تقارير ودراسات

تونس تواجه المؤامرة.. محاولات استنساخ النموذج المصري في مهد الربيع العربي

حرب مفاجئة متزامنة من أطراف عدة تختلف في الاسم وتتفق في التمويل والهوية، على حركة النهضة التونسية ورئيسها راشد الغنوشي، تقول الحركة إن دولة الإمارات العربية المتحدة تقف وراء دعمها، في وقت جرت انتخابات رئاسية ونيابية في تونس في أكتوبر الماضي 2019.

ومنذ سنوات، تبذل دولة الإمارات جهودًا مكثفة لتوجيه السياسات الداخلية والخارجية لبعض الدول، وبينها تونس، بهدف بناء “نظام إقليمي جديد” ينسجم مع تصوراتها، وتشن لتحقيق ذلك هجمات تستهدف منع تعزيز الديمقراطية، ونشر الفوضى في بلدان عديدة.

جبهات عدة

بالنظر إلى الأنشطة الإقليمية الأخيرة لدولة الإمارات، يمكن القول بسهولة إن سياساتها تتسبب بفوضى وعدم استقرار في المنطقة، فالإمارات وهي الشريك الأكثر أهمية للتحالف العسكري باليمن، تقدم دعمًا للقوى الانفصالية جنوبي اليمن، وكذلك دعمًا ماليًا ودبلوماسيًا لدكتاتورية الأسد في سوريا، وتساهم في تفكيك وحدة هذا البلد.

وفي دول أخرى، مثل الصومال، توفر الإمارات دعمًا ماديًا لمنظمات إرهابية، وتعمل على إيجاد بيئة غير آمنة لتحصل على نفوذ في المنطقة. كما تدعم أبو ظبي وولي عهدها، محمد بن زايد، “مشاريع قذرة” تهدف إلى بيع فلسطين لإسرائيل، على يد مهندس هذه المشاريع، محمد دحلان.

شرق أوسط جديد

يمكن تلخيص المشاريع الإماراتية في المنطقة بأنها “جهد لبناء نظام إقليمي جديد”. فالإمارات تقيم تعاون ملحوظًا مع الروس في ليبيا، عبر تمويل مرتزقة تابعين لشركة “فاغنر” في البلد العربي، لدعم الجنرال الانقلابي، خليفة حفتر، ضد الحكومة الشرعية، المعترف بها دوليًا. ومن خلال التعاون مع نظام الأسد في سوريا، تحاول أبو ظبي موازنة علاقاتها مع الولايات المتحدة والصين بهدوء، وذلك على المستويات الاقتصادية والثقافية والدبلوماسية.

تمتلك الإمارات قدرة عسكرية محدودة للغاية، تحتاج إلى حلفاء إقليميين لبناء هذا النظام الإقليمي المأمول، لكنها في الوقت نفسه تجد نفسها في كل جولة مهزومة أمام تركيا، القوة الإقليمية المهمة بالمنطقة، ولهذا تسعى أبو ظبي إلى بذل جهود نشطة في المناطق التي تشهد نشاطًا تركيًا، ويمكن قراءة أنشطة أبوظبي في ليبيا والأزمات ذات الصلة بهذه الطريقة.

كما تركز أبوظبي على استهداف الجهات الفاعلة، التي لا ترغب في أن تكون جزءًا من مشاريعها في اليمن وليبيا وغيرهما، أو حتى الجهات الفاعلة التي تعمل على تطوير سياسات محايدة وعلاقات وثيقة مع أنقرة، كما هو الحال في الهجمات الإماراتية، التي تستهدف جهات فاعلة في المغرب وتونس.

استهداف الإسلاميين

أحد العناصر الأساسية للإمارات في إقامة “نظامها الإقليمي الجديد” هو تدمير أي حركة إسلامية قد تشكل تهديدًا لأمن نظامها، ويتم تنفيذ هذه السياسة داخل الدولة، وعلى مستوى دول الخليج وبلدان الشرق الأوسط والصعيد الدولي.

وفي وقت يتم فيه الضرب بقبضة من حديد على أيدي جميع الإصلاحيين، وخاصة الصحفيين الناقدين، فإن الحظر المفروض من السعودية والإمارات والبحرين ومصر منذ 2017 على قطر، يتم تنفيذه على صعيد منطقة الخليج.. وعلى الصعيد الإقليمي أيضًا، تشن الإمارات حربًا على دول إقليمية، مثل تركيا، حيث تدعي وجود تحالف بين أنقرة وجماعة الإخوان المسلمين،

وتنظر أبوظبي إلى شخصية مثل الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، على أنه يشكل فرصة يجب اغتنامها على نطاق عالمي، حيث تمارس أنشطة ضغط، بمساعدة واشنطن، وتواصل في الوقت نفسه تعزيز تعاونها مع قوى كبرى، كالصين وروسيا.

شمال أفريقيا.. الوجهة الجديدة

رغم تداعيات جائحة فيروس “كورونا المستجد” (كوفيد-19) على الاقتصاد الإماراتي، إلا أن أبوظبي تواصل أنشطتها خارج حدوها، ولعل خير مثال على تلك السياسات، أنشطتها في بلدان شمال أفريقيا، وتعمل الإمارات على إظهار الحكومة المغربية وكأنها فاشلة في مواجهة “كورونا” لماذا؟، وتعمل بالطريقة نفسها على استهداف تونس، عبر حملات موجهة في وسائل التواصل الاجتماعي.

وزعمت قناة “العربية”، التي تعمل بتمويل سعودي ومقرها الإمارات، أن راشد الغنوشي، رئيس البرلمان التونسي، رئيس حركة “النهضة” (إسلامية)، الذي عاد من المنفى عام 2011 مع “ثورة الياسمين”، تمكن من امتلاك ثروة مالية بوسائل غير مشروعة.

ويعمل تلفزيون “الغد”، ومقره مصر وهو امتداد للمحور الإماراتي السعودي، على الإسهاب في الترويج لهذه القضية، وتحاول القناة، التي تأسست على يد دحلان بتمويل إماراتي، خلق تصور بأن الشعب التونسي لا يثق بحكومته ولا بالتحقيقات الجارية في هذا الصدد.

تاريخ قديم من العداء

دعمت أبوظبي الاحتجاجات المناهضة لحركة “النهضة”، عام 2013، كما دعمت حزب “نداء تونس” (ليبرالي) ضد “النهضة” في الانتخابات الرئاسية، عام 2014، وعملت على استمالة الرئيس التونسي (الراحل)، الباجي قايد السبسي، لكسر تحالف النهضة-نداء تونس، الذي بزغ عقب انتخابات 2014.

وبالمثل، مولت أبوظبي الاحتجاجات المناهضة للحكومة، عام 2018، لإيجاد أزمة مصطنعة باتخاذ قرار لا يتناسب مع الأعراف الدبلوماسية، عبر منع التونسيات من دخول الإمارات. كما عملت أبوظبي على توجيه السياسات الداخلية التونسية، بدعم وزراء مثل لطفي براهم، ونبيل القروي، زعيم حزب “قلب تونس”، إلا أن جميع خطواتها باءت بالفشل.

إزاحة الغنوشي

ومن خلال الأزمة المفتعلة ضد الغنوشي، دعت مجموعات الذباب الإلكتروني، التابعة للمحور الإماراتي السعودي، البرلمان التونسي إلى سحب الثقة من الحكومة الائتلافية التي تشارك فيها حركة النهضة.

وعبر وسائل إعلام تابعة لهذا المحور، مثل “العربية” و”سكاي نيوز”، وجهت شخصيات تونسية تابعة للمحور، انتقادات لاذعة للغنوشي، معتبرة أن احتجاجات تونس، بداية من ديسمبر 2010، لم تكن ثورة. لينتقل بعدها النشاط الإماراتي من تونس إلى التدخل في الشؤون الداخلية الليبية.

أسباب الاستهداف

يمكن القول إن هناك سببين أساسيين لوضع المغرب وتونس والجزائر على قائمة الأهداف الإماراتية، الأول هو أن هؤلاء الفاعلين لا يخدمون النظام الإقليمي المطلوب تأسيسه تحت قيادة الإمارات. أو بعبارة أخرى، لم يتم احتواء هذه الدول ضمن محور الوضع الراهن، الذي تقوده الإمارات والسعودية، بسبب انتهاج تلك الدول سياسات مستقلة نسبيًا.

لذلك، بقي الشغل الشاغل للإمارات هو تحويل تونس والجهات الفاعلة الأخرى، كالمغرب والجزائر، إلى بيادق في النظام الإقليمي الجديد، الذي تحاول أبوظبي تأسيسه، وهو ما يقودنا إلى السبب الثاني وهو وجود حركات إسلامية أقلية أو أغلبية في دول شمال أفريقيا هذه (تونس والمغرب والجزائر)، حيث عملت أبوظبي على استهداف الدول التي لا تقع تحت “هيمنتها” وتتسامح مع الحركات الإسلامية.

حياد مزعج

لا يمكن الفصل بين عملية استهداف تونس والتوازنات في ليبيا، حيث تعمل الإمارات على توجيه السياسة التونسية لضرب الحركات الإسلامية أو الديمقراطية، ولعب دور نشط في الحرب الأهلية بليبيا، والحد من نشاط تركيا في المنطقة.

إن بقاء ليبيا  محايدة رغم جميع الإغراءات السياسية للإمارات خلال الأزمة، شكل في الواقع مصدر إنزعاج لأبوظبي، ورغم أن الحكومة الشرعية في ليبيا تؤكد دعمها لكل من الجزائر وتونس، إلا أن الأخيرة رفضت مرور الدعم العسكري التركي لحكومة فائز السراج الشرعية في طرابلس عبر أراضيها.

لذلك، يمكننا القول إن الحكومة التونسية تعمل وفق مصالحها الوطنية، ولا تتمسك بطرف محدد، سواء كان تركيًا أو إماراتيًا غير أن الإمارات لا يروق لها حياد تونس، فتعمل على استهداف هذا البلد، لكن بطريقة ترتبط إلى حد كبير بالتغيرات في الموازين بمنطقة شرق البحر المتوسط.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الاتفاقيات التي وقعتها تركيا والحكومة الليبية، المعترف بها من المجتمع الدولي، وكذلك الدعم التركي المقدم للحكومة الليبية، مكن حكومة السراج من تغيير التوازنات على الأرض، ووضع حدًا لهجمات الجنرال الانقلابي حفتر ضد قوات الحكومة الشرعية.

إقحام تونس في ليبيا

تحاول الإمارات من خلال تعزيز قوة حفتر وإقحام تونس في المعادلة الليبية، تغطية هذه الخسارة، لهذا تعمل على استخدام المساعدات الإنسانية كسلاح، تمامًا كما تفعل في الساحة السورية.. لكن ما تريده أبو ظبي من تونس، القريبة جغرافيًا من حفتر المهزوم ميدانيًا، هو لعب دور عسكري وسياسي في ليبيا، حيث تسعى الإمارات إلى توفير مزيد من الدعم لحفتر شرقي ليبيا، وإناطة مسؤولية دعم حفتر في الغرب بتونس.

وبالنتيجة، يمكننا القول إن أبوظبي تبذل جهودًا محمومة لتوجيه السياسة التونسية الداخلية والخارجية لبناء النظام الإقليمي الذي تتصوره، والذي يتم فيه القضاء على الحركات الإسلامية، وتوجيه السياسة الداخلية والخارجية للبلاد بأدوات اقتصادية، والحد من نشاط بعض البلدان الفاعلة في المنطقة، مثل تركيا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى