تحليل إخباري

لماذا الغوطة الشرقية بالذات؟


عاليا الرفاعي

كاتبة سورية وباحثة في الشأن السياسي والثقافي

هنا الغوطة الشرقية بريف دمشق.. أخبار الموت في كل مكان، غارات وحشية تشنها الطائرات الروسية والأسدية يوميا، وحصار غاشم منذ نهاية 2013.. طوابير الجثث الممزقة وأحجار المنازل المهدمة وصرخات الضحايا المحرومين من العلاج.. كل ذلك يجعل السؤال المنطقي الذي يبحث عن إجابة: لماذا الغوطة الشرقية بالذات؟

بدأ اسم الغوطة الشرقية يتردد منذ العام 2013 مع ما بات يٌعرف بـ“مجزرة الكيماوي” التي قتل فيها نحو 1300 مدني بعد أن قصفتها قوات النظام بالسلاح الكيميائي. والغوطة كغيرها من المدن السورية خرجت منذ اللحظة الأولى للثورة منادية بسقوط النظام، لكن موقعها المتاخم للعاصمة جعلها نصب أعين النظام ومكمن القلق المباشر بالنسبة له، لا سيما وأنها سرعان ما سهلت للمعارضين سيطرتهم عليها وخرجت تماما منذ نهاية العام 2012 عن سيطرة النظام الذي ظل يكن لها مشاعر الكره حتى حانت لحظة الانتقام.

ومنذ سيطرة قوات المعارضة على الغوطة، حاول الأسد عبر عصاباته استعادة النفوذ عليها من جديد، وكللت محاولاته بالسيطرة الفعلية على عدد من مدن الغوطة وبلداتها في السنوات الماضية عبر ما بات يعرف بـ“اتفاقات التهجير” بعد القصف والحصار، إلا أن نظام الأسد والمليشيات الموالية له فشلت في اقتحام معظم مناطق الغوطة أو السيطرة عليها عسكريا.

ورغم دفع النظام السوري بقوات من الحرس الجمهوري تارة وقوات النخبة في الجيش تارة أخرى فضلا عن مشاركة مقاتلي حزب الله اللبناني في مرات عديدة في محاولات اقتحام الغوطة إلا أن محاولاته كلها باءت بالفشل دون جدوى، حتى قرر النظام تدشين حملة كبرى بقيادة الجنرال في الحرس الجمهوري سهيل الحسن لتدميرها على رأس من فيها.

واتفاقات التهجير هي عمليات طرد قسري للأهالي أكسبتها الوساطة الروسية صبغة دولية لصالح قوات النظام، وانتهت بتهجير سكان مدينة داريا ووادي بردى والمعضمية وبلدات استخدم النظام معها سياسة الحصار والتجويع المتزامنة مع القصف الشديد.

وتحاول قوات النظام بدعم من روسيا تكرار السيناريو ذاته في مدن الغوطة وبلداتها، بدءا من حي جوبر شرق العاصمة -الوحيد من أحياء دمشق الذي تسيطر عليه المعارضة- مرورا بحرستا وعربين وحمورية حتى دوما -كبرى مدن الغوطة- وما بينها وبعدها من بلدات تقع جميعها على خط النار والقصف العنيف.

 

موقع الغوطة

وتعود أسباب حملة النظام المستمرة منذ خمسة أعوام للسيطرة على الغوطة الشرقية، إلى إستراتيجيته التي أطلقها عام 2013 والقاضية بتأمين حزام العاصمة دمشق، وقد نجح النظام على إثر هذه الإستراتيجية في إخراج المعارضة من أحياء برزة والقابون ومناطق الزبداني ووادي بردى وغيرها، إلا أن سياسته هذه فشلت في حي جوبر ومدن الغوطة التي تسيطر عليها المعارضة التي يتخوف النظام من أن يتسلل مقاتلوها إلى العاصمة عبر الأنفاق تحت الأرض، فقد تمكنت المعارضة من إخراج آلاف المدنيين ونقل الأدوية عبر أنفاق كانت تربط حرستا بحيي برزة والقابون قبل سيطرة النظام عليهما.

 

مطار دمشق ومفتاح الإمدادات

أما السبب الآخر لاستهداف الغوطة تحديدا فيتمثل برغبة النظام في إبعاد المعارضة عن مطار دمشق الدولي الذي وصلت قذائفها إليه في سنوات ماضية، إضافة لتأمين قواعده العسكرية وفروعه الأمنية التي تتعرض لهجمات مستمرة آخرها هجوم المعارضة الشهر الماضي على فرع المركبات قرب حرستا.

 

سلة غذاء

الغوطة تعتبر أيضا “سلة غذاء دمشق” لذا يسعى النظام للسيطرة عليها بأي ثمن لاحتضانها مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، وهو من عوامل صمود سكانها المحاصرين فيها والبالغ عددهم حاليا أربعمائة ألف نسمة بحسب إحصاءات مؤسسات المجتمع المدني في المنطقة، بعد أن كان عدد هؤلاء السكان يزيد على مليون نسمة قبل الثورة في مساحة تقدر بنحو 110 كيلومترات مربعة تفتخر دوما بأنها البقعة الوحيدة في سوريا التي ناصرت الثورة منذ يومها الأول ولم يستطع تنظيم الدولة الوصول إليها أو إعلان كيان فيها.

 

 

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى