شخصيات

أسماء البلتاجي.. الملائكة لا تستحق العيش إلا في الجنة

أسماء البلتاجي.. الملائكة لا تستحق العيش إلا في الجنة

“إن الشهادة لا تكفّ يد الظلم عن أرواح الناس وأموالهم، لكنها تسلب سيطرة الظالمين على أرواح الناس؛ فتسيطر عليها ذكرى الشهداء.. يستسلم الناس لسلطة الظلم لكنهم لا يسلمون أرواحهم لها، هذا هو تراث الإنسانية، وما تتوارثه الأجيال خارج كتب التاريخ” – هكذا كتبت أسماء محمد البلتاجي في مايو 2012 على صفحتها على فيس بوك.

كلمات تبدو أكبر من سنوات عمرها حين كتبتها.. أسماء، الفتاة القاصر الوحيدة على سفينة مرمرة لكسر حصار غزة (أسطول الحرية)، القاصر الأبرز حضورا بين متظاهري محمد محمود، القاصر الأشهر بين شهداء مذبحة فض اعتصام رابعة العدوية.

بيد أن حياة أسماء انتهت وهي لا تزال “القاصر”، فلم تكد تكمل عامها السابع عشر حتى اغتالتها رصاصات الجيش المصري، من بين آلاف المعتصمين السلميين دفاعًا عن الشرعية الدستورية، صبيحة يوم الرابع عشر من أغسطس عام 2013. حينها قُتل أكثر من 1000 مصري برصاص الجيش والشرطة في الميدان المحاصر.

تعريف

وُلدت أسماء في يناير ١٩٩٦، لأسرة سياسية مناضلة، إذ كان والدها الدكتور محمد البلتاجي، أحد أبرز أيقونات المعارضة السياسية المصرية لنظام المخلوع حسني مبارك، وأحد أهم قيادات ثورة الخامس والعشرين من يناير التي أنهت حكم أسرة مبارك بعد 30 عامًا مليئة بالفساد، وكانت أسماء الابنة الوحيدة لشقيقين من الذكور، عمار، وأنس.

تجاوزت أسماء سني عمرها القليلة بكتاباتها الملهمة ومشاركاتها الثرية في كافة أحداث الوطن السياسية، بل امتد نشاطها ليشمل فعاليات دولية خطرة، كان أبرزها المشاركة في سفينة مرمرة لكسر الحصار المفروض على قطاع غزة في مايو من العام 2010.

بنت ثورة يناير

شهدت أسماء مشاهد الثورة كلها، ولا تزال صورتها في شارع محمد محمود وعلى وجهها رزاز أبيض للتخلص من أثر الغاز المسيل للدموع، في نوفمبر من عام الثورة الأول، علامة رئيسة في التوثيق للحدث.. كتبت أسماء يومها: “من ميدان التحرير.. يا رب أنت تعلم أن هذه القلوب قد اجتمعت على ثورتك وتعاهدت على إقامة دولة العدل، فوثق اللهم رابطتها واهدها سبلها واملأها بنورك الذي لا يخبو”.

وفي سبتمبر من العام نفسه، شاركت أسماء في اعتصام تم أمام السفارة الصهيونية بالقاهرة، وكتبت على صفحتها الشخصية على الفيسبوك: “التحرير، دار القضاء، السفارة الإسرائيلية.. يوم موفّق بشكل كبير الحمد لله”.

استشهادها

شاركت أسماء في اعتصام رابعة منذ انطلاقه، ووثقت مشاركتها بآخر ما كتبته على صفحتها عقب مذبحة الحرس الجمهوري يوم 8 يوليو 2013، تقول: “هم بيتونا بالوتير هجدا.. وقتلونا ركعا وسجدا.. وهم أذل وأقل عددا.. فادع عباد الله يأتوا مددا.. في فيلق كالبحر يجري مزبدا”، وهي كلمات مقتبسة من نداء أطلقه صحابي يستغيث بالرسول صلى الله عليه وسلم قبل فتح مكة ويستنصره من خيانة قريش.

وخلال عملية فض الاعتصام الأكثر وحشية والتي اعتبرتها منظمات دولية واحدة من أبشع عمليات القتل الجماعي في التاريخ المعاصر؛ كانت القاصر أسماء على موعد مع رصاصة غدر استقرت في صدرها لتلفظ على أثرها أنفاسها الأخيرة ولتصعد روحها إلى بارئها تشكو الظلم والفجر في الخصومة.

وعن لحظة استشهادها، تقول أسماء شحاتة، التي صحبت أسماء في لحظاتها الأخيرة: “قابلت أسماء البلتاجي رحمها الله، كانت على باب مسجد رابعة من طريق النصر، بتجمع الطوب في جرد أبيض، وقفت أجمعه معاها، ولما اتملى على الآخر، مسكتُ إيد الجردل علشان أنقله.. لحظتها جت عيني في عين أسماء ولما شافتني ابتسمت وتركتني أشيله عنها، وطلعتُ بيه لقدام”.

وتابعت شحاتة في شهادتها التي كتبتها على صفحتها الشخصية: “وفجأة واحدة، رصاص رصاص رصاص بيتضرب علينا، رجعتُ مالقيتش أسماء.. فجأة لقيت سارة بتصرخ وبتقول: أسماء البلتاجي!”.

ثم قالت: “.. شفت أسماء، وجهها كان أبيض زي القمر، لكن كانت شهيدة مش مصابة، كان وجهها أبيض وبارد”.

رثاؤها

شيعت أسماء في مسقط رأسها بالإسكندرية، ولم يستطع والدها أن يحضر جنازتها كونه مطلوبًا لدى قوات قادة الانقلاب الذين ما كانوا ليتورعوا عن اعتقاله من وسط جنازة ابنته، فقد كان الانتقام الشرس عنوان الجيش المنقلِب في معركته، التي أدارها بكل عنف ووحشية ضد المدافعين عن الشرعية الدستورية.

وكتب البلتاجي يعتذر لابنته على صفحته قائلا: “آلمني شديد الألم ألا أكون في وداعك الأخير وألا أكحل عيني بنظرة وداع أخيرة وألا أضع قبلة أخيرة على جبينك وألا أشرف بإمامة الصلاة عليك، والله يا حبيبتي ما منعني من ذلك خوف على أجل ولا خوف من سجن ظالم وإنما حرصا على استكمال الرسالة التي قدمت أنت روحك لأجلها وهي استكمال مسيرة الثورة حتى تنتصر وتحقق أهدافها”.

وكان حزن الرئيس التركى رجب طيب أردوغان وبكاؤه من أبرز المواقف، حيث انهمرت دموعه، خلال مشاركته، في حفل ختام برنامج المعسكر الصيفي الذي نظمته رئاسة الشؤون الدينية التركية، لطلاب جنوب وجنوب شرقي تركيا في مدينة إسطنبول، بعد مشاهدته مقطع فيديو يتضمن رثاء البلتاجى، لابنته، بحسب ما نقلته صحيفة “ستار” التركية.

ورثاها أردوغان بقوله: “الشهادة شيء مختلف، أسماء غادرت الدنيا دون أن تشبع منها، ولكن روحها ارتقت عاليا، أتمنى أن يَمثل موقف أبيها درسا لكل المسلمين في العالم، أنا لا أتحدث معكم الآن بصفة رئيس الوزراء، ولكن بصفة المواطن، رجب طيب أردوغان”.

لقد ارتقت أسماء، وكأنها عادت إلى بيتها الأول، وكأن رحلتها القصيرة بيننا لم تكن سوى زيارة عابرة لعالم الإنسانية الموحش، أو على حد وصف صفحة دشنها بعض أصدقائها بعدما قضت نحبها: “الملائكة لا تستحق العيش إلا في الجنة.. هكذا أسماء، ملاك يمشي على الأرض”.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق