تحليل إخباري

السعودية تقاطع كندا.. أن تطلق النار على نفسك!

 

محمد الدسوقي – محلل سياسي وكاتب نقدي

“تعاقب شعبها”.. هكذا باختصار يمكن وصف قرارات المملكة العربية السعودية الأخيرة تجاه كندا، بسبب انتقادات الأخيرة لسجل حقوق الإنسان في المملكة، ومطالبتها بالإفراج فورًا عن معتقلي الرأي.

وكان حساب الخارجية الكندية قد نشر تغريدة عبر تويتر تناصر معارضين تعتقلهم الرياض، وتسلط الضوء على قضية الاعتقالات المتصاعدة في السعودية، والتي تستهدف ناشطين حقوقيين وسياسيين ودعاة.

 

تفاعل المملكة مع التغريدة جاء تصعيديًا، لتخلق أزمة ديبلوماسية كبرى مع كندا، رافضة أي وساطة لحلحلتها. وبرزت الإجراءات السعودية في قرار طرد السفير الكندي لدى الرياض وقطع العلاقات الديبلوماسية والملاحية وسحب جميع استثماراتها في كندا، وترحيل كافة طلابها المبتعثين إليها والبالغ عددهم 15 ألف طالب، ووقف علاج رعاياها على الأراضي الكندية.

وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، قال في مؤتمر صحفي بالرياض، إن ما وصفه بتدخل كندا في الشأن الداخلي للسعودية أمر غير مقبول، مضيفًا أن بلاده لا تقبل الإملاءات، بحسب وصفه.

وتابع الجبير أنه لا يوجد ما يمكن الوساطة بشأنه مع كندا، التي اعتبر أنها ارتكبت خطأ منذ البداية وتعلم ما يجب فعله لتصحيحه، موضحًا أن بلاده تبحث اتخاذ مزيد من الإجراءات ضد العاصمة أوتاوا.

واعترف الجبير ضمنيًا بوجود مختفين قسريًا في بلاده، وذلك في إطار تأكيده على ما يتعلق بمعتقلي الرأي الذين طالبت كندا بالإفراج عنهم على غرار شقيقة المدون السعودي رائف بدوي، حيث قال الوزير السعودي إنه سيتم إعلان الاتهامات الموجهة للناشطين المحتجزين بمجرد إحالة القضايا إلى المحاكم.

 

إجراءات تصعيدية

وكانت الرياض قد بدأت سلسلة إجراءات “تأديبية” تجاه كندا، فأعلنت وقف المعاملات التجارية مع كندا، ونقل نحو 14 ألفا من الطلاب والمرضى السعوديين من الجامعات والمستشفيات الكندية إلى دول أخرى.

وفي إطار هذا التصعيد، أوقفت الملحقية الصحية السعودية بالولايات المتحدة وكندا جميع برامج العلاج بكندا، وتعمل على نقل جميع المرضى السعوديين إلى خارج كندا، وفق ما أفادت به وكالة الأنباء السعودية.

ونقلت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية عن مصادر قولها إن السعودية أصدرت توجيهات لمديري محافظها الاستثمارية في الخارج لبدء بيع ما بحوزتهم من الأصول الكندية.

وأوضحت المصادر أن التوجيهات تشمل الأسهم والسندات والنقد، بغض النظر عما سيكلفه قرار بيعها، وأشارت إلى أن البيع بدأ فعلا منذ تعميم التوجيهات.

 

تشبث كندي

بدورها، أكدت وزيرة الخارجية الكندية كريستينا فريلاند أن بلادها ستواصل الدفاع عن حقوق الإنسان، ناقلة عن رئيس الوزراء جاستين ترودو قوله: “الكنديون يتوقعون من حكومتنا أن تتحدث بقوة وبصرامة ووضوح وتهذيب حول ضرورة احترام حقوق الإنسان محليًا وخارجيًا”.

وأكدت فريلاند أن ما يقلق الكنديين في المقام الأول ليس تداعيات هذه الأزمة عليهم، بل مصير 15 ألف طالب سعودي أبلغتهم حكومتهم بأنه ليس بإمكانهم استئناف دراستهم في كندا، وكذلك حال 800 طبيب ومقيم طبي يجب أن يغادروا بحلول الأول من سبتمبر المقبل.

 

القلق الكندي

الدكتور سلفاتوري سبادافورا، الأستاذ بأكاديمية العلوم الطبية بجامعة تورونتو، والمشرف على 216 من الأطباء والأطباء المقيمين السعوديين قال في تصريح صحفي: “إنه أمر صعب جدًا على أشخاص لديهم عائلات وعقود إيجار.. إنهم جميعا يبذلون جهدًا كبيرًا في دراستهم، ثم فجأة يحدث هذا”.

ويتفق مع سبادافورا، أستاذ آخر بالجامعة، الدكتور لبراين هودجز، الذي يشرف على 94 سعوديًا بينهم اختصاصيون متدربون، ويرى أن الأولوية الآن هي للبحث عن آلية لمساعدة الطلاب السعوديين، لأن “الكثيرين منهم بيننا منذ خمس أو أربع سنوات وهم على وشك أداء الامتحانات”.

 

تأثر محدود

ورغم الإجراءات السعودية، فإن السوق المالية في كندا لم تتأثر مطلقًا، رغم تسريب السعودية لتقارير تتحدث عن نية الرياض التخلص من الأصول الكندية، حيث لا يتجاوز التبادل التجاري بين البلدين ثلاثة مليارات دولار، فيما تحصل كندا من السعودية على 10% فقط من احتياجاتها من النفط الخام.

وكانت السعودية قد نشرت شائعات عبر منافذها الإعلامية تقول إن شركة المملكة القابضة السعودية تنوي بيع حصتها في سلسلة فنادق فورسيزون الكندية والبالغة 47.5%.. لكن المتحدثة باسم السلسلة سارا تويتي شددت على أن الأمور تسير بشكل طبيعي.

 

بدائل وحلول

لكن اقتصاديين أشاروا إلى أنه إذا ما احتد الخصام بين الجانبين، فإن بإمكان حكومة ترودو تعويض الخام السعودي من النفط الصخري الأميركي أو من كندا نفسها، كونها تملك ثالث أكبر احتياطي بترولي في العالم.

ورغم ذلذي قال في تصريح صحفي إن مبيعات النفط إلى كندا لن تتأثر بالأزمة الدبلوماسية بين البلدين.

ومن بلك، يرجح الاقتصاديون عدم إقدام السعودية على تلك الخطوة، سيما مع تأكيدات وزير الطاقة السعودي خالد بن عبد العزيز الفالح اين التهديدات السعودية، لا يمكن التعامل بجدية سوى مع احتمالية أن تقرر المملكة إلغاء صفقة عسكرية ضخمة أبرمتها مع كندا في 2014 بشأن عربات مصفحة تبلغ قيمتها 15 مليار دولار، مما قد يلحق ضررا بسوق العمل الكندية، وفق القيادي النقابي بلندن جيم ريد.

لكن احتمالية هذه الخطوة التصعيدية بدأت تتلاشى مع تصريح وزيرة خارجية كندا كريستيا فريلاند في وقت سابق بأنه “لم يُسمع عن أي خطوة سعودية إزاء صفقة السلاح”.

 

يعاقبون طلابهم

القيادي النقابي بلندن جيم ريد اعتبر في تصريح صحفي أن السعوديين يطلقون النار على أنفسهم، فحتى لو ألحقوا ضررا ببعض الجامعات والمعاهد الكندية فإنهم يضرمون الفوضى بين مواطنيهم سواء كانوا طلابا أو أطباء.

واعتبر روبرت بوثويل البروفيسور بجامعة تورونتو أن ما يقوم به ولي العهد محمد بن سلمان لإلحاق الضرر بكندا لن يؤذي سوى مصالح السعودية وطلابها واستثماراتها، مشيرًا إلى أن ما أسماه “العرش السعودي” يلعب بمصالح الآلاف من رعاياه ويعاملهم كما لو أنهم عبيد، معلقا: “وهذا أمر مؤسف للغاية”.

 

الاختيار الخطأ

يرى مراقبون أن السعودية ربما تريد أن تبلغ رسالة محددة للدول الغربية مضمونها أنها لن تقبل بعد الآن انتقادها وخاصة في ما يتعلق بوضع حقوق الانسان والحريات، وأن على المجتمع الدولي تقبل السعودية وطريقة حكم محمد بن سلمان كما هي والتكيف مع هذا الواقع.

ومنذ وصول الملك سلمان إلى عرش السعودية وتعيينه محمد بن سلمان وليا للعهد عام 2015 دخلت السعودية في عدة أزمات وصراعات في المنطقة، وسط انتقادات واسعة من المجتمع الغربي لها، لا سيما بعد انضمام المملكة لمجلس مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة.

ويحمل رد فعل الحكومة السعودية على الموقف الكندي رسالة واضحة للجميع بأن مملكة ابن سلمان لن تقبل أية انتقادات.. لكن الرسالة وإن بدت واضحة، إلا أنها أثارت الكثير من التساؤلات، وعلى رأسها: هل اختارت السعودية الهدف الخاطئ لتبلغ الآخرين برسالتها؟

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى