أحداث

اليوم الدولي للقضاء على التمييز العنصري.. عام المنحدرين من أصل أفريقي

الناس جميعا يولدون أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق“.. المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

لم يكن يوم 21 من مارس عام 1960 يوما عاديا على الإطلاق في جنوب أفريقيا، فقد فتحت قوات الشرطة الرصاص الحي على أكثر من 69 شخصا تجمعوا في مظاهرات سلمية بمدينة “شاربڤيل” اعتراضاً على قوانين المرور التي فرضتها سلطة الفصل العنصري في البلاد تحت اسم “قوانين الاجتياز”.

كانت تلك الحادثة حلقة من مسلسل طويل للعنصرية في جنوب أفريقيا ضد السود، لكن هذه الحادثة لم تمر مرور الكرام، إذ تبعتها سلسلة احتجاجات واسعة أدت لاحقا إلى تدخل المنظمات الدولية لفرض التهدئة في البلاد.

وتأبينا لضحايا هذا اليوم المشهود، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة ذلك اليوم يوماً دولياً لمحاربة كل أشكال التمييز والعنصرية في إعلانها القرار 2142 سنة 1966، ودعت الجمعية العامة فيه المجتمع الدولي إلى مضاعفة جهوده من أجل القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري.

منذ ذلك الحين، أُبطل العمل بنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وألغيت القوانين والممارسات العنصرية في بلدان عديدة، وتمكن أيضا من بناء إطار دولي لمكافحة العنصرية يسترشد بالاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري.

العنصريون يصعدون.. والعالم يقاوم

مثل فوز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صدمة للمنادين بالحريات، حيث يجهر الرئيس اليميني صراحة بعدائه لغير الأمريكيين بل وللأمريكيين الملونين من اصول اسيوية وافريقية ولاتينية من المهاجرين في بلاده واستهدافهم، لا سيما ذوو الأصول اللاتينية والأفريقية.

وإداراكا لذلك، اختارت الأمم المتحدة شعار يوم التمييز العنصري هذا العام: (الاعتراف والعدالة والتنمية للمنحدرين من أصل أفريقي)، بهدف الدفع قدما بالعدالة الاجتماعية وسياسات الشمول، والقضاء على العنصرية والتعصب، وتعزيز التسامح وحقوق الإنسان، وتقديم المساعدة في تكوين مجتمعات أهلية مزدهرة، بما يتوافق وأهداف التنمية المستدامة التي تتبناها الأمم المتحدة.

ويوفر العقد الدولي للمنحدرين من أصل أفريقي، الذي أعلنه قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة والملاحظ في الفترة من 2015 إلى 2024، إطارا متيناً لاتخاذ تدابير فعالة لمعالجة هذه القضايا بروح الاعتراف والعدالة والتنمية.

أرقام صادمة

تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن هناك ما يقرب من 200 مليون شخص يعرّفون أنفسهم بأنهم “منحدرون من أصول أفريقية”، وهناك الملاييين غيرهم ممن يعيشون في بقاع مختلفة من العالم خارج القارة الأفريقية.. وفي كثير من الحالات، يظل وضع المنحدرين من أصل أفريقي مجهولا على نطاق واسع، وكثيرا ما يعانون من التمييز عند الاحتكام إلى القضاء، ويتعرضون لنسب عالية مقلقة من العنف على أيدي الشرطة، إلى جانب ما يطالهم من تنميط عنصري.

وعلاوة على ذلك، غالبا ما تكون درجة مشاركتهم السياسية منخفضة، سواء في التصويت أو في شَغل المناصب السياسية، بالإضافة إلى أنهم يعانون من أشكال متعددة أو متداخلة أو متفاقمة الخطورة من التمييز القائم على أسس أخرى ذات صلة، مثل العمر أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو غيره أو الأصل الاجتماعي أو الملكية أو الإعاقة أو المولد أو أي وضع آخر..

وقد أقر إعلان وبرنامج عمل ديربان بأن المنحدرين من أصل أفريقي كانوا ضحايا الرق وتجارة الرقيق والاستعمار ولا يزالون يعانون من عواقبها.. وساهمت عملية ديربان في التعريف بقضيتهم وساعدت على إحراز تقدم مهم في تعزيز حقوقهم وحمايتها بفضل الإجراءات الملموسة التي اتخذتها الدول والأمم المتحدة والهيئات الدولية والإقليمية الأخرى والمجتمع المدني.

انتشار واسع

يوجد اليوم أكثر من 150 مليون شخص من أصل أفريقي في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، أي حوالي 30% من السكان، مع ذلك، فإن المنحدرين من أصل أفريقي في معظم أنحاء المنطقة غير مرئيين في قاعات السلطة “الاقتصادية أو الأكاديمية أو المهنية أو السياسية”، أو على المستوى المحلي أو الوطني.

أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد أشار تقرير لفريق خبراء الأمم المتحدة العامل المعني بالسكان المنحدرين من أصل أفريقي، والصادر في أغسطس عام 2019، أن سياسيين من الولايات المتحدة استخدموا لغة عززت الصورة السلبية للأشخاص المنحدرين من أصول أفريقية، مشيرا إلى إرث الصور النمطية العرقية والتوصيفات السلبية للأشخاص ذوي الأصول الأفريقية، والتي تم صنعها لتبرير استعباد الأفارقة ومواصلة إيذاء المنحدرين من أصول أفريقية وانتهاك حقوقهم الإنسانية.

وذكرت صحيفة (يو.إس.أيه توداي) في يونيو عام 2019، أن المزيد من دعاية تفوق البيض ظهرت في حرم الكليات الأمريكية خلال ذلك العام الدراسي، ما يمثل ارتفاعا في كم المواد العنصرية منذ ثلاثة أعوام.. وفي الفصل الدراسي لموسم الربيع وحده، سجلت مجموعة لمراقبة أعمال الكراهية 161 حالة دعاية متطرفة في 122 حرما في 33 ولاية وفي مقاطعة كولومبيا.

وبحسب تقرير نشر على صحيفة (هوفينغتون بوست) في أبريل عام 2019، فإن كريستفور راي مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي أدلى بشهادة أمام الكونجرس قال فيها “إن تفوق البيض يشكل تهديدا دائما وواسعا للأمن الأمريكي”.. كما أخبر الكونجرس أن أغلب عمليات التوقيف المتعلقة بالإرهاب الداخلي منذ أكتوبر الماضي مرتبطة بعنف دعاة تفوق البيض.

وذكر مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالأشكال المعاصرة من العنصرية والتمييز العرقي وكراهية الأجانب وأوجه التعصب ذات الصلة لعام 2019، أن الأشخاص المنحدرين من أصول أفريقية في الولايات المتحدة لا يزالون يواجهون القتل والمعاملة الوحشية بمعدلات خطيرة من قبل سلطات إنفاذ القانون والحراس، الذين قليلا ما يتعرضون للمساءلة.

وذكرت شبكة (سي.إن.إن) أنه في شهر مارس عام 2019، وقع حادث مروع لعنف الشرطة إلى جانب التمييز العرقي، حيث قام 6 ضباط شرطة بقتل ويلي مكوي (مغني راب – 20 عاما)، حيث أطلقوا نحو 25 رصاصة على أذنه وعنقه وصدره وذراعيه وكتفيه ويديه وظهره.. وقالت سيمون ريتشارد أخت مكوي “إن الشرطة أعدمت أخاها ولم تمنحه فرصة ليرفع يديه”.

وذكرت الشبكة في يوم 17 ديسمبر عام 2019، أن دوج إيفانز المدعي العام لولاية ميسيسبي أقصى العديد من المحلفين من ذوي الأصول الأفريقية من المحاكمات منذ توليه منصبه في عام 1992.. وكان المحلفون من أصول أفريقية أكثر عرضة بواقع 4.4 ضعف للإقصاء مقارنة مع نظرائهم البيض.

أزمة مستمرة

ويستمر التمييز في التوظيف على عدم المساواة في الرخاء الاقتصادي، ولاسيما للأشخاص ذوي الأصول الأفريقية، فعلى مدار الـ40 عاما الماضية واجه العمال من ذوي الأصول الأفريقية معدل بطالة يناهز ضعفي المعدل لنظرائهم البيض.اين يحدث هذا؟

وذكرت صحيفة لوس أنجيلوس تايمز في يوليو عام 2019، مستشهدة بأرقام لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، أن التباينات العرقية في الثروة تفاقمت، إذ تعادل الثروة النمطية لأسرة بيضاء 10 أضعاف الثروة لأسرة أمريكية من أصول أفريقية.

وبحسب التقرير، الذي نشر لصحيفة (يو.إس.أيه توداي) في نوفمبر عام 2019، فإنه في منطقة ميلاووكي- واوكيشا- ويست أليس بولاية ويسكونسين يصل معدل البطالة بين الأمريكيين الأفارقة إلى 13.9% مقابل 3.9% فقط للبيض. ويشكل متوسط دخل الأسر ذات الأصول الأفريقية 43.8% فقط من دخل الأسر البيضاء.. وهناك 27.8% فقط من أرباب الأسر ذات الأصول الأفريقية يملكون منازلهم، وهي نسبة أقل من نصف معدل ملكية المنازل بين أرباب الأسر البيضاء والبالغ 68.2%.

وبحسب تقرير نشر لمركز (أميريكان بروجريس) في أغسطس 2019، فإن الأشخاص الملونين لا يزالون يتعرضون لتمييز شائع في سوق الإسكان، حيث ذكر أن 17% من الأمريكيين الأصليين، و25 % من الأمريكيين الآسيويين، و31% من اللاتينيين، و45% من الأمريكيين الأفارقة يواجهون تمييزا عند السعي لاستئجار مسكن أو شرائه.. وفي المقابل، فإن 5% فقط من الأمريكيين البيض يتعرضون للتمييز في سوق الإسكان.

تاريخ طويل من العنصرية

ولقرون عدة، ساهمت العنصرية الهيكلية في نظام الإسكان الأمريكي في خلق تباينات صارخة ومتواصلة في الثروة والرخاء المالي، ولاسيما بين الأسر الأمريكية ذات الأصول الأفريقية والأسر الأمريكية البيضاء.. وقد ترسخت هذه التباينات لدرجة أنه إذا استمرت الاتجاهات الراهنة، فإن الأمر قد يستغرق أكثر من 200 عام حتى تتمكن الأسرة المتوسطة المنحدرة من أصول أفريقية من جمع ذات القدر من الثروة المتوفرة لنظيرتها البيضاء.

أما الأطفال غير البيض فيعانون تمييزا خطيرا في التعليم، حيث ذكرت شبكة (سي.إن.إن)، في تقرير لها في فبراير عام 2019، أن المناطق التعليمية ذات الغالبية البيضاء في الولايات المتحدة تحصل على 23 مليار دولار سنويا أكثر من المناطق التعليمية التي تعلم غالبية غير بيضاء من الأطفال.. كما تقبل المناطق التعليمية للبيض نحو 1500 طالب فقط، بينما تقبل المناطق التعليمية لغير البيض أكثر من 10 آلاف طالب، أي ما يعادل ستة أضعاف. هل يكون ذلك عائدًا الى الكثرة العددية للبيض؟

بارقة أمل

يمثل العقد الدولي للمنحدرين من أصل أفريقي (2015 – 2024) فترة تاريخية مبشرة بالخير ستنضم خلالها الأمم المتحدة والدول الأعضاء والمجتمع المدني وجميع الجهات الفاعلة الأخرى المعنية إلى المنحدرين من أصل أفريقي وتتخذ تدابير فعالة لتنفيذ برنامج الأنشطة بروح من الاعتراف والعدالة والتنمية.

كما يمثل كذلك مبادرة مهمة ومناسِبة من حيث التوقيت وفرصة فريدة للمنحدرين من أصل أفريقي للتأكيد على المساهمة المهمة التي يقدمها المنحدرون من أصل أفريقي لمجتمعاتنا، ولاقتراح تدابير ملموسة لتعزيز إدماجهم الكامل ومكافحة العنصرية والتمييز العنصري وكراهية الأجانب، وما يتصل بذلك من تعصب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى