بأن الرئيس مرسي معتقل داخل النادي، ليعتصموا أمام المبنى مطالبين بإطلاق سراح الرئيس.

قيادة الجيش سرعان ما فرضت طوقاً محكماً من الجنود لحراسة المبنى مدججين بالسلاح، ليستمر الاعتصام ثلاثة أيام فقط، إلى أن تم فضه بالقوة في يومه الرابع، وتحديدًا صباح الاثنين الموافق الثامن من يوليو 2013، مخلفة مئات الضحايا، من بينهم عشرات النساء والأطفال، وقد عرفت هذه الحادثة بمذبحة الحرس الجمهوري.

كان إطلاق النار على المحتجين السلميين ومصرع وإصابة أعداد كبيرة منهم سابقة خطيرة أساءت إلى التاريخ الوطني للعسكرية المصرية ووصمت بالعار سجلها المشرف الذي ارتسم في خيال المصريين لعقود طويلة. كما أن هذا الحدث الدامي أوجد شرخاً عميقاً في جدار الوحدة الوطنية، وبدد كثيرا من الآمال الطامحة لاستعادة الوفاق بين الجيش والشعب ناهيك عن تحقيق المصالحة الوطنية. وعلاوة على ما تقدم فإن انتهاك حرمة الدم المصري بأيد مصرية قد فتح الباب لنمو ظاهرة العنف الغريبة والمنافية لطبيعة المصريين المسالمة.

ونظرا لحساسية تلك الواقعة، وما تقدم من أسباب، فقد أوْلتها مؤسسة “وعي للبحث والتنمية” ومقرها العاصمة البريطانية لندن، بإصدار توثيق شامل ومتكامل لهذا الحادث الأليم، في وثيقة علمية بعنوان: “مذبحة الحرس الجمهوري 5 و8 يوليو 2013: أول توثيق علمي شامل”.

 

أهمية الواقعة

تكمن أهمية الوقوف العلمي والتكثيف السردي التوثيقي لهذه المذبحة، لكثرة ما ترتَّب عليها من آثار، سواء أكان ذلك في عدد الشهداء والمصابين والمعتقلين أم كان في ردود أفعال المجتمع المحلي والدولي؛ ولكونها مثَّلت متغيرا سياسيا واضحا في مسار تعامل قادة الانقلاب العسكري مع الخطوط الحمراء لثورة 25 يناير 2011، وتجاوز كل محرمات الثورة، والتجرؤ على هدم أهم مكتسباتها وهي حرية التجمع والتظاهر والاعتصام.

وعلى الرغم من منع الجيش للمسيرات الرافضة للانقلاب بطريقة غير مباشرة من قِبل البلطجية الموجَّهين من الأجهزة الأمنية قبل هذه الحادثة، لكن الخسائر لم تكن بهذه الكثرة وبهذه الجسامة، ففي يوم الثامن من يوليو بدأت السلطة العسكرية في الظهور الدموي الواضح والتحدي السافر لمكتسبات الثورة والانقلاب عليها، بعد أن ظلت خلال سنوات الثورة الثلاث السابقة للانقلاب تتخفى تحت ما عُرِفَ بين المصريين بـ(الطرف الثالث)، ثم أخذت تتستر خلف البلطجية في المرحلة التمهيدية للانقلاب ومجموعات ”البلاك بلوك المسلحة” وبعض الأحزاب الصورية أو الكرتونية التي كانت تديرها أجهزة الأمن وتدفعها للمواجهة العنفية مع حزب الحرية والعدالة الحاصل على الأغلبية في انتخابات ما بعد الثورة، وذلك لاستدراجه للعنف وإيجاد مبرر للانقلاب ووقف المسار الديمقراطي.

ولمَّا لم يُجدِ ذلك نفعاً انتقلت خطوة متقدمة -فيما عُرف بحركة ”تمرد” المقولبة أمنيا والممولة إقليميًا- في عملية خداع استراتيجي كبير أدارته قوى الانقلابيين في الداخل والخارج؛ ليس لفسيفساء السلطة وتكتلات الثوار والأحزاب الشعبية الوليدة فحسب، وإنما أيضا لقطاعات من الشعب الذي ارتفع سقف مطالبه وتوقعاته واستشرى اللعب على مشاعره.

 

المذبحة الأولى: الخامس من يوليو 2013

المكان: تقاطع شارع صلاح سالم مع شارع الطيران، وعلى بعد 1500 متر من مركز الاعتصام الرئيسي في ميدان رابعة العدوية؛ حيث النادي الاجتماعي لضباط الحرس الجمهوري.

الزمان: يوم الخامس من يوليو 2013م – وبعد أداء صلاة الجمعة في مدينة القاهرة وضواحيها (وسميت بـ”جمعة الرفض” أي؛ رفض بيان الانقلاب العسكري في الثالث من يوليو 2013).

الحدث: توجهت جموع كبيرة من أنصار الرئيس محمد مرسى – الرافضين بيان القوات المسلحة في 3/7/2013م.- إلى ساحة نادي دار الحرس الجمهوري، بعد أن سرت أنباء للمعتصمين في رابعة – مركز الاعتصام الرئيسي- أن الرئيس قد احتُجِزَ داخل النادي من قِبل قادة الجيش.. فتوجه المتظاهرون من المعتصمين والمتعاطفين معهم من شتى محافظات مصر، مطالبين بالإفراج الفوري عن الرئيس وعودة المسار الديمقراطي ووقف الإجراءات العسكرية المتمثلة في الانقضاض على مخرجات الثورة الشعبية التي انطلقت في 25 يناير، ومكّنت الشعب المصري، لأول مرة في التاريخ، من اختيار مَن يحكمه عبر الاقتراع الحر المباشر في انتخابات نزيهة وتحت إشراف قضائي تام ورقابة شعبية شاملة ومتكافئة.

 

لم تكن في ذلك اليوم ثمة كثافة عسكرية ملحوظة أمام مبنى نادي دار الحرس سوى الحراسات التقليدية، وكان الاقتراب من المبنى غالبا لا يسبب حرجا أو توترا فيما هو ظاهر للناس. وقد شهدت الوثائق أنه في 3 يوليو وفور إعلان بيان الانقلاب العسكري بلسان وزير الدفاع قد أقيمت احتفالية من المؤيدين للانقلاب على بوابة النادي، ورقص جنود الحراسة مع المتظاهرين داخل البوابة الرئيسة ذاتها.

بعد وصول المتظاهرين السلميين القادمين من ميدان رابعة العدوية وغيرها من ميادين الاعتصام إلى المكان – حيث كان شارع صلاح سالم فاصلاً بين المتظاهرين من جهة والسلك الشائك وقوات حماية النادي من جهة أخرى – قام أحد المتظاهرين بوضع صورة الرئيس محمد مرسى على السلك الشائك الفاصل بين الشارع والقوات… فقام أحد الضباط برتبة رائد بإزالتها بطريقة مهينة ومستفزة، ثم مزقها… فحاول أحد المتظاهرين وهو ”محمد صبحى محمد الحدَّاد” بوَضْعَ صورة أخرى بدلاً منها… وفي الأثناء كان هناك حوار بين المتظاهرين والضباط بأن هذا تعبير عن رأينا، وهو عمل احتجاجي وليس اعتداءً، وزادت حدة النقاش، وتقدّم الحدَّاد لوضع صورة الرئيس… فكان الجواب هذه المرة رصاصة في الوجه أسفل العين اليمنى سقط على إثرها مباشرة الشهيد محمد صبحي الحدَّاد جثة هامدة مدرّجا بدمائه في عرض الطريق وفي الفراغ الكبير بين المعتصمين وبين القوات الأمنية والعسكرية، وهو ما وثَّقته قناة DFI الفرنسية بالصوت والصورة باللغة الفرنسية وكذلك (شبكة رصد، 2013، أ) باللغة العربية.

حدث هيجان في صفوف المتظاهرين وصيحات تكبير، وحاول بعضهم التقدم لحمل الجريح النازف، فما كان من القوات إلا أن أطلقت وابلا من الرصاص الحي على كل من يقترب من المصاب، وزخات قوية من قنابل الغاز والخرطوش لتفريق المتظاهرين الغاضبين… وكانت المحصِّلة سقوط أربعة من الشهداء الآخرين وعشرات الإصابات المباشرة (تم حصر عدد 150 إصابة منهم، وفقًا للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا) بطلق نارى وخرطوش وحدوث اختناقات لمئات المتظاهرين الآخرين وكل من تصادف مرورهم في شارع صلاح سالم والطرق والمباني المجاورة والمحيطة بمسرح الأحداث.

وفي أثناء هذه الأحداث سارع الدكتور ”محمد وهدان” (عضو مكتب إرشاد جماعة الإخوان)، إلى تقدُّم صفوف المتظاهرين، وبث خطابًا من خلال ميكروفون السيارة المتنقلة للتهدئة والتأكيد على السلمية. ثم وصلت – على عجل – مجموعة من قيادات اعتصام رابعة العدوية -كما ذكر بعض الشهود- مثل الدكتور (محمد البلتاجى) والشيخ (سلامة عبدالقوي) وآخرون… وتمت السيطرة على الموقف بين الطرفين، واستطاعوا بالفعل تهدئة الوضع وتوجيه حماس المتظاهرين إلى خطب وهتافات، وأخذوا القَسَمَ والعَهْدَ من المتظاهرين على السلمية، وعدم حمل أي كراهية أو عنف “تجاه إخواننا في الحرس الجمهوري”، وتحويل المظاهرة الاحتجاجية إلى اعتصام.

تبع ذلك بعض الحوارات مع القوات الموجودة في المكان للتأكيد على الموقف السلمي للمتظاهرين، وأنه لا توجد نية لاقتحام المبنى، وفي المقابل خروج نبرة تصالحية من قيادة القوات لخفض التوتر.

وبعد إحصاء المتظاهرين للشهداء (خمسة شهداء) والجرحى (150 مصابًا)، خيَّم على مدينة القاهرة ظلام يوم الخامس من يوليو وتكشّف عن أول مذبحة في هذا السياق بوقوع عشرات الإصابات وإزهاق خمسة أرواح شابة بريئة؛ أربعة منهم قضوا في يوم الخامس من يوليو، والخامس قضى متأثرا بجراحه يوم السابع من يوليو… غادر النبلاء الخمسة ساحة التظاهر الضيقة إلى جنة عرضها السموات والأرض.

 

هضم إعلامي

لم يأخذ هذا الحدث في يوم الخامس من يوليو حيزا من اهتمام الصحافة والإعلام، فقد تزامن مع سقوط عدد أكبر من الضحايا في مقرات حزب الحرية والعدالة وكذلك في المؤسسات الخدمية لجماعة الإخوان المسلمين في كافة أنحاء الجمهورية (المدارس والمستشفيات وجمعيات التكافل والرعاية والمقرات السياسية والحزبية…) تلك المؤسسات التي كانت تهاجمها بشكل منسق مجموعات من البلطجية، ومصحوبة بهتافات لجبهة الإنقاذ وحركة تمرد (التي صنعتها وموّلتها خلية الانقلاب العسكري بتنسيق مصري وإقليمي)، وبدلاً من تغطيتها للحدث؛ شرعت الصحف المصرية والعربية وكافة وسائل الإعلام الداعمة للانقلاب أو المخدوعة بدعايته في التمهيد لما هو أكبر، فشرعوا في شيطنة المعتصمين، واكتفوا من الحدث بالتركيز على بعض نتائجه الهامشية، مثل قَسَم (البلتاجي) والمعتصمين باستمرار الاعتصام السلمي بعد وقوع هذه المذبحة الأولى، فحرَّفوه ووصفوه على أنه تحريض، ونقلوا أخبارًا كاذبة، وتركوا أصل الحدث؛ وهو سقوط هذا العدد من الأبرياء بين شهيد وجريح.

 

اعتصام أمام النادي

كان قرار الاعتصام أمام نادي دار الحرس – كما قال بعض المعتصمين في شهاداتهم – هو الرد السلمي على قتل خمسة من الشباب وإصابة العشرات منهم في مظاهرة سلمية احتجاجية، ولم يكن أمام قيادة اعتصام رابعة في هذه الظروف – حسب روايتهم – سوى التحدِّي والاستمرار في الاعتصام السلمي لوقف تغوّل سلطة الانقلاب على الجماهير ومحاولتها وأد مخرجات ثورة 25 يناير 2011، وأهم مخرجاتها؛ ومنها حق التظاهر السلمي والاعتصام، وحتى لا يصبح فض المظاهرات بالقوة وقمعها عملية سهلة أمام السلطة!

وبينت القيادة الميدانية أن من بين أهداف الاعتصام أمام دار الحرس، حماية الاعتصام الكبير في رابعة العدوية، الذي كان البلتاجي وغيره يحذّر من تكرار موقعة جَمَل جديدة فيه، ظناً منهم أن الأجهزة الأمنية قد تطلق عليهم البلطجية وأرباب السوابق من دون تدخل مباشر منها، مثلما حدث في موقعة الجَمَل الشهيرة! فاستعدوا لها واستفادوا من تجربة ميدان التحرير في ثورة يناير، ولم يدُر بخَلَد أحد من الثوريين والداعمين للشرعية أن فض الاعتصام قد يقوم به الجيش والشرطة بأنفسهم وليس عن طرق طرف ثالث، فكان النظر موجها نحو أعمال البلطجة وإن كان هناك توجّس- حسب إفادات الشهود – من الشرطة والجيش بعد سكوتهم على مشاهد الحرق والقتل في المقرات والجنازات والمظاهرات الداعمة للمسار الديمقراطي وشرعية الصندوق الانتخابي الذي أنتج أول رئيس مدني منتخب.

 

المذبحة الثانية: الثامن من يوليو 2013

مرَّ يوما السادس والسابع من يوليو بهدوء نسبي تتخلله الهتافات والفاعليات الاحتجاجية السلمية، مع زيادة في الغضب، ليس على الانقلاب وحده؛ بل أضيف إليه عنصر جديد من آثار الانقلاب وهو (مذبحة الخامس من يوليو)… استمر الوضع القائم للاعتصام… هناك مادة للنقاش بين المتظاهرين فيما بينهم، وكذلك فيما بينهم وبين الجنود عبر مكبرات الصوت، تذكرهم بحرمة دماء المعتصمين، وأن الجنود غير مستهدفين، وأن من أمر بالقتل في يوم الخامس من يوليو ما هم إلا مجموعة انقلابية تريد العودة لما قبل ثورة 25 يناير 2011… تزايد النقاش الشعبي والإعلامي حول المذبحة، وكثرت الإشاعات، وبدا من خلال الدعاية الإعلامية في مصر والدول الراعية للانقلاب كأن مذبحة يوم الخامس من يوليو كانت تجربة أولية لما سيقع بعد ذلك من أحداث جسام.. وعلى جانب المعتصمين كان النقاش والجدل يتناول الحدث وكيف وقع؟ والبحث عن تجنب أي مبرر لإراقة الدماء، وصارت هناك رقابة ومتابعة أشد لمعرفة إن كانت هناك نية من الانقلابيين لفض الاعتصام بالقوة! مع استمرار انسياب حركة الجنود والموظفين الحذرة في الدخول والخروج وتغيير الورديات (النوبتجيات) لمقار عملهم التي لم تُمس منذ بداية الاعتصام!

لم ينصرف المعتصمون من أمام النادي مع استمرار توارد الأخبار بأن الدكتور محمد مرسي أول رئيس منتخب بعد الثورة – والذي قام وزير الدفاع باحتجازه – لا زال في عين المكان ذاته. وتزايدت الأعداد بما ضاق به المكان، ولجأ بعض المعتصمين لاستخدام بعض المرافق المحيطة، مثل مسجد المصطفي ومسجد السيدة صفية لبعض الاحتياجات اللوجستية.

وقبيل الهجوم، كان المعتصمون أمام نادي الحرس قرابة (2000) ويضاف إليهم ما يقارب (1500)، قد باتوا ليلتهم موزعين على مسجد المصطفى (الواقع غرب الاعتصام) ومسجد السيدة صفية (الواقع شرق الاعتصام)؛ علما بأن تقديرات الحشود في وقت الذروة – من قبيل العصر حتى الحادية عشرة مساء – حسب تقديرات الشهود – تصل إلى مائة ألف؛ حيث تتصل الحشود بعضها ببعض على امتداد متواصل من مركز الاعتصام في رابعة إلى ساحة الاعتصام أمام نادي الحرس.

 

أجواء مضطربة

في المكان ذاته، الذي وقعت فيه المذبحة الأولى من تقاطع شارع صلاح سالم بشارع الطيران، وعلى بعد 1500 متر من مركز الاعتصام الرئيسي في ميدان رابعة العدوية، وفي الثالثة صباحًا من يوم الاثنين الثامن من يوليو 2013م، وقعت المذبحة الثانية.

في ذلك اليوم الموعود وهذه الليلة الليلاء وفي تلك الساعة الفاصلة من مسار الثورة المصرية، وقف بضعة آلاف من المعتصمين ينتظرون ميلاد فجر يوم جديد، وبعد أن تجرعوا كأس الموت بفقدان خمسة من خيرة الشباب في الخامس من يوليو، ورؤية إصابات مفزعة للجرحى، كما استنشقوا حينها الدخان الكثيف من قنابل قوات الجيش والشرطة وتحت لهيب الحر وشدة العطش وملاحقة اتصالات القلق من أهلهم وأحبائهم بين باكٍ وناصح ولائم ومستفسر… كان نادى الحرس محاطا بقوات كبيرة من الجيش والمدرعات على الأرض، ومزودا بالعديد من القنَّاصة الذين يعتلون مبنى الحرس والمباني المجاورة العسكرية والأهلية، كما دوّن ذلك الشهود.

فقد أحاطت بهم قوات مدججة بالسلاح ومشحونة بالكراهية للمتظاهرين، حيث فتاوى (على جمعة) المفتي السابق والمؤيِّد للانقلاب، وقد أباح للجنود قتل المتظاهرين بلا رحمة، ووصفهم بأنهم “إخوان” و”خوارج” وحرّض عليهم، وقد تسرَّبت فتواه التي أباحت قتل المتظاهرين السلميين ثمَّ ما لبث أن اعترف بها فيما بعد وأصرَّ عليها، كما أذيعت تسريبات لمفتين غيره؛ سكت بعضهم عنها ونفاها آخرون.

 

في الركعة الثانية

كانت ليلة إيمانية بامتياز بين دعاء وبكاء ورجاء وتضرع بألا تصاب مصر بمكروه، أو أن يصاب المعتصمون بضرر. وكان جمهور المعتصمين من كافة طوائف الشعب.

اسودّ ليل القاهرة إلا من بعض الأعمدة القليلة التي ظلت صامدة صمود المعتصمين، وانصرف أغلب الرافضين للانقلاب إلى منازلهم، وبعضهم إلى رابعة، وبقي عدد قليل منهم في الخيام لاستكمال الاحتجاج لتلبية مطالبهم وبعضهم بالمسجدين المشار إليهما… وبينما كانت القوات تحتشد كان المتظاهرون في خيامهم ما بين مستريح مجهد من فعاليات يوم حار طويل وما بين راكع وساجد ومبتهل بالدعاء، إلى أن جاءت الصلاة فأذن المؤذن، ودبت الحياة واستنارت الخيام والوجوه للصلاة، وكانت الخيام قد زادت بعد استشهاد خمسة من الشباب في الخامس من يوليو، ظنا من المعتصمين والمحتجين أن الكثرة حصن يمنع الفئة المتعطشة للدماء من فسدة دولة مبارك اقتراف ما لا يريدون تصوره، لحسن ظنهم بالجيش الذي حمى الثورة، كما رددت وسائل الإعلام ذلك مرارا وتكرارا، وكما حاول أكثر المعتصمين إقناع أنفسهم بذلك من دون أية دلائل على أرض الواقع.

فجأة وفي الركعة الثانية من الصلاة هاجمت قوات من الجيش والشرطة المعتصمين، وضربت أطراف الاعتصام ممن تأخر أو تقدم أو ممن يستعد للصلاة أو من أفراد حراسة الاعتصام الذين كانوا يحرسونه ضد البلطجية أو المندسين، ووقعت جَلَبَة كبيرة مصحوبة بالطَّرْق على أعمدة الكهرباء من عناصر تأمين الاعتصام لوقف زحف القوات على المعتصمين، ولكن أصوات الرصاص وزخات القنابل ورائحة الدخان صارت تقترب من تجمع الصلاة وتطال الراكعين، منهم من طاله الغدر مختنقا بالدخان أو مدرجا بالدماء وعلى لسانه بقية من ذكر وصلاة… فجعل الإمام يقطع الدعاء، ويعجل بإنهاء الصلاة ليسلم عن يمينه فلا يجد إلا الغدر بالصلاة.

تفرّق الناس من أهوال ما رأوا، كلٌّ على وجهة لا يدري ما الله فاعل به… عاد من استطاع تحمّل الغاز وزالت من قلبه رهبة الصدمة وصوت الرصاص لينقل من استطاع من الشهداء والجرحى للمشفى الميداني، وأخذوا يدفعون عن أنفسهم ببعض الأحجار أو بصيحات التكبير… حتى تجمّع المعتصمون في مجموعات قليلة يتقهقرون ويتقدمون ويحتمون من الموت والفزع الذي يأتي من كل مكان، فمن انحاز منهم لمبنى من المباني تبعته قوات كثيفة، فإذا به بين يدي جنود قساة عتاة يقتلون الصائح المنادي بالهتاف والصامت المذهول لا يلوي على شيء، يركلون الجرحى بأرجلهم ويقيدونهم وكأنهم في حرب تجردت من كل قواعد الأخلاق والاشتباك…

ووقعت الصدمة، وإن لم يحدث الترويع الذي خطط له الانقلابيون في مواجهة الشعب باستخدام الجيش، واتضح أنها كانت ترتكب تلك المذابح بشكل متكرر لتحقيق الهدف ذاته، لكن الشعب كان يفيق سريعا ولا يبالي أحيانا وكان يستوعب الصدمة وعنده مطالب نصب عينيه: استكمال المسار الديمقراطي وإبعاد المجلس العسكري الذي ولاه مبارك الحكم وتولاه فيما بعد…

 

تفصيل سير الحدث

وقفوا للقيام والقنوت، وانطلق أذان الفجر وبدأ الجنود يتحركون ببطء نحو الاعتصام، كما وردت في روايات شهود عيان من تحذير بعض السائقين والأفراد من خارج المعتصمين للجان تأمين الاعتصام، بأن ثمة تحركات وقد يقع الغدر بكم، ولضيق الوقت يبدو أن هذا الخبر لم يتم التحقق منه لكثرة الإشاعات، وفي أثناء قيام المتظاهرين بأداء صلاة الفجر وفي الركعة الثانية قامت قوات الشرطة والجيش المدججة بالسلاح والمدرعات والمجنزرات بالهجوم على المعتصمين السلميين من الناحيتين وعمل كمَّاشة لفض الاعتصام بالقوة بصورة مباغتة.

قام بعض المعتصمين من أفراد الحراسة الموجودين على أطراف الاعتصام بإحداث ضجيج والطرق على أعمدة الكهرباء وإشارات المرور الحديدية، لتنبيه المعتصمين بأن هناك خطرا قادما، وهو فعل اعتاده الثوار من تجارب ثورة يناير.

تنبه الإمام إلى ضجيج الأصوات فخفف من دعاء القنوت والسجود والتشهد وأسرع بالصلاة. حيث شعر بخروج مصلين من صلاتهم.

باغتت قوات الأمن المصلين بإلقاء قنابل الغاز المسيلة للدموع والقنابل الحارقة والرصاص الحي عليهم، مما أحدث حالة من الخوف والهلع عند المعتصمين واشتعال النيران في الخيام وحدوث فوضى عارمة وسقوط عشرات الشهداء والإصابات فيما بينهم.

وتزامن مع الهجوم على مقر الاعتصام – بالساحة المقابلة لنادي الحرس- اقتحام الساحة الخارجية لمسجد المصطفى جهة الغرب، وأوغلوا في المصلين الذين كانوا في التشهد الأخير وقتها قتلاً وإصابةً واعتقالاً، بينما لاذ من بقي منهم بالفرار إلى داخل المسجد، حيث نجحوا في إغلاق الأبواب، ورأى الناس بأعينهم كيف كان يُقنَص أو يُعتَقَل كل من يحاول الخروج من المسجد، فتكدس الناس داخل المسجد، وغلبت عليهم الاستغاثة بالتكبير ومعهم الأطفال والنساء في مصلى السيدات.

قامت مجموعات قتالية من القوات المهاجمة بالتقدم بالمجنزرات نحو المعتصمين من طرفي الاعتصام، وبعدها بدأ الهجوم من خلال قوات الحرس وسط الاعتصام، وأطلَقوا الرصاص الحي على المعتصمين والتصويب نحوهم في مقتلهم بالرأس والصدر، كما اتضح من شهادات الشهود، وأكدته وقائع القتل والتقارير الطبية وصور الحالات الحرجة في الجراحة – في إطار عملية عسكرية مبيَّتة بغرض فض الاعتصام وإيقاع أكبر قدر من الخسائر في الأرواح والإصابات الخطيرة لإحداث الترويع والصدمة.

فرَّ المعتصمون إلى الأماكن المجاورة؛ مثل العمارات السكنية وبعض المباني الحكومية، منها: مبنى وزارة التخطيط للاحتماء بها من الرصاص، واتجه فريق منهم نحو شارع الطيران باتجاه الاعتصام الرئيسي في رابعة العدوية تتعقبهم القوات الأمنية.

حالة من الهرج والمرج… حاول الناجون من المعتصمين حمل القتلى والجرحى أو محاولة الهرب أو طلب النجدة والإسعاف من المعتصمين بميدان رابعة العدوية عبر شارع الطيران وشارع عباس حلمى، خاصة مع عدم سماح القوات لسيارات الإسعاف التابعة لوزارة الصحة بالدخول لإسعاف المصابين المحاصرين في مسجد المصطفى أو في ساحة الاعتصام.

حاول بعض المعتصمين عمل حاجز من الأخشاب وبلاط الأرصفة؛ ليعيق تقدم القوات المهاجمة، أو لعمل نوع بسيط من الحماية وسط الصيحات والتكبير والاستغاثة وحدوث اختناقات وفوضى في الحشود من كثافة القنابل المسيلة للدموع وزخات الخرطوش والرصاص الحي.

من خلال رصد الأحداث وشهادات الشهود وتسجيلات الفيديو يمكن أن نرى أن المذبحة الثانية تمت على مرحلتين: مرحلة فض الاعتصام، ومرحلة تمشيط منطقة الاعتصام بشكل وحشي بالإجهاز على بعض الجرحى واعتقال من يمكن اعتقاله، لأن ثمة قضايا كانت تُعَدُّ لكل مناهضي الانقلاب عامة، وللمنتسبين لحزب الحرية والعدالة وتحالف دعم الشرعية خاصة.

 

مسجد المصطفى

أطلق بعض المعتصمين المحاصَرين في مجمع مسجد المصطفى صيحات استغاثة للسكان القريبين عبر مكبرات الصوت، وحاول آخرون الهرب إلى المباني المحيطة، فاتجهت مجموعة من القوات فحاصرت المعتصمين داخل المسجد، وقامت بإلقاء القبض على بعضهم من الساحة الخارجية للمسجد، كما استطاعت محاصرة مجموعات صغيرة ليست لديها دراية بالمنطقة، أغلبهم من خارج محافظتي القاهرة والجيزة أو من غير سكان المنطقة – ممن دخلوا إلى بعض المبانى الحكومية مثل نادى القوات الجوية ومسجد نادى المصانع الحربية ووزارة التخطيط والعمارات السكنية التي دخلوها للاحتماء من لهيب القنابل والخرطوش والرصاص- وطالبتهم بالاستسلام وعدم المقاومة مع استخدام عبارات من الإساءة البالغة والتهكم والسب والشتم ومعاملتهم معاملة أسرى الحرب بالنوم على البطن ووضع الأيدى خلف الظهر والضرب المبرح.

ولم يتنبه المصلون في مسجد السيدة صفية بشكل جيد، فكان منهم أكثرُ المعتقلين، على عكس مسجد المصطفى الذي قاوم المعتصمون بداخله عملية الاعتقال، حتى تمكنوا من مغادرة المسجد متجهين إلى مقر الاعتصام الرئيسي في رابعة العدوية بعد صلاة العصر من يوم 8 يوليو، بمساعدة بعض السكان الذين وثقوا بهم من أهل المنطقة، وقد كانت القوات قد ابتعدت عن المسجد بالتدريج بعد زيادة حركة دبيب الناس في الشارع مع بدء ساعات العمل، وأرجع بعض الشهود السبب في مهاجمة المسجدين إلى أنهما يمثلان أقرب النقاط للمعتصمين أمام نادي دار الحرس، حيث كان المعتصمون يتبادلون التردد على المسجدين للاستفادة من الخدمات والمرافق.

 

اعتقالات

تم اقتياد المعتقلين بعد طلوع الشمس إلى مبنى نادي الحرس الجمهوري، بعد الاستيلاء على كل متعلقاتهم من نقود وتليفونات محمولة وكل ما له قيمة، ثم أجلسوهم على ركبهم مع وضع الأيدي فوق الرؤوس، وتكدست سيارات الترحيلات بهم فيما بعد، وقد أفاد الشهود ببقائهم في هذه الحال من وقت الاعتقال من بداية مهاجمة الاعتصام وحتى الساعة الحادية عشرة صباحًا حتى اختنقوا ووجدوا صعوبة في التنفس، فطرقوا جدران السيارة (سعة السيارة 20 شخصا، لكنهم وضعوا فيها 50 شخصا)، ووفقًا لبعض الشهود فقد بَقِيَ المعتقلون حتى المغرب من دون إسعافات أو تقديم طعام أو شراب، مع استمرار الإهانة والشتم والسب واللعن، حتى انتهى التحقيق معهم ومن ثم تقسيمهم إلى مجموعات وترحيلهم إلى أقسام الشرطة المختلفة بالقاهرة.

 

المشهد الأخير

انتقلت الأحداث إلى شارع الطيران بعد فض الاعتصام أمام نادي الحرس وفرار الناجين من المعتصمين باتجاه اعتصام رابعة، والتحامهم بمن قدم من معتصمي رابعة مغيثًا لهم بالماء والدواء، تحت نيران القنَّاصة التي كانت تنتظرهم أعلى المباني التابعة للجيش بشارع الطيران، وملاحقة المجنزرات والآليات العسكرية والشرطية لهم من الخلف.

أمام هذا الهجوم – الذي امتد إلى منتصف شارع الطيران مقتربًا من مركز الاعتصام الرئيسي في رابعة العدوية – خشي المعتصمون أن تكون النية مبيتة لفض اعتصام رابعة، فحاولوا صده بكل ما استطاعوا، وشرعوا في بناء حواجز، واعتلوا بعض البنايات حيث ألقوا على القوات المهاجمة أجسامًا صلبة وبعض الألعاب النارية. وقد شهد هذا المكان الكثير من عمليات القنص للمتظاهرين والتي سقط على إثرها أكثر الشهداء والجرحى، حيث كان ممن قُتِلوا فيه الصحفي (أحمد سمير عباس عاصم السنوسي) الذي كان آخر ما التقطته عدسته تصوير قاتله، واستمر ذلك المشهد من كثافة القتل والقنص، حتى طال الرصاص كل ما في المكان من إنسان ونبات وجماد، فمن احتمى بشجرة أطلقوا عليها كثيف النيران من كل مكان، وكذلك من احتمى بعمود إنارة أو سيارة إسعاف أو اختبأ بجدار أو بمدخل عمارة أو غير ذلك، حتى امتلأ المكان برائحة الموت والرصاص وثقوب في الأشجار والجدران وحرائق في السيارات والبنايات.

 

مسار جديد للانتهاكات

لقد وقعت تلك المذابح من قبل في المذبح الكروي[1] والكنسي ومحمد محمود[2] وماسبيرو[3] وغيرها، إلا أن هذه المذبحة (نادي الحرس) كانت بداية مرحلة جديدة يواجه فيها الانقلابيون الثورة بشكل صريح؛ فالسلطة لم تقر في هذه المذبحة بأن ثمة خطأ قد وقع منها أو من بعض أجهزتها الأمنية على عكس المذابح السابقة!، وكذلك الإعلام لم يتابع القضية كما كان يفعل من قبل!، والأحزاب صمتت!… والاعتقال حدث للضحايا!… هذا هو الجديد بعد انقلاب 3 يوليو بيومين في المذبحة الأولى، وبعد اليومين بثلاثة أيام في المذبحة الثانية.

 

تعريف بالمؤسسة

“مؤسسة وعي للبحث والتنمية” هي هيئة علمية مستقلة تقوم على العناية بكافة أنواع المعارف التي تتعلق ببناء الوعي الفردي والجمعي. ولا تقتصر على التحليل والاستشراف للمستقبل في القضايا العلمية والسياسية والاقتصادية وغيرها، بل تجعل من التأريخ والتوثيق والرصد ومنصات التدوين محوراً بارزاً من محاور انطلاقها. والوازع المحرك لإيجاد هذا المشروع الطموح هو رؤية مؤسسية حضارية متكاملة للإنسان في القرن الحادي والعشرين، رؤية تنشد الحياة على أفضل الوجوه الممكنة وتعلي من شأن القيم والمبادئ الأساسية المشتركة بين البشر.

وتلتزم المؤسسة بنشر الحقائق ورصد الوقائع وهي في ذلك تحترم التخصص وتعالج القضايا بموضوعية وتراعي التعدد الفكري والاختلاف الطبيعي وتدرك قيمة الإنسان الذي كرمه خالقه واستخلفه في الأرض. وهي بذلك تسعى إلى تلبية حاجة المجتمع بمختلف شرائحه إلى نشر الثقافة والوعي والإدراك لدى العموم وليس بين النخبة وحدها.

[1]  وقعت مذبحة مروِّعة لمشجِّعي النادي الأهلي في استاد بورسعيد مساء الأربعاء 1 فبراير 2012 (الذكرى الأولى لموقعة الجمل) في عهد المجلس العسكري برئاسة المشير طنطاوي عقب مباراة كرة قدم بين الناديين المصري والأهلي، وراح ضحيتها 72 شهيدًا ومئات المصابين بحسب ما أعلنته مديرية الشؤون الصحية في بورسعيد وهي أكبر كارثة في تاريخ الرياضة المصرية

[2]  مذبحة شهيرة وقعت في شارع محمد محمود قريب من ميدان التحرير بمدينة القاهرة حيث بدأت الأحداث في 9 نوفمبر 2011

(عهد المجلس العسكري برئاسة المشير طنطاوي) باحتجاج سلمي على فضّ خيمة مصابي الثورة بميدان التحرير باستخدام القوة المفرطة من جانب الأجهزة الأمنية والعسكرية ثم تطورت إلى كرّ وفرّ بين المتظاهرين السلميين والقوات، وأسفرت عن سقوط عشرات الشهداء من المتظاهرين ومئات الجرحى والمعاقين ومئات المعتقلين، وقدَّرت جهات حقوقية أعداد الضحايا ما بين 70 شهيدًا إلى 100 شهيد

[3]  وقعت هذه المذبحة عند مبنى الإذاعة والتلفزيون المعروف باسم “ماسبيرو” ضمن فعاليات يوم الغضب القبطي الذي تزامن مع أحداث طائفية مفتعلة في قرية المريناب بمحافظة أسوان وصدور تصريحات من المحافظ اعتبرت مسيئة بحق الأقباط، فخرجت مظاهرة من منطقة شبرا متوجهة نحو “ماسبيرو” وشارك فيها المسيحيون وعدد غير قليل من المسلمين المتضامنين معهم، حيث وقعت المذبحة التي أسفرت عن استشهاد ما بين 24 إلى 35 أغلبهم من الأقباط

تعليقات فيس بوك

شاهد أيضاً

مذبحة الحرس الجمهوري- 5و8 يوليو 2013- أول توثيق علمي شامل

مذبحة الحرس الجمهوري- 5و8 يوليو 2013- أول توثيق علمي شامل

أطلقت مؤسسة وعي للبحث والتنمية عن موسوعتها التوثيقية الأولى من نوعها وأتاحتها للجمهور، والتي تختص …