تحليل إخباري

أين الحجاج!؟.. انخفاض قياسي لزوار بيت الله الحرام خلال 10 سنوات

 

محمد الصاوي – كاتب وباحث أكاديمي

“السعودية تتطلع إلى استقبال 5 ملايين حاج”.. بهذا التصريح المتفائل، استبق أمير منطقة مكة المكرمة ورئيس لجنة الحج المركزية، الأمير خالد الفيصل، في مؤتمر صحفي بمنى، موسم الحج الذي انتهى قبل أيام، مؤكدًا أن بلاده التي تدير شئون البيت الحرام – الموقع الأكثر قدسية لدى المسلمين، والذي يشهد الفعالية الدينية الأكثر الجماهيرية لدى المسلمين سنويًا – تتطلع إلى استضافة 30 مليون معتمر و5 ملايين حاج خلال هذا العام.

لكن الإعلان الرسمي عن أعداد حجاج هذا العام كشف تراجعًا غير مسبوق في أعداد زوار بيت الله الحرام منذ نحو 10 سنوات، منذ أن سجلت المشاعر المقدسة زيارة أكثر من ثلاثة ملايين حاج عام 2007، لتظل النسبة على النحو نفسه دون أن تقل عن مليوني ونصف المليون حاج، حتى عام 2014 التي شهدت انقلاب الأمور، لتبدأ الأعداد في الانخفاض الملحوظ حتى بلغت أقل قيمها هذا العام.

وبحسب إحصاءات الهيئة العامة السعودية للإحصاء، فقد انخفضت أعداد الحجاج هذا العام إلى أقل من مليوني حاج، وهي نسبة شكك فيها ناشطون بسبب الصور الرسمية لحج هذا العام، والتي أظهرت تراجعا كبيرا في الأعداد إذا ما قورنت بأعداد الحجيج بالمشهد نفسه قبل عام أو عامين.

 

خطة استئصال

تواجه السعودية منذ سنوات انتقادات واسعة بسبب تطويعها للبيت الحرام وشعيرته الأعظم ضمن صراعها السياسي مع الخصوم بالمنطقة، حيث كانت تتمثل سابقًا في منع ناشطين وسياسيين بارزين من زيارة المسجد الحرام بداعي خطورتهم على الأمن العام، أو بسبب خوفهم من إلقاء القبض عليهم فور وصولهم إلى المملكة بسبب غياب ضمانات حرية ممارسة الشعائر الدينية في البلاد.

لكن الآونة الأخيرة شهدت توسعًا كبيرًا في الإجراءات العقابية السعودية ضد حجاج الدول المناهضة لها سياسيا بالمنطقة، حتى وإن خلت من إعلان رسمي مباشر.. كان أبرزها تعقيد الإجراءات ضد عدد من الجنسيات العربية، كاليمنية والسورية والليبية، فضلا عن منع الحجاج القطريين من زيارة البيت الحرام في ظل الأزمة السياسية المتصاعدة والحصار الثلاثي على الدوحة.. ذلك المنع جاء بصبغة شبه رسمية، عبر المانشيت الرئيس لصحيفة عكاظ السعودية المقربة من نظام آل سعود الحاكم، والذي جاء معنونا: إلى القطريين.. بيت الله أو الحمدين.

وكانت الهيئة الدولية لمراقبة إدارة السعودية للحرمين قد استنكرت منع السعودية منح تأشيرات حج أو عمرة للمواطنين السوريين والقطريين من أداء فريضة الحج، حيث تمنع السلطات السعودية السوريين من الحج للسنة السابعة على التوالي والقطريين للسنة الثانية وذلك لأسباب سياسية.

واعتبرت الهيئة، التي تتخذ من جاكرتا مقرا لها، أن حرمان الآلاف من أداء فريضة الحج يعد جريمة ضد الشريعة والقانون الدولي، ناقلة عن مصدر في وزارة الأوقاف السورية أن السعودية مازالت تمنع السوريين من الحج للسنة السابعة على التوالي، نافياً أي إشاعات حول السماح للسوريين لأداء مناسك الحج هذا العام.

وطالبت الهيئة الدولية بالتدخل بعد فشل إدارة الرياض في إدارة المناسك والتسبب في حرمان الآلاف من المسلمين من العمرة والحج لأسباب سياسية وذلك لضمان أقصى درجات الشفافية والنزاهة في إدارة المشاعر الإسلامية في مكة والمدينة.

 

اعتقالات موثقة

وفي وقت سابق، أعلنت وزارة الخارجية في حكومة الوفاق الوطني الليبية أنها طلبت من السلطات السعودية توضيحات لمعرفة خلفيات اعتقالها مواطنيْن ليبييْن عقب أدائهما مناسك العمرة، بعد أسابيع من إدراج ليبييْن آخرين في قائمة إرهابية، هما مفتي الديار الليبية الشيخ الصادق الغرياني والداعية البارز الشيخ علي الصلابي. وجميعهم من قيادات الثورة والحراك الليبي.

وقالت الخارجية الليبية في بيان رسمي إنها بدأت على الفور متابعة نبأ إيقاف مواطنيها “بمطار جدة بالمملكة العربية السعودية وهما في طريق عودتهما إلى البلاد عقب أدائهما مناسك العمرة”، موضحة أنها أجرت اتصالا مباشرا مع السلطات السعودية المعنية -وعلى رأسها وزارة الخارجية وفرعها في مكة المكرمة- للوقوف على خلفيات هذا الإيقاف، وطلبت توضيحات بذلك.

واتضح لاحقا، بحسب ما نشرته شبكة الجزيرة، نقلا عن مسؤول في مدينة الزاوية الليبية، أن القياديين المعتقلين هما محمود بن رجب، الملازم أول في الشرطة التابعة لحكومة الوفاق، ومحمد حسين الخذراوي النقيب بالفرقة الأمنية الأولى بمدينة الزاوية والمكلف بتأمين سجن جود دايم الذي يضم سجناء من عناصر النظام السابق بالمنطقة الغربية، والآمر السابق لكتيبة الفاروق إبان ثورة فبراير 2011 قبل انضمامها لوزارة الداخلية بحكومة الوفاق.

 

رفع التكلفة

وخلال عام 2017، طبقت السعودية حزمة قرارات برفع رسوم تأشيرة دخول وخروج المملكة على جميع القادمين والوافدين للزيارات أو الحج والعمرة، وفقا لقرارات سابقة لمجلس الوزراء السعودي، ضمن مبادرة قدمتها وزارتا المالية والاقتصاد والتخطيط لتعزيز الإيرادات.

وقالت وكالة الأنباء السعودية “واس” إن رسم تأشيرة الدخول المتعدد للسعودية أصبح ثمانية آلاف ريال، ما يعادل 2133.3 دولار، وخمسة آلاف ريـال للتأشيرة التي مدتها سنة، وثلاثة آلاف ريـال لتأشيرة الستة أشهر، أما الدخول لمرة واحدة فسيتكلف ألفي ريـال على أن تتحمل الدولة هذا الرسم عن القادم للمرة الأولى لأداء الحج أو العمرة.. كما شملت القرارات زيادة رسوم تأشيرات الخروج والعودة لتصبح 500 ريال لعدة سفرات لمدة ثلاثة أشهر، و200 ريـال عن كل شهر إضافي. وكانت الرسوم من قبل 500 ريـال للخروج المتعدد لمدة ستة أشهر.

ونتيجة لذلك، طالبت نقابة الأئمة التونسيين مفتي الجمهورية التونسية بتعطيل أداء فريضة الحج مؤقتًا احتجاجا على ارتفاع التكلفة واستغلال السعودية لتلك الأموال في تمويل حروبها ضد الدول الإسلامية، بحسب ما نشرته صحيفة القدس العربي.

كما أدانت الهيئة الدولية لمراقبة إدارة السعودية للحرمين ارتفاع تكلفة الحج، ووصفت الهيئة في بيان لها هذه الإجراءات بالجائرة والتي تؤدي إلى عزوف الآلاف من المسلمين حول العالم عن تأدية الفريضة الإسلامية الخامسة.

واتهمت الهيئة الحكومة السعودية بأنها “لا تحقق العدل والمساواة بين جميع المسلمين وهناك الآلاف من المسلمين الفقراء الذين لا يقدرون على تغطية تكاليف الحج الباهظة هذا العام، حيث رفعت السلطات السعودية أسعار تأشيرات الحج بنسبة 14% عن العام الماضي، ناهيك عن الغلاء الفاحش في جميع الخدمات المقدمة للحجاج هذا العام مثل أسعار الفنادق والمواصلات والتأشيرات”.

وقالت الهيئة إن أحد أهداف فريضة الحج هو “المساواة بين جميع البشر، ولكن تتعمد السعودية التفريق بين الغني والفقير، المسلم العادي والأمير، المواطن السعودي ومواطني الدول الأخرى”. مضيفة أن الحكومة السعودية “تعيش في عالم آخر ولا تشعر بالحجاج وظروفهم ولا تهتم برسالة الحج الأساسية”.

وختمت الهيئة بيانها بالتأكيد على ضرورة إعادة نظر السلطات السعودية في الرسوم والضرائب الباهظة التي تفرضها على الحج هذا العام والأخذ بالحسبان المسلمين الفقراء غير القادرين على تغطية تكاليف الحج.. كما طالبت الهيئة بإشراك المؤسسات والحكومات الإسلامية بإدارة الحج لأن الإدارة السعودية الحالية فشلت في إدارة المشاعر وتحقيق العدالة بين المسلمين من كافة الجنسيات، وتستغل الحج لتحقيق المكاسب الاقتصادية وتغطية نفقات حروبها من عائدات الحج.

وأيّا كانت الأسباب، فإن تراجع أعداد الحجاج بهذا الشكل الملحوظ يكشف عن مشكلة حقيقية يجب الوقوف على أسبابها ومعالجتها، قبل أن تتفاقم في ظل انهيار الحالة الاقتصادية المتصاعد لأبناء المنطقة الإسلامية، وغياب أفق الحلول العملية للمعضلات السياسية التي تخوضها المملكة بالمنطقة.. ولعل الانخفاض الملحوظ في عدد الحجاج يدق ناقوس الخطر، قبل أن يستيقظ المسلمون على موسم حج عنوانه: لم يحضر أحد.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى