قصائد وأغاني

نوستالجيا مكي في “وقفة ناصية زمان”


عاليا الرفاعي

كاتبة سورية وباحثة في الشأن السياسي والثقافي

 

تعكس كلمات الأغنيات وألحانها تفاصيل كامنة في نفوس من يغنونها، لا سيما مع عصر الثورة الرقمية وما صاحبها من تطويع إمكانات التسجيل والبث، الأمر الذي مكّن كثيرا من المغنيين من تسريع عملية الإنتاج المرئي للأغنيات وتهميش كثير من التفاصيل العملية التي كانت تستغرق وقتا في العصور السالفة.. ولعل أحد أبرز تلك الأغنيات التي حققت حضورا واسعا في الأوساط المجتمعية –لا سيما المصرية- أغنية: وقفة ناصية زمان، للمغني والممثل الشاب أحمد مكي الجزائري الأصل.

لمكي مدرسة مستقلة في العمل الفني والإبداعي، فهو ممثل وكاتب ومخرج ومؤلف أغنيات ومغنى أيضا، تعدد مواهب مكي دفعته لتقديم نماذج فريدة في كافة الأعمال التي يقوم عليها، حتى إنه قدم في أحد أعماله الدراماتية –مسلسل الكبير قوي- سبع شخصيات تظهر ثلاثة منها على الأقل في أغلب المشاهد.

ومنذ أن برز اسم مكي في عالم الغناء، امتلك الشاب ناصية أغاني الراب العربية، ليصنع جنبا إلى حنب مع مغني الراب المصري زاب ثروت، جيلا رائدا في هذا اللون الغنائي الوافد، رغم تأكيد مكي بأن فن الراب عربي المنشأ، وخصص لذلك ألبوما مستقلا سمّاه “أصله عربي”.. ليكون آخر ألبوماته الكاملة، وينتقل بعده إلى عالم الأغنية المنفردة التي تصدرت له أغاني مثل: “ماليش أكونت”، “قطر الحياة”. وأخيرا.. “وقفة ناصية زمان” التي سيدور حولها هذا العرض.

“الدار أمان فاكرين ولا نقول كمان”.. ما رأيك أن يحدثك شاب من مواليد العام 1980 بأحاديث جدتك عن العصور الخالية و”أيام زمان”؟ أو أن تجد غالب كلماته في زمن الماضي؟ أو أن يبكي على الزمان المنصرم وتفاصيله المفقودة؟ أو ألّا يملّ من تكرار الحديث عن الموضوع نفسه كل مرة، حتى تبدو كلماته نسخا مكررة عن بعضها؟ أو أن ينتقد “جيل الإنترنت” في عمل فني يعرضه على اليوتيوب، ويقيس نجاحه بعدد مشاهداته من جمهور الإنترنت ذاته!؟

وعلى الرغم مما قد يبدو عليه الأمر تافها، إلا أن زاوية خطيرة تقبع خلفه، تحتاج تأملا دقيقا وفحصا عميقا للوقوف على أبعادها.. ظاهرة ربما ستخصص لها الدراسات الاجتماعية فيما بعد حظا وافرا من النظر، وستفتح لها منافذ التدقيق في الجامعات أبوابها.

كيف غيرت التكنولوجيا حياتنا؟ كيف ابتلعت التفاصيل؟ ما هو الجيل؟ وكيف يمكن أن يدفن التسارع التقني أجيالا كاملة؟ أو أن يصيب شبابا في منتصف أعمارهم بالعجز النفسي عن مجارته؟.. هل يمكن اعتبار “يوتوبيا مكي” أول ظواهر تأثير عصر منصات التواصل على ديموغرافيا البشر؟

ليس في الأمر من التهويل شيء، جيل مكي هو آخر أجيال ما قبل عصر شمول الإنترنت، لذا هو الأكثر مقاومة له، وتشبثا بالقديم، وبكاءً على الأطلال.. هو الجيل الذي يعيش كل لحظة مفارقة العصرين، الجيل التائه بين المساحتين.

إن مصطلح الجيل اختلف كثيرا هذه الأيام، قديما كان الجيل يعني من عاشوا نحو مئة سنة أو يزيد.. نقول جيل الستينيات، وجيل السبعينيات. التطور كان بطيئا، من السهل أن تجد قواسم مشتركة بين سكان الأرض لقرن كامل.. اليوم، يبدو هذا الأمر مستحيلا، فمواليد التسعينات وحدهم يمكن تصنيفهم إلى أجيال مختلفة.. جريان الحياة صار أسرع منا، التقنية تبتلع تفاصيل تاريخ الأجيال تاركة آلاف الشباب تائهين في تحديد هويتهم.

هذا ما يعانيه مكي، لكن على نطاق أوسع.. لا يمكن اعتبار هذه الأغنية تغريدة منفردة في حياة الشاب العجوز، فالحقيقة أن أغلب أغاني مكي لا يكاد يخرج عن ذلك التيه، ألم يفتخر يوما بأنه لا يملك حسابا على فيسبوك، وخصص لذلك أغنية كاملة؟ ألا تزخر أغانيه بالفعل الماضي الذي يضعك في قالب الجالس في قعر الجدة وهي تحاكيه قصص طفولتها العتيقة؟

المفارقة التي حملتها أغنية مكي الجديدة “وقفة ناصية زمان”، أنها تحمل جملا كاملة -من حيث الكلمات والألحان- مقتبسة من أغاني سابقة، مثل الجملة التي يقول فيها: “منطقتي هي.. الطلبية”، وهي كلمات مطلع أغنيته السابقة “منطقتي” التي كانت تدور حول الموضوع ذاته، الحنين إلى الماضي والبكاء على الأطلال.

لقد استكان مكي للبكائيات حتى رجع بالزمن إلى درجة الحديث بلسان من سبقوه، فمكي المجاور للثلاثين من عمره، يحدثنا عن الطالبية التي لم تكن تعرف المخدرات، بينما رائحة الحشيش تفوح في جلسات الناصية منذ سبعينيات القرن الماضي. تقول كلمات الأغنية:

الدار أمان فاكرين ولا نقول كمان

وقفة ناصية زمان إدتنا إزاي نملك لسان

موزون بيلاغي الصايع والضايع والجنتل مان، كله سيان

قابلنا كل أنماط جنس الإنسان

وإتعاملنا فإتبنى جوا الدماغ بوصلة وميزان

فى جزء الثانية بنعرف نفقس مين جدع ومين جبان

ومين بقلب مات وأسود ومين قلبه بينبض حنان

ومين تشوفه تقول ده هادى ولو نكشته تشوف جنان

ومين غلبان ومين شيطان وجن وقرد وبهلوان

حتى الشقاوة على الناصية كان ليها أصول

الخناق راجل لراجل مش راجل قصاد أسطول

كات وصمة عار كبيرة إنك تضرب واحد من الضهر

حصل هيحصلك عار يوصلك للقبر

مكانش العادى أن القوى بيكسر الأضعف منه

تحس الكل كان مؤمن أن القوى في الأقوى منه

من أول محترم شقى حتى المجرم كمان

الكلام ده شفته بعيني ف وقفة ناصية زمان

كنا عزوة للحتة وقفتنا تحبها

ياما وقفات دلوقتي الناس تتمنى هدها

ألفاظ شمال بصوت عالي وحشيشها فايح منها

إزاي ولاد الحتة يبقوا هما مصدر همها

كان ياما كان وقفة ناصية زمان

وقفة الناصية إتعلمنا فيها كتير لغات

“السغة لمون” كانت لغة بنرغى بيها لساعات

لو فى غريب مابينا ومش عاوزين يفهم معنى الحاجات

“ساسب حواجب سفهم يتنيل ساجة حالات”

و فى كمان لغات جسد سبيل مثال

دي العيدية، ودي الجيزة فوق الكوبري، ودي الطالبية

ودي التلت طوابق اللي ناسها مية مية

وده الهرم ودي نفض، ودي صبرك عليا

وقفة الناصية كانت زي النادي تمام

أتعلمنا فيها هواية إن كان كلاب أو كان حمام

وقت الرغي فى الهواية مبيخلصش فيه الكلام

مفيش فلوس؟ عادي برضه مبتموتش الأحلام

عملنا بإيدينا ملعب غية وطبلية وجيم

الحاجة أم الإختراع اسعى اتوكل تتم

مكانش فيه آيباد تابلت واتساب فيس بوك واكلينلي يومي

يومي كله كان خبرات بشر من فجري لحد نومي

مش معزول ومنطوي قدام شاشات وبالساعات

لأ وسط ناس ومجتمع بشارك فيه بكتير حاجات

ياما حلينا ع الناصية كتير مشاكل حوارات

أخد الحق حرفة تبات ولعة تصبح رماد

منطقتي هي الطالبية

الشاب مكي المحبوس داخل ذكرياته في شارع الهرم في التسعينيات، ولا يدرك أن تربية الكلاب والحمام، وانتقاد الموبايل والإنترنت، لا يليق بجمهور الإنترنت الذي نشر عليه أغنيته، ليشكو جمهور الإنترنت الذي لم يعد يربي الكلاب ولا يعرف كيف يعتني بالحمام!

على مكي أن يتوقف قليلاً عن البكاء على الماضي والأطلال، وأن يتوقف عن الافتخار بأنه منخلع عن جيل الإنترنت، وأن يكسر تلك الثنائية التي خلقها في خاطره بأن الذائبين في عالم التواصل الافتراضي لا بد وأنهم منخلعون بالضرورة عن تاريخ منطقتهم وتراث أهلهم، وأن يعرف أن اللحاق بالتقنية أولى من الاستسلام للنوستالجيا والوعظ.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق