×
الأربعاء , يناير 22 2020
الرئيسية | إصـــدارتنا | مذبحة الحرس الجمهوري | “الانطباع الأول”.. رصد دقيق للمواقف السياسية حيال مذبحة الحرس الجمهوري
“الانطباع الأول”.. رصد دقيق للمواقف السياسية حيال مذبحة الحرس الجمهوري

 يُستهل الباب الثاني عشر من الموسوعة التوثيقية لمذبحة الحرس الجمهوري الصادرة عن مؤسسة وعي للبحث والتنمية ومقرها العاصمة البريطانية لندن، لتلخص ما وثَّقته الموسوعة من مواقف وبيانات عكست مواقف الدول والهيئات والأحزاب والشخصيات والحركات الشعبية والمنظمات الأهلية تجاه المذبحة وهو الباب الذي نفرد له العرض التالي:
لقد أرشفت الموسوعة البيانات وردود الأفعال مع تصنيفها ومصادرها الأصلية على مواقع الجهات التي تمثلها، واقتصر دور محرري الموسوعة على الرصد والتصنيف، وهو ما يتناسب مع طبيعة العمل التوثيقي دون التحليل وإبداء الرأي، وسنورد هنا أمثلة من مواقف القوى السياسية والشعبية داخل مصر وخارجها من خلال قراءة البيانات الصادرة في حينها، حيث كانت معبرة عن السياق السياسي والاجتماعي الذي وقعت فيه.
أولاً: المواقف السياسية داخل مصر
قدمت الموسوعة ردود الأفعال التي جرت في الداخل المصري على ثلاثة أنواع تشمل المجموعة الانقلابية بكل أطيافها، والمجموعة الرافضة للانقلاب بكافة أطيافها، والهيئات النقابية والشعبية المستقلة التي أفرزتها الثورة والشخصيات المستقلة، وهو ما سنعرض لأمثلة منه في السطور التالية.
أ. تحالف قوى 30 يونيو و3 يوليو 2013م.
تكوّن تحالف 30 يونيو الذي ترتب عليه انقلاب 3 يوليو 2013 من عدة مكونات أساسية، سواء من كان منهم في قمرة قيادة الانقلاب أو من كان يقوم بخدمات لوجستية في الإعلام أو في المساجد أو في عموم قطاعات المجتمع المختلفة التي ظهرت في مشاهد مظاهرات 30 يونيو 2013.

وأول ما يلحظه القارئ على رمزية الصورة التي تُلي فيها بيان الانقلاب العسكري والتي تتضمن خمس عشرة شخصية عسكرية ودينية وحزبية – هو ظهور مثلث عسكري في قلب الصورة (البرواز)، رأس هذا المثلث (الفريق أول عبد الفتاح السيسي قائد الانقلاب) والضلع الأيمن فيه (الفريق عبد المنعم التراس قائد قوات الدفاع الجوي) والضلع الأيسر (الفريق صدقي صبحي رئيس أركان القوات المسلحة). كما يلاحظ أن عدد من يرتدي الزي العسكري سبعة أشخاص يمثلون قطاعات القوات المسلحة، وتم توزيعهم بطريقة جعلت بطرك الكنيسة وشيخ الأزهر – في جهة اليمين – يجلسان بين قيادتين عسكريتين، وكذلك الأمر لكل من (المستشار حامد عبد الله رئيس المجلس الأعلى للقضاء ورئيس محكمة النقض) و(الدكتور محمد البرادعي رئيس حزب الدستور ومنسق عام جبهة الإنقاذ) في جهة اليسار.
وقد جمعت الصورة في الصف الأول مرتبين من اليمين إلى اليسار كلاً من:
اللواء يونس السيد حامد المصري – قائد القوات الجوية
الأنبا تواضروس الثاني (باسم وجيه صبحي باقي سليمان) – بطريرك الكرازة المرقسية
الدكتور أحمد محمد أحمد الطيِّب – شيخ الأزهر
اللواء عبد المنعم إبراهيم بيومي التراس – قائد قوات الدفاع الجوي
الفريق صدقي صبحي سيد أحمد – رئيس أركان القوات المسلحة
المستشار حامد عبد الله – رئيس المجلس الأعلى للقضاء ورئيس محكمة النقض
اللواء أسامة أحمد أحمد الجندي – قائد القوات البحرية
الدكتور محمد مصطفى البرادعي – رئيس حزب الدستور ومنسق عام جبهة الإنقاذ
كما جمعت الصورة في الصف الثاني مرتبين من اليمين إلى اليسار كلاً من:
محمد عبد العزيز – مسؤول الاتصال السياسي بحركة تمرد
سكينة جمال فؤاد – كاتبة صحفية
جلال مُرَّة – الأمين العام لحزب النور السلفي
اللواء محمد سعيد العصار – مساعد وزير الدفاع لشؤون التسليح
اللواء محمود إبراهيم حجازي – مدير المخابرات الحربية
محمود بدر – مؤسس حركة تمرد
ولأهمية بيان الثالث من يوليو وارتباطه بمذبحة نادي الحرس وما تلاها من مذابح؛ اهتمت الوثيقة بمحتويات هذا البيان ومشهد تلاوته والصورة المعبرة عنه. فذكرت نص البيان ووصفت مشهد تلاوته وناقشت محتواه تفصيلاً.
2- القوى السياسية
. جبهة الإنقاذ:
وهي مجموعات الأحزاب المنضوية تحت ما عُرف بجبهة الإنقاذ، وهي جبهة جمعت أكثر الخاسرين في الانتخابات الرئاسية 2012 والخاسرين حزبيا في الاستحقاقات الدستورية في مجلسي الشعب والشورى ولجنة الدستور. وقد أُنشئت تلك الجبهة بتنسيق كامل وترتيب من الجهات الأمنية، كما جاء على ألسنة بعض رموزها والمنفضِّين عنها فيما بعد، وكانت هي الخط الذي تستعمله الدولة العميقة كغطاء سياسي يمهد للاستيلاء على السلطة.
أدانت جبهة الإنقاذ “كل أعمال العنف… وأي محاولة للاعتداء على المنشآت العسكرية ورجال القوات المسلحة”، وطالبت بتحقيق عاجل، وهي إدانة عامة غامضة تسوي بين القاتل والمقتول ولم تصمد طويلا بمرور الوقت، فالمطالبة بالتحقيق لم تتكرر، وسرعان ما تماهت مواقف مكونات جبهة الإنقاذ من أحزاب ومستقلين مع سلطة الانقلاب، خاصة بعد اختيار بعض الشخصيات فيها لوظائف رفيعة في سلطة الانقلاب، مثل تعيين الدكتور (محمد البرادعي) نائبًا لرئيس الجمهورية المعيَّن، وتعيين بعض منهم وزراء، وتم الاستغناء عن خدماتهم سريعًا فيما بعد، وكان من الملاحظ أنه كلما زادت عمليات القتل للمعتصمين زاد تأييد مكونات جبهة الإنقاذ لسلطة الانقلاب، وهو أمر غريب في المواقف والمبادئ.
. حركة 6 أبريل:
دعت الرئيس المعين عدلي منصور إلى تشكيل لجنة تحقيق مستقلة فورا، ودعت القوات المسلحة إلى ضبط النفس وفض الاعتصامات دون قوة مفرطة.
وظهر فيما بعد أن هذا البيان كان للاستهلاك الإعلامي وإثبات الحضور السياسي وإرضاء لبعض جماهير الحركة ليس أكثر، وهو ما دلَّ عليه فيما بعد اعتراف أحد قيادات 6 أبريل (أحمد ماهر) في مقال تفصيلي من محبسه بعد ذلك بعنوان: “للأسف كنت أعلم”!! وشارك بعضهم – كما في بعض الشهادات – جنبا إلى جنب مع البلطجية في الاعتداء على المتظاهرين والمعتصمين ومعاونة الأجهزة الأمنية بشكل مباشر.. إلا أن الحركة عدَّلت مواقفها واتخذت مسافة من السلطة، وحاولت التبرير لموقفها السابق، ثم انتقلت للاعتذار، إلا أنها دخلت في متاهة الاصطفاف ضد الحكم العسكري، بشرط استبعاد عودة الرئيس مرسي، وعدم رفع شعار رابعة، والانتقاد الحاد للإخوان، مما جعل موقفها من الحكم العسكري أكثر ضبابية وأقل جرأة مما كانت عليه قبل الثورة وأثناءها وفي عهد الرئيس مرسي.
. الدعوة السلفية وحزب النور:
أعلن حزب النور الموصوف بالسلفي انسحابه من خارطة الطريق التي أُعلِن عنها في بيان الانقلاب، ووقف التفاوض حولها كرد فعل أولي على “مجزرة الحرس الجمهوري”.
ويبدو أن هذا هو أقوى المواقف في تحالف 3 يوليو، وقد أدى موقفه هذا إلى عودة الأجواء التفاؤلية للجمهور السلفي ولبعض كوادر حزب النور المعارضين لبيان الانقلاب، وصار الموقف مادة للنقاش والجدل بين المعتصمين الذين كان يرى بعضهم أنه مناورة لكسب الحاضنة الشعبية الآخذة في التراجع، في حين رأى آخرون أنه موقف إيجابي يمكن البناء عليه، وكان لكل رأي مؤيدوه من السلفيين ومن الإخوان وبقية تحالف دعم الشرعية… ولكن الحزب ذا النزعة السلفية الشكلية المتشدِّدة عاد وفسر موقفه تفسيرا فيه تراجع كبير عن هذا الموقف واستمر تراجعه حتى وصل إلى حد التطابق مع السلطة الانقلابية والتماهي معها فيما تلا ذلك من مذابح وكوارث، وتوجيه معارضته وغضبه ونقمته ضد الضحايا وعلى رأسهم الإخوان وحزب الحرية والعدالة دون سواهم، إلا ما كان يطلب منه من مناورات أخرى مثل موقفه المتشدد من الدكتور البرادعي عند عرض مشاركته في الحكومة الانقلابية برئاسة الببلاوي!!
ومن العجيب أن هذا الحزب الموصوف بالسلفي الذي كان يبدي تشددًا في بعض العبادات وجدناه مفرطًا في القضايا الكبرى؛ مثل: الدماء (كما يظهر للمتابع في مواقفه من المذبح الأخرى) والأعراض (كما في فتوى برهامي المثيرة للجدل) والأرض (كما في قضية تيران وصنافير) وكثير من المواقف المخزية التي كان يسبق فيها السلطة الانقلابية أحيانا.
. حزب مصر القوية:
أصدر حزب مصر القوية بيانًا أدان فيه قتل المتظاهرين أمام دار الحرس الجمهوري، وحمّل البيان القوات المسلحة مسؤولية عدم حفظ دماء المصريين، كما علق الحزب مشاركته في بحث كيفية تنفيذ خارطة الطريق السياسية للبلاد، وطالب الرئيس المعين عدلي منصور بالاستقالة فورًا؛ احتجاجًا على “المجزرة”.
ومع أن حزب مصر القوية ذا التوجه الليبرالي مع لمسة إسلامية – كان يعمل في الحديقة الخلفية لتحالف 30 يونيو- إلا أنه كان أكثر ثباتا في إدانة عمليات القتل الجماعي التي جاءت بعد ذلك، ولم يتطابق مع موقف السلطة تطابق حزب النور الذي أشرنا إليه منذ قليل بل كان يبتعد عن السلطة بعد كل مذبحة أكثر فأكثر.
3- السلطة الدينية
وهي تمثل – في هذا التوقيت – الأذرع الدينية للدولة العميقة التي ترتبط بعض قيادتها ارتباطا لازما بالأجهزة الأمنية التي تعيّن لهم الحراسات وتمدّهم بالمستشارين وتضفي عليهم قدسية شعبوية وأمنية هائلة، وتستطيع شيطنتهم في أيام معدودة لو أرادت! وقد مثّل هذه السلطة مشيخة الأزهر وبطاركة الكنيسة الأرثوذكسية وبعضُ الزعامات السلفية وبعضُ فلول الإخوان المفصولين وبعضُ شيوخ الصوفية – عبّر هؤلاء عن هذا النمط تعبيرًا سافرًا؛ فجمع هذا الصنف المقولب أعلى سلم التشدد والتطرف الديني والطائفي المنفر، وكذلك أدنى مستنقع الانحراف الديني والأخلاقي. وفي هذا القالب تجد أتباع السلطة الدينية الرسمية، وقلّما غاب عنهم قرين أمني مؤثر؛ إما تهديدا، أو وعدا، أو وعيدا.
فعلى سبيل المثال؛ دعا شيخ الأزهر (الدكتور أحمد الطيِّب) إلى تشكيل لجنة للمصالحة الوطنية، وقال إنه يجد نفسه “مضطرًا وسط هذه الأجواء التي تفوح منها رائحة الدم للاعتكاف في بيتي، حتى يتحمل الجميع مسؤوليته تجاه وقف نزيف الدم، منعًا من جر البلاد إلى حرب أهلية طالما حذرنا من الوقوع فيها”.
لم يترتب على هذا البيان أي أثر في الحالة السياسية أو الاجتماعية المتأزمة، ويبدو أنه حاول اتخاذ خطوة مشابهة لما يتخذه البطرك من اعتكاف عندما يحدث مكروه للمسيحيين ويرى أن السلطة لم تتخذ ما يكفي لحمايتهم! وهي خطوة متقدمة – لا شك – من شيخ الأزهر قد لا تكون مقبولة بأي شكل من سلطة تعتبر الزعماء الدينيين بيدق لدغدغة مشاعر الجماهير وأداة للاستعمال السياسي! ولا نعرف حتى الآن ما إذا كان بيان شيخ الأزهر يشبه بيان حزب النور من حيث إعلانه الانسحاب (والشيخ أعلن الاعتكاف) ثم العودة بسرعة للارتماء تحت الأوامر العسكرية، وهل هذه العودة السريعة هي عملية طوعية منسقة في سبيل مناورات جس النبض لقياس ردود الأفعال الشعبية والدولية إزاء المذابح، أم أنه كان احتجاجا حقيقيا ثم جرى تهديد الشيخ وقهره!
ب. السلطة الشرعية والأحزاب الداعمة لها
لم تكن السلطة الشرعية في حالة تسمح لها باتخاذ أي إجراء فعال، فقد انقسمت ردود فعلها على عدة زوايا كما يلي:
1- الرئيس محمد مرسي رأس السلطة التنفيذية
تعرّض الرئيس الشرعي محمد مرسي نفسه للاختفاء القسري قبل يومين من ارتكاب المذبحة، وكان قد حذّر في خطابه الأخير، وهو خطاب تاريخي وصف فيه الأحداث والمآلات التي قد ينتهي إليها استخدام القوة المسلحة للاستيلاء على السلطة، وطالب القوات المسلحة بالتراجع عن إنذاراتها وتهديداتها، وحذّر من عواقب الانقلاب على الشرعية، وناشد كل المصريين بحقن الدماء، وعبّر عن استعداده التام للتضحية بحياته دفاعا عن الشرعية، كما ناشد بضرورة الحفاظ على الجيش والشرطة والقضاء والالتزام بالسلمية والحفاظ على المؤسسات، وناشد جهات السلطة بأن التغيير الشرعي والدستوري ووفق خريطة الطريق التي وافق عليها بتوافق كافة القوى ورئيس الوزراء ووزير الدفاع، هو الضمانة الوحيدة للحفاظ على الشباب والنساء والأطفال ووحدة المجتمع والمسار الديمقراطي (يوتيوب، 2013).
2- مجلس الوزراء
فوجئ رئيس الوزراء الدكتور هشام قنديل – وهو من المستقلين التكنوقراط وليس منتميا لحزب الأغلبية ولا من الإخوان المسلمين- بالانقلاب العسكري، خاصة بعد موافقة الرئيس مرسي على خارطة الطريق التي تضمنت في بنودها استقالة رئيس الوزراء وتعيين رئيس وزراء يوافق عليه جميع الفرقاء وتمكين الشباب وإجراء مصالحة مجتمعية وتشكيل حكومة ائتلاف وطني…- وسبب المفاجأة أن الذي كان يتوسط الحكومة والمعارضة هو وزير الدفاع الذي وعد، في أكثر من مرة، أنه لا تغيير إلا عبر المسار الديمقراطي، فإذا به هو من يتزعم الانقلاب العسكري!! واستمر رئيس الوزراء في ممارسة عمله بعد بيان الانقلاب “مراعاة لمصالح البلاد والعباد” كما قال، مع إعلان رفضه للبيان دون أن يلتفت إليه الإعلام الذي كان من قبل قد شن عليه حملة تشويه كبيرة سبقت الانقلاب بشهور.. وبعد انتشار نبأ المذبحة قدَّم قنديل استقالته للشعب، كما قال، لكونه غير قادر على ممارسة مهامه الوظيفية والسياسية؛ فكانت مذبحة دار الحرس هي المسبب الرئيس ونشر خطاب الاستقالة للشعب بقوله: “أصبح ذلك مستحيلًا عمليًا وبعد الدماء التي سالت” وانحازت مجموعة من الوزراء في حكومته للشرعية وقدموا استقالتهم، وهؤلاء منهم مستقلون مثل: وزير العدل (أحمد سليمان) ووزير الأوقاف (طلعت عفيفي)، ومنهم حزبيون مثل الوزراء المنتمين لحزب الحرية والعدالة كوزير التموين والتجارة الداخلية (باسم عودة) ووزير الدولة لشؤون الشباب (أسامة ياسين) ووزير الإعلام (صلاح عبد المقصود) ووزير القوى العاملة (خالد الأزهري)، ووزير الدولة للتنمية المحلية (محمد علي بشر)، ووزير الاستثمار (يحيى حامد)، ووزير التخطيط والتعاون الدولي (عمرو دراج)، وهذه المجموعة ذهبت مباشرة إلى ساحات الاعتصام ونزلت نزولا رمزيا في الشوارع للتضامن مع الحشود الغاضبة والرافضة للانقلاب وكل مخرجاته. وتضامن معهم في الموقف وزراء آخرون من حزب الوسط مثل: وزير التجارة والصناعة (حاتم صالح)، ووزير الدولة لشؤون الآثار (أحمد عيسى أحمد). واستقال أيضًا وزير الثقافة (علاء عبد العزيز – حزب التوحيد العربي).
وفريق آخر من حكومة قنديل انحاز للانقلاب من أول لحظة، وعلى رأسهم وزير الداخلية (محمد إبراهيم)، ووزير الخارجية (محمد كامل عمرو)، وزير المالية (فياض عبد المنعم حسنين)، بالإضافة إلى قائد الانقلاب العسكري وزير الدفاع والإنتاج الحربي (عبد الفتاح خليل السيسي).
وكانت هناك مجموعة مترددة وتنتظر استجلاء الموقف مثل: وزير السياحة (هشام زعزوع) وغيره، وهؤلاء قد استبقتهم السلطة الانقلابية في مناصبهم بعد ذلك عندما تذكرت أن هناك سلطة أخرى موجودة غير وزارتي الدفاع والداخلية اسمها مجلس الوزراء!!
وهذا الوضع ينطبق تماما على مختلف درجات سلم السلطة من ورؤساء السلطات القضائية والتنفيذية المختلفة من كبار القضاة والمحافظين ووكلاء الوزارات وغيرها والملحوظ، أن الجزء الأكبر من هذه السلطات لم يكن منتميا لحزب الأغلبية، ولا لجماعة الإخوان المسلمين، ولا الأحزاب المتحالفة معهم، وهي عكس الدعاية التي كانت سائدة في مرحلة إعداد الشعب للانقلاب العسكري.
3- التحالف الوطني لدعم الشرعية
عندما شعرت بعض القوى السياسية بهشاشة السلطة الشرعية في مواجهة الانقلاب والدولة العميقة؛ شكلت فيما بينها قبل الانقلاب، وبالتحديد في شهر يونيو 2013، تحالفًا لمساندة الشرعية أطلقت عليه (التحالف الوطني لدعم الشرعية) (ويكيبيديا، 2013)، ولما وقع الانقلاب صار اسمه (التحالف الوطني لدعم الشرعية ورفض الانقلاب). وهدف التحالف إلى تشكيل جبهة وطنية عريضة لمواجهة الخطوات الانقلابية التي تقوم بها الدولة العميقة بالتحالف مع القوى الإقليمية والدولية للارتداد عن ثورة 25 يناير 2011 ومكتسباتها والتنسيق مع الجيش والاستخبارات بعيدا عن الرئيس الشرعي المنتخب من قِبَل الشعب والحكومة المكلفة من قِبَلِه برئاسة هشام قنديل ومجلس الشورى المنتخب ديمقراطيًا (وهو الغرفة التمثيلية الوحيدة التي أفلتت من الحل القضائي الانقلابي المتتابع للمحكمة الدستورية العليا التي كانت سيفا مسلطا على كل اختيار شعبي بعد نجاح ثورة يناير).
شمل التحالف مجموعة من الأحزاب وهي: البناء والتنمية، والحرية والعدالة، والعمل الجديد، والفضيلة، والإصلاح، والتوحيد العربي، والحزب الإسلامي، والوطن، والوسط، والأصالة، والشعب، ومجموعة من القوى الثورية والاجتماعية غير الحزبية وهي: مجلس أمناء الثورة، واتحاد النقابات المهنية ويضم 24 نقابة، واتحاد طلاب جامعة الأزهر، وائتلاف اتحاد القبائل العربية بمصر، ومركز السواعد العمالية، والرابطة العامة للباعة الجائلين، وضباط متقاعدون ومحاربون قدماء (موقع الجزيرة نت، 2014)، وتوالت المجموعات السياسية والمهنية ذات التوجهات المختلفة في الانضمام لتحالف دعم الشرعية، ومنها: مسيحيون مستقلون، وطلاب ضد الانقلاب، ونساء ضد الانقلاب، وصحفيون ضد الانقلاب، وقضاة ضد الانقلاب، وغيرها.
ج. مؤسسات المجتمع المدني
مؤسسات المجتمع المدني المصري مثل النقابات المهنية، والجمعيات الأهلية، والاتحادات الطلابية، ونوادي أعضاء هيئة التدريس، والجمعيات الحقوقية، والروابط الاجتماعية… إلخ.
إن المتتبع لأنشطة تلك المؤسسات يجد أنها تتمتع بحيوية لا بأس بها، كما تتمع بقدر من الثقة والمقبولية الاجتماعية لدى المصريين في السنوات العشرين السابقة للثورة؛ فقد أظهرت قدرة عالية مكّنتها من احتواء الآثار الضارة على البناء الاجتماعي المصري، وتمثل ذلك في قدرتها على احتواء الأضرار المادية والمعنوية حال غياب الدولة – عمدا بالفساد أو إهمالا بضعف الكفاءة الإدارية- عن القيام بواجبها، وقد أثبتت تلك المؤسسات حضورا شعبيا ومهنيا باعتبار أن أكثرها كانت مؤسسات منتخبة انتخابًا حقيقيًا، ومعبرة عن الطبقة المتوسطة التي تحافظ على توازن المجتمع.
كان دور هذه المؤسسات واضحًا على امتداد تاريخها، فقد قامت بواجبها في معالجة آثار ثورة 25 يناير 2011 من قبل، وكذلك في المذابح التي نفّذها ما كان يسمى بالطرف الثالث (إبان فترة المجلس العسكري) ورأيناها في مواقف كثيرة مرت بالمجتمع المصري قبل ثورة يناير، مثل: سقوط صخرة فرعون على منطقة الدويقة، وقبلها نشاطها الملحوظ في أعقاب الزلزال الذي ضرب مصر في التسعينيات.
وبرز دورها في هذه الواقعة، فعقدت عدة مؤتمرات شعبية ومتخصصة، للبحث في أسباب مذبحة نادي الحرس وتحديد المسؤولية عنها، والأهم من ذلك هو اتخاذها إجراءات عملية لمساعدة الضحايا من الشهداء وكذلك المصابين والمعتقلين وتعويضهم ورعاية أسرهم ومحاولة جبر الضرر المادي والمعنوي والنفسي لكل من وقع عليه الضرر، بغض النظر عن انتماءاتهم الحزبية والسياسية والدينية (شبكة يقين الإخبارية، 2013). اتخذ هذا الموقف أغلب النقابات الكبيرة، مثل نقابات الأطباء والمهندسين والصيادلة والعلميين والتجاريين والبيطريين والتطبيقيين والمعلمين واتحاد النقابات المهنية ونوادي أعضاء هيئة التدريس وكذلك الجمعيات الأهلية والمسيحية.
تلك المؤسسات جرى عقابها ووضعها تحت الحراسة أو حلها أو تعطيلها أو تجميدها، خلال العام الأول من الانقلاب، وكانت السلطة الانقلابية تعامل كل نقابة أو هيئة مدنية بمقياس موقفها من هذه المذبحة، فبدأت في تدمير مؤسسات المجتمع المدني وشلّها عن العمل تماما بعد مذبحة نادي الحرس، واتهامها بأنها تابعة لجماعة الإخوان المسلمين.
وبناءً على الإجراءات القمعية التي اتخذتها السلطة، وكذلك الدعايا الإعلامية السوداء؛ ضعف دور تلك المؤسسات وأصابها الذبول، خاصة بعد الصدمة الكبرى في أم المذابح (مذبحة رابعة العدوية).
وفي موقف مخالف للموقف السابق؛ اتخذ عدد قليل من مجالس بعض النقابات مواقف مضادة، مثل اتهام المعتصمين ومساندة آلة القتل ومحاربة جهود إظهار الحقيقة، ومن هؤلاء إدارة نقابة المحامين (حيث كان النقيب سامح عاشور أحد قيادات ما عُرف بـ”جبهة الإنقاذ” وكان منحازا للانقلاب ومبررا لكل جرائمه)، ونقابة الصحفيين ونقابة المهن التمثيلية وبعض نوادي القضاة ونوادي ضباط الشرطة، وكذلك ما عرف بالنقابات المستقلة.
د. المستقِلُّون (شخصيات عامة ومجموعات سياسية)
كانت إدانة بعض الشخصيات والمجموعات السياسية المستقلة واضحة وقوية، وإن لم تنضم لتحالف دعم الشرعية، فقد شاركت بعض كوادرها في اعتصام رابعة العدوية.
ومن أبرز الشخصيات المستقلة التي أصدرت بيانات قوية تعليقًا على المذبحة وواجهت مشكلات بسبب ذلك؛ الدكتور حسن الشافعي (مستشار مشيخة الأزهر ورئيس مجمع اللغة العربية)، والدكتور محمد الجوادي (المفكر والمؤرخ المصري) والدكتور محمد سليم العوا (أبرز رواد الحوار الوطني المصري) والدكتور محمد عمارة (الداعية والمفكر الإسلامي)… الذين أدانوا المذبحة وأكدوا أن 3 يوليو يتخذ مسار الانقلاب الكامل الأركان على السلطة الشرعية، وطالبوا الشعب والمؤسسات بالتكاتف لوقف هذا الانقلاب بصورة سلمية تجنب البلاد الوقوع في أتون الحرب الأهلية أو التمزق الاجتماعي.
ومن أبرز المجموعات السياسية المستقلة (الاشتراكيون الثوريون) التي أصدرت بيانًا وصفت فيه ما قامت به القوات المسلحة بأنه “مجزرة دموية” ووصفته بـ”القمع الوحشي” وجعلت دافعه “ترسيخ القبضة العسكرية” ودعت إلى القصاص.
ه. الناجون من المذبحة
كما أصدر الناجون من المذبحة بياناً للتنديد بما اقترفته قوات الجيش والشرطة أمام مبنى الحرس الجمهوري، حيث أطلقت الرصاص الحي والخرطوش على المتظاهرين السلميين.
و. أبرز آثار المذبحة في الداخل المصري:
كان من أبرز نتائج هذه المذبحة أن تمايز في المجتمع المصري فريقان واضحان: فريق يؤيد الانقلاب وجميع مخرجاته، وآخر يرفضه تماما وكل آثاره. ولم تسمح المذبحة لأحد بالمناورة، فآثرت بعض القوى الاختفاء تماما والذوبان في طي الزمن الذي تزاحمت فيه الأحداث وكثرت، ومن بقي في الحضور السياسي إما لكونه مع الشرعية أو لكونه مع الانقلاب.
ثانيًا: المواقف الدولية
اتسم الموقف الدولي بثلاثة اتجاهات عامة وقت وقوع المذبحة، وفيها تفصيلات كثيرة نتركها للقراء وللتاريخ في أرشيف الوثيقة، ليحاول الباحثون تفسيرها وتحليلها بعد ذلك، وفيما يلي إيجاز تلك المواقف:
أ. الإدانة الصريحة ووصف الحدث بالمذبحة والمطالبة بالتحقيق
أدانت بعض الدول والهيئات، المذبحة المروعة، ونددت بها، وحمَّلت سلطة الانقلاب المسؤولية المباشرة عنها وعن كل الدماء. وكان هذا هو موقف دولة تركيا، حيث أدان وزير الخارجية التركي، أحمد داود أوغلو، أحداث الحرس الجمهوري، التي أسفرت عن مقتل 42 شخصا على الأقل، فجر اليوم الاثنين، واصفا الأمر بـ”المذبحة”، ودعا إلى بدء عملية توافق سياسي يحترم إرادة المصريين. كما وصف ما حدث في مصر بأنه انقلاب عسكري كامل الأركان. وكذلك فعلت كل من دولة جنوب أفريقيا والجمهورية التونسية ومنظمة الاتحاد الإفريقي، وقررت الأخيرة تجميد عضوية مصر في الاتحاد، وطالبت بالتحقيق الفوري المستقل، بل وشكلت بالفعل لجنة إفريقية للتحقيق. وفي نفس السياق، جاء بيان الأمين العام للأمم المتحدة الذي أدان فيه عمليات القتل، ودعا إلى إجراء تحقيقات بواسطة هيئات وطنية مستقلة ومختصة، وأكد ضرورة تقديم المسؤولين عنها إلى العدالة، وحذّر المصريين مما وصفه بـ”المسار الهش الذي تتجه إليه البلاد”. وكذلك دعت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة إلى تحقيق عاجل في الأحداث التي وصفتها بالعملية الإجرامية التي يجب أن تدان ويعاقب من تسبب فيها بأشد العقوبات.
ب. القبول برواية سلطة الانقلاب والتبرير لها أحيانًا واتهام الضحايا
وهناك مجموعة من الدول كانت متهيئة للقبول التام برواية السلطة والتبرير لها واتهام الضحايا، مع بعض التصريحات الخجولة بالدعوة إلى عدم التصعيد وضبط النفس، وتفاوتت فيما بينها لأسباب سياسية ولوجستية. ففي الوقت الذي أدانت فيه أعمال العنف بتعميم غامض؛ حمّلت المعتصمين المسؤولية عنه، وهاجمت جماعة الإخوان المسلمين، وفي مقدمة هذه الدول إسرائيل والولايات المتحدة والدول الراعية للانقلاب ماليا وسياسيا، متمثلة في المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، والدول التي تقع تحت تأثيرها. فقد دعت وزارة الخارجية الأمريكية، على لسان المتحدثة الرسمية، جنيفر بساكي، الجيش المصري، إلى التمسك بأقصى درجات ضبط النفس، مؤكدة ضرورة مشاركة كافة الأطياف في التحوّل الديمقراطي بمصر، كما أدانت في السياق نفسه دعوة الإخوان المسلمون إلى انتهاج العنف كوسيلة للتعبير. (موقع عربيز آر تي، 2013، 8 أغسطس)
وهناك دول أخرى أدانت عملية القتل وأعمال العنف، ولكنها ساوت بين القاتل والمقتول، وهو ما مثلته مواقف وتصريحات المسئولين في روسيا وأكثر الدول الأوروبية.
ج. انتظار استجلاء الحقيقة
وآثرت بعض الدول والهيئات التريث في إعلان موقفها انتظارًا لاستجلاء الحقيقة من مصادر موثوقة، وهذه يمثلها الموقف القطري، حيث أعلنت دولة قطر متابعتها للأحداث الجارية عن كثب، في الوقت الذي تحفظت فيه الجهات الحكومية هناك عن الإدلاء بأية تصريحات بخصوص الأحداث حتى وضوح الرؤية بصورة تامة، وهو ما مثَّله أيضًا الموقف الألماني، حيث أعربت الخارجية الألمانية عن استيائها مما تشهده مصر من أعمال عنف، مطالبة الجهات المحايدة بتوضيح سريع حول ملابسات الأحداث، وكذلك الموقف الفلسطيني بشقيه في الضفة وغزة، وقد أعلنت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عن بالغ الحزن والألم لسقوط الضحايا المصريين.
ولكن بعد فترة من الزمن وتتابع المذابح؛ تبلورت مواقف تلك الدول والهيئات فأدانت كل المذابح التي تلت مذبحة الحرس إدانة صريحة وقوية، وعبّرت عن صدمتها وتفاوتت مواقفها بعد ذلك من سلطة الانقلاب، وبعض الدول آثرت التزام الصمت انتظارا لاستجلاء مواقف الدول الكبرى والدول المركزية في الإقليم. (موقع اليوم السابع، 2013، 8 أغسطس).
تعريف بالمؤسسة
تكمن أهمية الوقوف العلمي والتكثيف السردي التوثيقي لهذه المذبحة، نظرًا لكثرة ما ترتَّب عليها من آثار، سواء أكان ذلك في عدد الشهداء والمصابين والمعتقلين أم كان في ردود أفعال المجتمع المحلي والدولي؛ ولكونها مثَّلت متغيرا سياسيا واضحا في مسار تعامل قادة الانقلاب مع الخطوط الحمراء لثورة 25 يناير 2011، وتجاوز كل محرمات الثورة، والتجرؤ على هدم أهم مكتسباتها وهي حرية التجمع والتظاهر والاعتصام.
“مؤسسة وعي للبحث والتنمية” هي هيئة علمية مستقلة تقوم على العناية بكافة أنواع المعارف التي تتعلق ببناء الوعي الفردي والجمعي. ولا تقتصر على التحليل والاستشراف للمستقبل في القضايا العلمية والسياسية والاقتصادية وغيرها، بل تجعل من التأريخ والتوثيق والرصد ومنصات التدوين محوراً بارزاً من محاور انطلاقها. والوازع المحرك لإيجاد هذا المشروع الطموح هو رؤية مؤسسية حضارية متكاملة للإنسان في القرن الحادي والعشرين، رؤية تنشد الحياة على أفضل الوجوه الممكنة وتعلي من شأن القيم والمبادئ الأساسية المشتركة بين البشر.
وتلتزم المؤسسة بنشر الحقائق ورصد الوقائع وهي في ذلك تحترم التخصص وتعالج القضايا بموضوعية وتراعي التعدد الفكري والاختلاف الطبيعي وتدرك قيمة الإنسان الذي كرمه خالقه واستخلفه في الأرض. وهي بذلك تسعى إلى تلبية حاجة المجتمع بمختلف شرائحه إلى نشر الثقافة والوعي والإدراك لدى العموم وليس بين النخبة وحدها.

تعليقات فيس بوك

شاهد أيضاً

مسودة تلقائية

شهداء “الحرس الجمهوري”.. سلميون استقبلوا الرصاصة “العسكرية” الأولى

“صوَّب البنادقةُ القتلة بأمر العتاة الفسدة ورضا المستبدين الفجرة بالمال الحرام ورصاص الغدر، وفي صلاة …